سد النهضة: استراتيجية الوهم مقابل سياسة الأمر الواقع

توجهت مصر نحو الشركاء الدوليين الرئيسيين من أجل الضغط على إثيوبيا لوقف بناء سدّ النهضة، لكن القاهرة فشلت في حشد الدعم الكافي بما ساهم في تضييق الأفق أمامها مقابل تقدم إثيوبيا في بناء السد، ليبقى أمام مصر خيار واحد هو التفاوض والتسليم بالأمر الواقع.
الجمعة 2016/04/08
مصر صارت هبة سد النهضة

القاهرة - رأى خبراء مصريون في احتفالات إثيوبيا بالذكرى الخامسة لبدء إنشاء سد النهضة في 2 أبريل الحالي تسليم مصر بسياسة الأمر الواقع. هذا الاتجاه جاء ضد الثقة التي منحتها جهات شعبية كثيرة للحكومة المصرية، حيث وثقت بها واعتقدت أن الحكومة المصرية لديها من الحلول ما يمكنها من وقف استمرار بناء السد الإثيوبي.

وأثارت جملة من التصريحات الرسمية الأخيرة استغراب المتابعين، المصريين والدوليين، حيث جاءت مناقضة لما كان يسوّق من قبل وعلى عكس التقديرات الاستراتيجية وتحذيرات الخبراء التي تتوقع تهديدات جديّة للأمن المائي والقومي المصري، بسبب سدّ النهضة.

وكان سامح شكري وزير الخارجية المصري، أقر في تصريحات إعلامية، مؤخرا، أن “سد النهضة حق لإثيوبيا ولن يستطيع أحد إنكار ذلك”. وذهب محمد عبدالعاطي، وزير الري المصري، إلى أبعد من ذلك، حين أكد أن السد أصبح واقعا ولا فائدة من “البكاء على اللبن المسكوب”.

محمد العرابي وزير خارجية مصر الأسبق، قال لـ”العرب”، إن التصريحات الأخيرة لوزيري الخارجية والري لها قدر كبير من الأهمية، فهي تأتي لتهيئة الرأي العام المصري للتعامل مع حقيقة موجودة على الأرض. هذه الحقيقة تتلخص في أن الدولة المصرية تهدف للحصول على حقوقها المائية، دون النظر إلى تواجد السد من عدمه، وهو ما يؤدي إلى نسيان أي هزائم دبلوماسية حدثت خلال السنوات الخمس الماضية.

وأضاف أن تصريحات الوزيرين لا تختلف كثيرا عن رؤية الرئيس عبدالفتاح السيسي، الذي قال للبرلمان الإثيوبي، “لكم الحق في التنمية ولنا الحق في الحياة”، وهي نظرية يعمل على تطبيقها المفاوض المصري.

يرى مراقبون أن السياسة المصرية القائمة على بناء جسور الثقة بين البلدين لن تتغير خلال الفترة المقبلة، والمفاوضات سوف تتركز بالأساس على زيادة سنوات ملء السد والإدارة المشتركة له ومستوى ارتفاعه.

وتوقفت المفاوضات الثلاثية بين مصر والسودان وإثيوبيا، بعد انتهاء الجولة العاشرة في فبراير الماضي بالاتفاق على توقيع العقود إيذانًا ببدء تنفيذ الدراسات الفنية على السد التي اتفقت عليها الدول الثلاث المعنية.

أحمد محمد آدم: السد العالي سوف يصبح مجرد حائط بعد بناء سد النهضة

اليد العليا

هاني رسلان، الخبير في الشؤون الأفريقية، قال لـ”العرب” إن “موقف الدبلوماسية المصرية بدأ يتحول بشكل سريع ويتجه للرضوخ إلى الأمر الواقع، وسط قناعة بأن سد النهضة أصبح موجودا بالفعل”.

وألمح إلى أن الخلاف الظاهر الآن يتعلق بالتفاصيل، حيث ترى مصر أن حجم السد أكبر من هدفه المعلن من جانب إثيوبيا (توليد الطاقة)، فإذا كانت تريد ذلك يجب ألا تزيد السعة الكلية له عن 14 مليار متر مكعب. لكن الحقيقة أن مساحته تزيد 5 أضعاف عن هذا الحجم، وسوف تصل قدرته التخزينية إلى 74 مليار متر مكعب، لأسباب سياسية واستراتيجية.

