سدد حين ميسرة

على أبواب الأزمة كان البيت لا يزال يساوي 100 ألف جنيه، لكنه مديون بـ200 ألف. هذا النهم للسيولة والإنفاق كان أول إشارات الأزمة التي أنكر الكل تقريبا أنها قادمة.
الأربعاء 2018/08/08
كان الإغراء أكبر من أن يقاومه أحد

على نهاية هذا الشهر، تكون الأزمة المالية العالمية قد عمرت عشرة أعوام بيننا. عالم ما قبل سبتمبر 2008، غير عالم ما بعده. كل شيء تغير تقريبا، وطحنت توابع الزلزال المالي التركيبات السياسية والاجتماعية والنفسية للعالم. قبل أن ننسى، ما سمي بالربيع العربي، كان من نتائج هذه الأزمة، وأصاب الدول التي أنكرت وجود الأزمة وكابرت بأنها غير موجودة وأنها قادرة على تجاوزها.

كان شيئا غريبا قد بدأ يحدث في القدرة على الإنفاق والرغبة في الإسراف. أذكر أن بطاقة الائتمان الأولى الخاصة بي كانت بحد إنفاق أعلى هو 500 جنيه إسترليني. على منتصف العقد الأول من الألفية قفز الرقم إلى 1200 جنيه ثم إلى 8000 وأخيرا، وقبل الأزمة وصل الرقم إلى 12600 جنيه. لاحظ أن المصرف لم يقرضك مالا لكي يلتزم بإجراءات التدقيق المعتادة، بل قدم لك تسهيلات مصرفية يمكن أن تستخدمها أو لا تُستخدم.

كان الإغراء أكبر من أن يقاومه أحد. كأن أحدا يضع رزما من الأوراق المالية في جيبك ويقول لك اصرف كما تحب، وسدد حين ميسرة. صرنا أشبه بالأطفال الذين اعتادوا على قطعة حلوى واحدة يوميا، وفجأة قررت الوالدة الحنون أن تعطيهم علبة الحلوى كلها، بل وترشدهم أين تخبئ بقية العلب. تسوست أسنان الأطفال بسرعة وزادت أوزانهم.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فحين تصل إلى أقصى ما يمكن “استدانته” من بطاقة الائتمان، يأتيك عرض آخر من مصرف ثان لبطاقة ثانية وثالثة. سيتصل بك المصرف ويدعوك إلى لقاء مع مستشار مالي (عادة ما يعيش على العمولة)، ليعيد ترتيب وضعك المالي. لديك بيت عليه قرض بمئة ألف جنيه، لا إشكال! يمكن الاستدانة من بنك آخر 120 ألف جنيه وتسديد القرض الأصلي وتبقى بين يديك 20 ألفا فائضة تسدد بها قروض بطاقات الائتمان أو تنفقها كما تحب. ومرة أخرى سدد حين ميسرة. ثم يعاد بيع الدين إلى مصرف آخر بـ140 ألف جنيه. ثم أكثر. كل مرة يعبأ بصندوق مالي أكبر بـ20 ألفا. على أبواب الأزمة كان البيت لا يزال يساوي 100 ألف جنيه، لكنه مديون بـ200 ألف. هذا النهم للسيولة والإنفاق كان أول إشارات الأزمة التي أنكر الكل تقريبا أنها قادمة.

شرب الناس لحد الثمالة، وأكلوا لحد التخمة، وامتنعوا عن الرياضة لحد التنبلة، ثم صدموا حين قال الطبيب إن الوقت قد حان لمواجهة ارتفاع ضغط الدم وزيادة نسبة الكوليسترول والسكري. الأزمة القلبية كانت موعدا مع ما تأخر من الأعراض وليست مفاجأة. وهذا بالضبط ما أصاب العالم ماليا.

في عالم مترع بالإنفاق، لم تكن الهجرة مشكلة، فهم عمال أرخص، ولا البضاعة الرخيصة التي تأتي من الصين قضية، فهي جزء من رفاهية التحول من عصر الصناعة في الغرب إلى عصر الخدمات والترفيه. الآن، ومع الانكماش الذي لا يريد أن يفارقنا، أعاد العالم اكتشاف غرائزه، فصار يكره الأجانب (ليس في الغرب فقط بل في كل مكان – أنظر ما يحدث في الهلال الخصيب)، وصار يريد إقامة الحدود بعد أن أزالها. صار بريكست ممكنا، وجاء ترامب وانتعش بوتين.

الأطرف في كل هذا أن لا أحد يتعلم من عقد من المشاكل ويتصرف الجميع وكأن بالإمكان إعادة الوضع كما كان. كأنهم لم يجربوا استحالة إعادة معجون الأسنان إلى عبوته بعد أن تم عصره خارجها.

24