سد النهضة الإثيوبي قضية مائية تتحول إلى سياسية ومصر تتجه نحو تدويلها

الاثنين 2014/02/17
مشروع سد النهضة الأثيوبي يهدد الثروة المائية المصرية

القاهرة- تصاعدت الخلافات بين مصر وإثيوبيا، بشأن بناء سد النهضة، بعد تعنت واضح من الجانب الإثيوبي في جولات المفاوضات المتعاقبة، ورفضها تقديم تنازلات في مشروع السد، الذي يهدد أمن مصر المائي.

جاءت تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي هيلي ميريام ديسالين قبل أيام قليلة في إطار تحد سياسي للجانب المصري، الذي يتجه إلى تدويل قضية سد النهضة، بعد تعنت إثيوبيا ورفضها للمقترحات المصرية لحل الأزمة المائية بينهما، وذلك عقب زيارة محمد عبد المطلب وزير الموارد المائية والري المصري للعاصمة الإثيوبية أديس أبابا مؤخرا، ولقائه مع نظيره الإثيوبي لبحث أزمة سد النهضة.

للوقوف على آفق الخلافات حول قضية سد النهضة ومسار العلاقات بين البلدين في ظل تمسك إثيوبيا بموقفها في بناء السد رغم الرفض المصري، استطلعت “العرب” آراء مسؤولين وخبراء مصريين للحديث عن هذه الأزمة المائية التي يمكن أن تتحول إلى أزمة سياسية في ظل تعنت إثيوبيا المستمر، ورغم ذلك تحاول إثيوبيا الظهور في موقع الدولة المتعاونة والتي تأمن بالحوار لحل الأزمة، في حين أنها، وحسب المراقبين سبب فشل المفاوضات الأخيرة بين الجانبين خلال زيارة الوزير المصري لأديس أبابا، وهذا ما أكده خالد وصيف المتحدث باسم وزارة الري لـ”العرب” قائلا “إن الحوار هو السبيل الأمثل لحل المشكلة، كلمة جميلة يرددها رئيس وزراء إثيوبيا، لكن من الضروري أن يكون الحوار جادا، وفي إطار زمني وتقف خلفه إرادة سياسية حتى ينجح، فالجانب الإثيوبي رفض خلال زيارة وزير الري المصري لأديس أبابا مؤخرا كل ما تم عرضه لحل المشكلة”.

وحول البدائل الموجودة لدى وزارة الري لحل الأزمة قال وصيف: “البدائل ليست لدى وزارة الري ولكنها لدى اللجنة العليا لمياه النيل برئاسة رئيس الوزراء حازم الببلاوي، والدولة كلها تتحرك من أجل هذا الملف، ودورنا في وزارة الري التفاوض والوقوف عند نقطة معينة، وفي هذه الحالة نلجأ إلى التفاوض بأساليب وأوراق أخرى، وهذا يتم عن طريق الدولة بجميع إمكانياتها، والتحركات الآن تتم على مستوى الدول، لأن مصر كلها تتعرض لخطر كبير”.

واستطرد في كلامه موضحا: “لا تحملونا أكثر مما نطيق، مياه النيل مسؤولية مصر كلها، نحن في وزارة الري نتكلم عن السد وآلياته وتشغيله وهذه الأمور لم تكن مطروحة للحوار، أما الآن فالدولة في مرحلة مراجعة للموقف وترتيب أوراقها، وتستخدم كل السبل المتاحة لحل الأزمة.

من جهته قال محمود أبوزيد الخبير المائي ووزير الري المصري السابق، إن مصر في حاجة إلى مزيد من الاجتماعات والمباحثات مع الجانب الإثيوبي، سواء بشكل ثنائي أو ثلاثي بحضور السودان لحل قضية السد، موضحا أن التعنت الإثيوبي في المفاوضات واضح جدا وهو لكسب الوقت، وقد تكون تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي الأخيرة ودعوته إلى الحوار مناورة، أرى أن نستفيد من هذه التصريحات، وأن يكون خيار التفاوض هو خيارنا الأساسي.