وبوجه عام، لا ينظر المراقبون لسد النهضة باعتباره مجرد منشأة هندسية، بل أداة لتقويض النظام القانوني لدول حوض النيل، من أجل التحول إلى أوضاع جديدة يكون لإثيوبيا فيها اليد العليا في التحكم بمياه النيل.

وتضع القاهرة خطة استراتيجية للتفاوض، إلا أنها وفقا للأوضاع الراهنة تبدو كأنها تسير وراء “وهم” لأن إثيوبيا تتبع سياسة النفس الطويل وكسب الوقت بأكبر قدر ممكن حتى تضع القاهرة أمام الأمر الواقع، وهو ما نجحت فيه حتى الآن.

وأفاد الخبراء أن استمرار مصر في اتباع الخطة ذاتها دون نتائج، أو في ظل تحقيق نتائج عكسية، يضفي شرعية على مخالفات إثيوبية صريحة للقانون الدولي.

ما يبرهن على نجاح سياسة أديس أبابا الخلاف القائم بين البلدين في الوقت الحالي حول البدء في تخزين المياه أمام السد، حيث طلبت مصر التأجيل إلى حين الانتهاء من الدراسات الفنية والاتفاق على سنوات التخزين وسياسات تشغيل السد، لكن إثيوبيا تصر على بدء التخزين مع الفيضان المقبل في شهر يوليو، أي بعد ثلاثة أشهر.

نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، قال لـ”العرب”، إن الدبلوماسية المصرية وقعت في العديد من الأخطاء، بداية من إعلان المبادئ الذي صدر بموافقة الدول الثلاثة (مصر والسودان وإثيوبيا) العام الماضي، ما أعطى شرعية وموافقة ضمنية على بناء السد.

موقف غير واضح للسودان من سد النهضة

وأضاف أن غياب أي رد فعل مصري قوي سمح لإثيوبيا بأن تتخذ إجراءات منفردة دون الرجوع إلى مصر، كان آخرها إعلان موتوما مكاسا، وزير الري الإثيوبي، ملء السد على مدار 6 سنوات، وهو ما يعني خسارة مصر 15 مليار متر مكعب من المياه سنويا، وهي كمية تكفي لاستصلاح 3 ملايين فدان.

وذهب بعض الخبراء في مصر للقول إن إثيوبيا ارتكبت العديد من المخالفات الدولية دون أن تحرك القاهرة ساكنا حتى الآن، حيث شرعت في بناء السد دون الالتزام بمبدأ الإخطار المسبق لدول المصب (مصر والسودان) مثلا، ومع ذلك مصممة على المضي في مشروعها. كما أنها رفعت السعة التخزينية تدريجيا حتى وصلت إلى 74 مليار متر مكعب، وهي مخالفة لم تحاول مصر استغلالها دوليا حتى الآن.

يشدد القانون الدولي على عدم بناء أي سد يؤثر سلبا على أي من السدود القائمة بالفعل، وقد تجاهلت أديس أبابا أن السد العالي في مصر سيكون أكبر المتضررين من سد النهضة.

وكان أحمد محمد آدم، وزير الري السوداني الأسبق، قال إن السد العالي سوف يصبح “مجرد حائط بعد بناء سد النهضة”. ومع كل هذه المغالاة في الوصف، إلا أن السد العالي من الممكن أن يتأثر بالفعل وبقوة.

غموض سوداني

تشعر كثير من الدوائر المصرية أن إثيوبيا لا تمثل العائق الوحيد أمام القاهرة في مفاوضات سد النهضة، بل إن موقف السودان غير واضح في بعض الأحيان، وهو ما يجعل الحكومة المصرية وكأنها أمام خصمين، أحدهما معلن والآخر مستتر.

في تعليقه على هذا الموقف، أكد نادر نور الدين لـ”العرب”، أنه يلمـح تأييدا سودانيا لما قامت به إثيوبيا، بدليل إقالة وزير الري كمال علي الذي تحدث عن أضرار سد النهضة على السودان.

