سد النهضة: آن لمصر أن تعلن حرب التحكيم الدولي

الحل الأنجع هو الالتجاء إلى التحكيم الدولي مع التحضير الشامل لحرب المحاكم الدولية وحشد التأييدين الإقليمي والدولي اللازمين للدفاع عن هيبة مصر وهبة النيل.
الثلاثاء 2018/04/10
أزمة سد النهضة إلى أين؟

استمرار اجتماع وزراء الخارجية والري ومدراء أجهزة مخابرات كل من مصر والسودان وإثيوبيا أكثر من 18 ساعة متواصلة دون أن يفضي اللقاء إلى اتفاق حول سد النهضة الذي تبنيه أديس أبابا حول نهر النيل، يؤكد أن الأزمة هيكلية وعميقة.

وفشل لقاء الخرطوم الموسع رغم التعهدات والتطمينات التي تحصلت عليها القاهرة خلال اجتماع ثلاثي رئاسي جمع قادة الدول الثلاث،فهذا يشير إلى أن الأزمة بعيدة عن التسوية ولن تحل تعقيداتها الشائكة بحسن نوايا أو جميل كلام دبلوماسي.

من الواضح أن تغييرا كبيرا طرأ في أزمة نهر النيل، ذلك أن النزاع لم يعد بين القاهرة والخرطوم من جهة، وباقي دول المنبع من جهة ثانية، بل صارت المكاسرة بين كافة الدول المذكورة آنفا وبين القاهرة لوحدها.

ذلك أن الخرطوم اختارت تغيير المواقف عقب تأكيدات لها بأن سد النهضة سيحمي السودان من خطر الفيضانات الموسمية عبر التقليل من قوّة الدفق، مع ضمان استدرار الطاقة الكهربائية من السد دون أن يمس من حصتها السابقة من النيل.

على وقع هذه التطمينات غيّرت الخرطوم من خطابها السياسي حول أزمة نهر النيل وحيال مصر، ولم تقصر الكثير من القوى الإقليمية في الدفع بالاختلاف إلى حده الأقصى، بل وتصييره إلى خلاف دبلوماسي واضح بين العاصمتين الشقيقتين اللتين كانتا في وقت سابق “درتي تاج” دولة مصر الكبرى.

لم تهدئ خطابات أديس أبابا من روع القاهرة، ولم تقدر تقديرات الباحث فاروق الباز حول سد النهضة على شفاء غليل المحروسة، التي لا تزال تعتبر السد خطرا استراتيجيا يتهدد الأمن المائي والغذائي المصري ويستهدف النهر الذي يزودها بنحو 90 في المئة من الطاقة الكهربائيّة.

كان انتقال الخرطوم إلى الضفة المقابلة ضربة موجعة تلقتها الدبلوماسية المصرية التي وجدت نفسها صوتا وحيدا أمام 5 أصوات تتحدث بمنطق واحد، ضرورة تغيير معاهدة “عنتيبي 1959” وتحوير حصة المياه لكل دولة وتأمين حق أديس أبابا في إنجاز مشاريع مائية كبرى تؤثر على مسار النهر وطاقاته التوليدية.

وسواء بسبب إدراكها أنها باتت وحيدة ومهمشة ضمن مشهدية أزمة النيل، أو لاقتناعها بالسبل الدبلوماسية اختارت القاهرة التهدئة واعتماد التوافق لحل النزاع حول المياه، فكان توقيع الرئيس عبدالفتاح السيسي على اتفاقية سدّ النهضة في 2015 والذي كان إعلان مبادئ وحسن نوايا أكثر منه اتفاقا حقيقيا، قبل أن تحتضن القاهرة اجتماعا ثلاثيا بين رؤساء مصر والسودان وإثيوبيا لدعم سبل التسوية السلمية.

وعلى الرغم من كل ما سبق ارتطمت كافة المحاولات والجهود، إما بمكابرة من أديس أبابا تعتبر سدّ النهضة هبة إثيوبيا، وهو موقف مدعوم من قوى إقليمية على رأسها إسرائيل وتركيا وقطر، وإما بمقامرة سودانية استساغت القفز من أعلى القوارب المتأرجحة واستمرأت تحويل البندقية من كتف إلى آخر.

تلام الخرطوم مرة لأنها انقلبت على مصالح الجار العربي ولم تقرأ حسابا لحقوق المصريين قبل استداراتها المعهودة، وتلام القاهرة مرتين لأنها لم تستقرأ الأزمة بالعمق الصحيح ولم تستطلع كينونة العدو قبل الصديق.

خلال أقل من سنة وجهت الخرطوم إلى القاهرة ثلاث ضربات موجعة، الأولى عند تسويغ جزيرة سواكن للقوات التركية إلى أجل غير مسمى، والثانية عند تحريك قضية أحقيتها بمثلث حلايب وشلاتين، والثالثة عند الانتقال من فريق مصب النيل إلى فريق المنبع، بعد الكثير من التعهدات والمساومات الإقليمية والقليل من التطمينات الإثيوبية.

لا يمكن للقاهرة أن تتحالف مع الزمن لحل الأزمة فالوقت في غير صالحها، ولا يمكنها أيضا أن تستنطق الجغرافيا السياسية لدعمها، فالجار العربي انقلب عليها ولا تمتلك المقومات المالية والسياسية التي تجعله ينقلب على انقلابه، ليكون الحل الأنجع الالتجاء إلى التحكيم الدولي مع التحضير الشامل لحرب المحاكم الدولية ونزاع القوانين وحشد التأييدين الإقليمي والدولي اللازمين للدفاع عن هيبة مصر وهبة النيل.

9