وفي رده على استفسارنا حول استمرار مصر في التفاوض، على الرغم من فشل جولات الحوار السابقة قال أبوزيد: “الكلام عن أن المفاوضات فشلت غير صحيح لأن مثل هذه القضايا تأخذ وقتا طويلا ويمكن استمرارها لفترات، صحيح أنها إطالتها ليس في صالح مصر، لأن العمل في إنشاء السد مستمر ويتقدم، لكن هذا يرجع إلى المفاوضين ويحتاج إلى خبرة وحنكة في التفاوض حتى لا نعطي الطرف الإثيوبي فرصة لإطالة أمد المباحثات، لكن في كل الأحوال يجب استمرار المفاوضات وعدم القطع بأنها فشلت.. وعلينا أن نتقدم بأفكار جديدة لتقريب وجهات النظر.


نقطة خلاف رئيسية


أشار أبوزيد إلى أن نقطة الخلاف الأساسية التي تعرقل التفاوض موضوع اللجنة الثلاثية، حيث تطالب مصر بوجود خبراء دوليين مع الجانبين المصري والإثيوبي، وأديس أبابا تصر على عدم وجود خبراء أجانب، ولجنة الخبراء السابقة توصلت خلال عام من العمل إلى تقرير مهم وأوصت فيه بضرورة استكمال الدراسات حول آثار السد الجانبية بشكل أفضل، لتوضيح تأثيره على مصر والسودان، ومصر حتى الآن تنادي بضرورة وجود خبراء دوليين في حين ترفض إثيوبيا.

وحول تأخر لجوء مصر إلى الاتحاد الأفريقي والدول الأفريقية في أزمة السد، قال أبوزيد: “عند الحديث عن وسطاء تعتبر الدول الأفريقية هي الأقرب في هذا الصدد، ويجب أن نستفيد من الاتحاد الأفريقي، صحيح أن عضويتنا مجمدة في الاتحاد، عقب ثورة 30 يونيو، وستستمر كذلك حتى انتخاب رئيس جديد، لكن هذا لا يجب أن يمنعنا من الاستفادة من الدول الأفريقية، خاصة أن هناك محكمة الأمن الأفريقي، وهي شبيهة بمحكمة العدل الدولية وتعنى بمصالح الدول الأعضاء في القارة، وقضية السد من القضايا التي تنظر فيها المحكمة ويمكن اللجوء إليها في هذه المسألة باعتبارها تهدد أمن مصر.

وعن الدعم العربي لمصر في هذا الملف وضح أبوزيد أن الدول العربية الخليجية بالتحديد لها استثمارات كبيرة في إثيوبيا ويمكن أن نلجأ إليها لمساعدة مصر في هذا الملف للضغط على الجانب الإثيوبي.


لغة مزدوجة

في إطار جولته الآسوية إلى إندونيسيا، وزير الخارجية الأميركي يجد وقتا للمرح بعيدا عن السياسة


أصبح الموقف الإثيوبي محل انتقادات كبيرة وأثار ردود أفعال غاضبة من الجانب المصري باعتبار أن أديس أبابا لا تنظر إلى مصلحة مصر في تنفيذها لهذا المشروع ، في هذا الشأن يقول علاء الظواهري خبير السدود بجامعة القاهرة وعضو لجنة الخبراء السابقة بشأن سد النهضة لـ”العرب” إن الجانب الإثيوبي يتكلم عن الحوار وهو ماض في تنفيذ السد، دون أي اعتبار لمصر، والتصريحات المصرية تقول إننا سنتحاور مع أديس أبابا دون المساس بقطرة ماء، فيما يقول الجانب السوداني إنه يتفق مع مصر في الأهداف وعدم المساس بحصتها من المياه البالغة 55 مليار متر مكعب، لكن نختلف معها في الأساليب لتحقيق هذه الأهداف، وهي كلها تصريحات دبلوماسية لم تغير في الواقع على الأرض”.

وأضاف الظواهري: “حتى الآن مصر لم تتفاوض حول السد ولكن على استكمال الدراسات، وكل ما تطلبه أن يكون هناك مزيد من الدراسات بمشاركة خبراء دوليين، وطالب السلطات المصرية بأن يكون سقف المطالب الدولية أعلى من هذا بكثير ويرتفع إلى التفاوض حول سد أصغر لأن السد الحالي ضار وغير قانوني وغير شرعي، وجميع المواثيق والأعراف الدولية تؤيد مصر في ذلك، وهناك أخطاء كثيرة ارتكبها الجانب الإثيوبي أثناء عملية إنشاء السد، حيث وضع حجر الأساس دون التشاور مع مصر والسودان.