وأضاف أن النخبة المثقفة في الخرطوم بدأت تشعر بالمخاطر في مواجهة الموقف الرسمي للدولة، وأخذت تظهر عليها مواقف امتعاض من السياسات السودانية حيال سد النهضة. وقد كتب نور الدين على فيسبوك، “صارحوا الشعب المصري بخطورة الأمر، وأعلنوا الطوارئ وترشيد استخدامات المياه، واطلبوا من الأمم المتحدة المساندة لمواجهة جفاف نهر النيل”.

وفسر هاني رسلان الموقف السوداني الملتبس بأن خطوات إثيوبيا لتقويض الدور المصري تصب في مصلحة الخرطوم، فحكومة عمر البشير ترى أن من مصلحتها إضعاف مصر مائيا في المستقبل من أجل الحصول على قدر أكبر من المياه تمكنها من استصلاح أراضيها.

ولاحظ دبلوماسيون في مصر أن السودان بدأ يتحدث بلهجة غير مطمئنة، الأمر الذي دفع سامح شكري وزير الخارجية المصري إلى القيام بزيارة مفاجئة للسودان في 20 مارس الماضي لمعرفة موقفها من مشاورات سد النهضة، غير أن نتيجة المحادثات لم تمكن القاهرة من الحصول على معلومات تشي بتغير حقيقي في الموقف السوداني.

إجماع بين خبراء المياه على أن سد النهضة ليس مجرد منشأة هندسية بل أداة لتقويض النظام القانوني لدول حوض النيل

معروف أن السودان لا يعتمد على مياه نهر النيل إلا بنسبة 10 في المئة بفضل الأمطار الهائلة لديه، التي تقدر حجمها بألف مليار متر مكعب لا يستفاد منها إلا بنسبة 1 في المئة منها ويهدر الباقي دون الاستفادة منه. لذلك لا يعارض النظام السوداني بناء سد النهضة، خصوصا بعد أن نجحت أديس أبابا في استقطاب عدد من الحركات المتمردة في دارفور، ونجاحها في عقد مفاوضات بينها ونظام البشير في أديس أبابا. علاوة على تغلغل إثيوبيا في المشهد السياسي السوداني برمته، بما فيه دورها اللافت في المحادثات التي تجري بين نظام البشير وقوى المعارضة المختلفة.

أوضح محمد نصر الدين علام، وزير الري والموارد المائية المصري سابقا، لـ”العرب”، أن هناك العديد من الخيوط تملكها الدبلوماسية المصرية في ملف سد النهضة.

وقال يمكن أن تلجأ القاهرة إلى التحكيم الدولي وستكون لها الغلبة المطلقة بسبب المخالفات الإثيوبية للقوانين الدولية، مشترطا أن يكون ذلك قبل الانتهاء من بناء السد، وبإمكانها أن تعلن رفض الإضرار بمصالحها، وأن تسجله عالميا من خلال المؤسسات الدولية.

وأشار إلى أن توقيع مصر على اتفاق المبادئ بالخرطوم في مارس 2015 ليس له قيمة في تلك الحالة، فالمحاكم والمنظمات الدولية تعترف فقط بالمعاهدات والاتفاقيات.

وشدد خبراء أمنيون على ضرورة التلويح بالحل العسكري للحفاظ على حقوق مصر المائية. لكن الثابت في جميع الأحوال، من وجهة نظر خبراء آخرين، استحالة الحل العسكري لأنه قد يكلف مصر أكثر ما يكلفها بناء السد في الوقت الحالي، كما أن سياسة النظام المصري الحالي تميل إلى تغليب الحلول بالطرق التفاوضية.

لا تملك مصر العديد من الخيارات لمواجهة المخطط الإثيوبي، حيث أن القاهرة ليس لديها القدرة العسكرية على وقف بناء السد وذلك لأن السد يقع في منطقة بعيدة عن المطارات المصرية، كما لا يمكن للطائرات المصرية التزود بالوقود من القواعد السودانية القريبة، وأيضا لا مجال، وفق المتغيرات الإقليمية الراهنة، لقرارات التدخلات العسكرية المنفردة.

7