سراب الإجماع الوطني في الجزائر

الخميس 2016/08/11

لماذا تتحدث بعض الأحزاب الجزائرية في هذه الأيام عن الإجماع الوطني كحل للأزمة الوطنية؟ وهل يمكن القفز عن التناقضات التي تميز المشهد السياسي الجزائري بمثل هذه السهولة التي تتصورها هذه الأحزاب؟

في ظل الانقسامات التي تعصف بالساحة السياسية الجزائرية، جدد يوم السبت الماضي القيادي في حزب القوى الاشتراكية الجزائري وأمينه الوطني عبدالمالك بوشافة دعوة حزبه إلى ضرورة إنجاز مشروع الإجماع الوطني، وحذر من أن الوضع الذي تواجهه الجزائر خطير وأن الأزمة التي تتخبط فيها تنذر بمستقبل صعب.

من الواضح أن حزب القوى الاشتراكية الذي يمسك العصا من الوسط يقصد بمشروع الإجماع الوطني الدعوة إلى إيجاد أرضية مشتركة لتسوية التناقضات الكبرى بين المعارضة الجزائرية بكل ألوانها، وبين النظام الحاكم بما في ذلك أحزاب الموالاة التي تقف إلى جانبه.

ويعتقد المراقبون السياسيون أن لهجة حزب القوى الاشتراكية، المشوبة بالإحباط واليأس، تشير إلى عدة تفسيرات منها فشل المعارضة بكل أطيافها في لي ذراع السلطة الحاكمة، أو في تحريك القاعدة الشعبية الصامتة ضدها، أو في إفراز برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي موحد وبديل بمقتضاه تستطيع هذه المعارضة أن تنتقل من حالة التسول في بلاط النظام الحاكم، إلى وضعية جديدة تتميز بوضع وتفعيل المبادرات المقنعة لإخراج البلاد من الركود السياسي، والأزمة الاقتصادية الخانقة.

وفي الواقع فإن فكرة الإجماع الوطني التي يروج لها حزب القوى الاشتراكية مستحيلة التحقيق لأن المناخ العام يتناقض معها، ويصعب فعلا تجسيدها في ظل الحكم القائم في البلاد. وأكثر من ذلك فإن مثل هذه الفكرة تصطدم دائما بذهنية الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة التي تنتمي إلى تراث الحكم الفردي الذي كبّل، ولا يزال يكبّل، الحياة السياسية الجزائرية منذ الاستقلال إلى يومنا هذا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لا يمكن تجسيد فكرة الإجماع الوطني على مستوى الشرائح السياسية وهي غائبة أساسا عن النواة الداخلية للمجتمع الجزائري بالكامل. ومن هنا فإن السعي إلى تحقيق هكذا فكرة يدخل من الناحية النظرية والعملية في إطار التفكير الرغبي الهوَامي الذي يتنكر لحقائق الواقع المر.

إذا كان حزب القوى الاشتراكية يقرّ بأن الدولة الجزائرية “بدأت في التفكّك”، فكيف يمكن أن يحصل أي إجماع وطني في مثل هذا الوضع وحول ماذا؟ علما أنه في مثل هذه الحالة الإجماع الوطني الوحيد الذي يمكن أن يحصل هو اعتراف الجميع بأن البلاد تتدهور رويدا رويدا، وأن جميع القوى الوطنية عاجزة عن تقديم تصور واقعي قابل للتنفيذ من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ونتساءل مرة أخرى: ماذا يعني حزب القوى الاشتراكية بالتفكك؟ وهل نفهم من تحذيراته أن هناك في الجزائر مشاريع يخطط لها في السر ويعد أصحابها العدة لأعمال عنيفة في مناطق إثنية معروفة لفرض مطالب الانفصال عن الدولة المركزية؟ أم أن المقصود هو تفكك مكوّنات المنظومة الاجتماعية فضلا عن تفكك العلاقة القائمة بين النظام الحاكم وبين المواطنين والمواطنات؟ أم أن المقصود ببدايات دخول الجزائر في مرحلة التفكك هو عجز المسؤولين في كل دوائر الدولة والمجتمع المدني عن “تنظيم المجتمع وحركته”، وإدراك أن كل “هذه الأمور ذات علاقة وظيفية بنظام الأفكار المنتشرة في ذلك المجتمع”، كما قال المفكر الجزائري مالك بن نبي، إلى جانب فشلهم الذريع في فهم حقيقة تتلخص في أن إحداث مثل هذا التنظيم الحيوي مرهون أصلا بتغيير النظام لأنه “إذا ما تغير هذا النظام، بطريقة أو بأخرى، فإن جميع الخصائص الاجتماعية تتعدل في الاتجاه ذاته”، كما أكد هذا المفكر نفسه أيضا منذ نصف قرن تقريبا.

تشخيص الأسباب العميقة التي ما فتئت تحدث ظاهرة التفكك التدريجي في الجزائر، مجتمعا وهياكل سياسية وإدارية وتربوية وتنظيمات مدنية، مشروط بدراسة حقائق الواقع الجزائري وفي صدارتها البنية الثقافية الوطنية المغرقة في التقليدية، والذهنية الدكتاتورية الصادرة عنها.

لا شك أن ظاهرة التعددية الحزبية الجزائرية التي برزت بعد العشرية الدموية في تسعينات القرن الماضي، وتواصلت في فترة ما يدعى بالمصالحة الوطنية التي تميزت باستعمال أسلوب العصا والجزرة مما أسفر عن كبت الخلافات الجوهرية التي أدت إلى الصدام المسلح بين جناح من الإسلاميين وبين أجهزة النظام، لم تكن تطورا طبيعيا للوعي الوطني. كما أنها لم تكن تندرج ضمن سياسات بناء طور المجتمع بكل ما فيه من تعدد أيديولوجي أو ثقافي، ولم تكن تعبيرا عن قناعة مؤسسة على فلسفة التنظيم السياسي المعبر عن ضرورة احترام وقبول اختلاف المشاريع التنموية والرؤى الفكرية لإنجاز هذا الطور، بل إن ما حصل ليس إلا إفرازا عنيفا لعناصر الأزمة العميقة التي نجد أذيالها في التناقضات الكبرى في مرحلة التحرر الوطني وأعيد إنتاجها في السنوات الأولى من الاستقلال الوطني. وهي تعبير عن هذه الأزمة المركبة، وبالتالي فهي انحراف عن مسار معالجة مشاكل الجزائر الحقيقية، وفي مقدمتها مشكلة الهوية.

على هذا الأساس فإن اختزال حزب القوى الاشتراكية لظاهرة تفكك الدولة الجزائرية في الأزمة الاقتصادية الناتجة عن هبوط أسعار المحروقات في الأسواق الدولية، وفي قوانين الانتخابات المجحفة وفي غيرها من المظاهر الجزئية الخارجية هو خاصية من خصائص التفكير التجزيئي للأحزاب الجزائرية المعارضة، التي تشغل نفسها بالأعراض وتشيح بوجهها عن جوهر المرض الذي تصدر عنه على نحو مستمر في نسيج البنية العميقة المضمرة داخل المشهد الجزائري.

كاتب جزائري

9