تدويل الأزمة


وطالب الظواهري بأن تعلن كل هذه الأمور في شكل مذكرة رسمية ترسلها وزارة الخارجية إلى نظيرتها الإثيوبية، وتطلب منها الجلوس لبحث الأمر، وإذا استجاب الجانب الإثيوبي للتفاوض حول سعة السد واعترف بحصة مصر المائية التي لا يعترف بها من الأساس كان خيرا، وإذا لم يتجاوب سنكون قد وصلنا إلى نهاية الخط معه وتبدأ مصر في الإعلان عن أنها في نزاع دولي مع إثيوبيا حول السد للعالم كله، وكأي دولة متحضرة نطلب تشكيل لجنة محايدة لفض هذا النزاع من الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي أو جامعة الدول العربية أو الاتحاد الأوروبي، لعمل آلية لفض هذا النزاع وتشكيل لجنة استماع للطرفين، وإذا استمرت إثيوبيا في موقفها ورفضت، نطلب التحكيم الدولي عن طريق المحكمة الدولية، وإذا تمادت أديس أبابا في الرفض، فليس أمانا سوى مجلس الأمن، ونلجأ إليه باعتبار أن هذا السد يهدد السلام والأمن في هذه المنطقة.

وأكد أن كل هذه الخطوات لن تأخذ وقتا طويلا إذا كانت هناك تحركات دبلوماسية سريعة من الدولة المصرية. وأرجع تعنت الجانب الإثيوبي ورفضه وجود خبراء دوليين إلى خوف أديس أبابا من تدويل القضية، لأنه يعلم أن وجود خبراء دوليين ليس في مصلحته، ويعتبر ذلك من أعمال السيادة، ويرى أن عضوية مصر مجمدة في الاتحاد الأفريقي، وبالتالي موقف القاهرة ضعيف، إضافة إلى بعض الأجندات الدولية التي تلعب في المنطقة للتأثير على مصالح مصر، وتوعز إلى إثيوبيا بالثبات على موقفها.

وأوضح أن هدف إثيوبيا المعلن من إنشاء السد وهو توليد الكهرباء غير صحيح، لأنها يمكن أن تولد كهرباء تقدر بـ 60 بالمئة من الطاقة التي ستولد من السد الحالي الذي يهدف إلى توليد 6000 ميغاوات من سد سعته التخزينية 14 مليار متر مكعب من المياه، وإثيوبيا كدولة لا تحتاج داخليا إلا إلى 2000 ميغا فقط، ولكنها تهدف إلى تصدير الطاقة إلى الخارج، والسد الحالي بسعة تخزين 74 مليار متر مكعب من المياه وفيه ما لايقل عن 60 مليار متر مكعب مخزنة بلا فائدة في توليد الكهرباء، وكفاءة سد النهضة في توليد الكهرباء لا تزيد عن 30 بالمئة، بينما كفاءة السد العالي تزيد عن 60 بالمئة، ومن ثم فحجم تخزين المياه في سد النهضة هائل وبلا قيمة في التوليد، أما السد الأصغر فيعطي 60 بالمئة من توليد الكهرباء، وبثلث التكلفة وبالتالي يفي بالاحتياجات الإثيوبية، ويحقق المنافع السودانية ولا يضر بمصر.

وكانت إثيوبيا شرعت في تشييد السد العملاق بكلفة 4.7 مليارات دولار منذ عام 2011، ويقع على مسافة تتراوح ما بين 20 و40 كيلومترا من الحدود السودانية، ويتوقع اكتمال تشييده عام 2017 ليكون أكبر سد أفريقي وعاشر سد لإنتاج الكهرباء على مستوى العالم.

ورغم التطمينات الإثيوبية، تتشكك مصر في قدرة السد الإثيوبي على الصمود، وتشير إلى إمكانية تعرضه للانهيار وانفلات كميات ضخمة من المياه تجــاه كل من السودان ومصر.

وانتقد الظواهري التباطؤ الشديد في اتخاذ القرار في حكومات مصر المتتالية واللجوء إلى التصريحات الناعمة، وأعرب عن أمله في أن يتغير موقف السودان ويميل إلى الجانب المصري لأن انهيار السد كارثي على السودان، مطالبا بإيجاد وسائل ضغط من الدول العربية والأفريقية وروسيا والاتحاد الأوروبي على إثيوبيا، خاصة أن أوروبا تحظر إنشاء مشروعات ضخمة على المجاري المائية دون عمل دراسة بيئية للتأكد من آثاره السلبية.

7