سراب الوهم الجهادي في متاهة شبه جزيرة سيناء

صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وضمن سلسلة المكتبة السياسية، كتاب حمل عنوان “خريطة الجهاد المسلح في مصر”، من تأليف منير أديب. والكتاب يرصدُ بالتوثيق والمعلومة تنظيمات إسلامية متفرقة ومتعددة، لكنها تشترك في جعل الأيديولوجيا الإسلامية منطلقا ومرجعا لها مثل باقي تفرعات الإسلام السياسي. يرصد مؤلف الكتاب واقع هذه التنظيمات الإسلامية التي تزعم أنها تسعى إلى تطبيق الشريعة، من حيث ظروف النشأة والتكوين مثل “أنصار بيت المقدس من النشأة والتكوين والشعار والمنهج وأشهر العمليات العسكرية”، كما تناول جماعة أجناد مصر وكتائب الذئاب المنفردة. وتحدث قسم آخر من الكتاب عن الجهاز الإعلامي للتنظيمات الجهادية والمواقع والمنتديات التابعة لها مع شرح لبعض القبائل والعائلات فى سيناء وعلاقتها بالإرهاب سواء كانت في موقع الضحية أو في موقع المتورط في صفوفه.
الاثنين 2017/11/06
ميليشيات فرختها التنظيمات الجهادية

مكافحة التطرف - كما هو معلوم - تقتضي وعيا متأصلا وإلماما شاملا بخارطة الجماعات الجهادية وأماكن توزع عناصرها وخلفياتها الاجتماعية والتنظيرية وخيوط وحقائق ارتباطاتها، ذلك أن العصابات التكفيرية وبقدر ما تبدو متشابهة في دموية ووحشية عملياتها الإجرامية، بقدر ما تختلف وتتباين في ظروف نشأتها ومصادر تسلحها والأهداف التي تضعها في سلم مخططاتها. لذلك وبناء على هذه المعطيات، ينبغي التسلح بدراسات شاملة تتضمن معلومات دقيقة لرصد تحركات ونشاطات التنظيمات الإرهابية.

وفي إطار ما سبق ذكره، يأتي كتاب “خريطة الجهاد المسلح في مصر” ليرصد مخطط التنظيمات الجهادية المسلحة التي ظهرت في مصر بعد 30 يونيو سنة 2013، وبعد الأحداث التي أدت إلى عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي من منصب رئيس الجمهورية، حيث يتضمّن الكتاب عرضا لأهم هذه الجماعات والتنظيمات المسلحة داخل وخارج مصر، كما يعرض لمغزى العمليات المسلحة التي قامت بها هذه الجماعات ومدلولها، ويسلط الضوء على ما يصفه الكتاب بالجهاز الإعلامي للتنظيمات المسلحة، وكيفية إنتاج البيانات الإعلامية والتسجيلات المرئية لهذه التنظيمات المسجلة.

كما يعرض في نفس الوقت للمواقع والمنتديات الإلكترونية التي تقوم هذه الجماعات الجهادية المسلحة بعرض بياناتها من خلالها على الإنترنت، بالإضافة إلى التنظيمات التي تدير هذه المنتديات والمواقع الإلكترونية، وصور الدعم اللوجستي الذي تقدمه الجماعات والتنظيمات المسلحة وغير المسلحة لجماعات وتنظيمات تتعاون معها في تنفيذ أهدافها الإرهابية في الداخل.

ويطرح مؤلف الكتاب منير أديب رؤية مفادها أن هناك مخاوف من أن يقوم القائمون على مثل هذه التنظيمات بعقد تزاوج بين التنظيمات الجهادية الدينية المسلحة من ناحية، وبين الجماعات الدينية الأخرى التي كانت تدَّعي السلمية من ناحية أخرى، لكن في نفس الوقت فإنه يشير إلى أن هذه الجماعات التي زعمت عدم تبنّيها للعمل المسلح، مارست في الآن نفسه كافة أشكال العنف اللفظي والسلوكي والسياسي سواء داخل مصر أو في المناطق الحدودية على أطراف البلاد.

مخاوف من تزاوج بين التنظيمات الجهادية المسلحة من ناحية، وبين الجماعات الدينية الأخرى التي كانت تدعي السلمية من ناحية أخرى

ويضم الكتاب بابين، ويتضمن كل باب عددا من الفصول، بالإضافة إلى المقدمة والتمهيد، ويتضمن الباب الأول الظروف التي ترافقت مع نشأة وتمكين الجماعات الجهادية، حيث ركّز المؤلف في هذا الباب على جماعة أنصار بيت المقدس من حيث النشأة والتكوين والشعار والمنهج وأخطر العمليات العسكرية التي قام بها هذا التنظيم، بالإضافة إلى الحملة الأمنية ضد جماعة أنصار بيت المقدس.

كما يتعرض الباب الأول أيضا للجماعات الجهادية المسلحة التي تطلق على نفسها أسماء جماعة أجناد مصر، وكتائب الشريعة بأرض الكنانة، وكتائب الذئاب المنفردة، وجماعة جند الإسلام، وكتائب الفرقان.

كما يتعرض هذا الباب أيضا للجهاز الإعلامي للتنظيمات الجهادية والمواقع والمنتديات الجهادية، وفي الفصل الثاني يتطرق الكتاب لقبائل وعائلات سيناء والعلاقة بين هذه القبائل وبين الجماعات الإرهابية.

يشير المؤلف في كتابه إلى أنه بعد تفجر ثورة 25 يناير في عام 2011 فإن ما يصفه بفصائل الإسلام السياسي قد استولت على نصيب الأسد من كعكة نصر الثورة، لكن البديل المسمّى بالإسلامي سرعان ما سقط في تناقضاته الجوهرية مع استحقاقات العصر ومطالب الشعوب، ليكتشف أغلب من أحسنوا الظن بهذا التيار، أنه لن يكون بحال من الأحوال قاطرة المجتمع الإسلامي نحو الغد. ويشير في كتابه إلى الصعوبة التي يجدها كل باحث عندما يرغب في البحث في ملف الحركات الإسلامية، وخاصة من يمارس منها العنف، وهي الصعوبة التي تظهر نتيجة اتجاه هذا التيار للعمل بشكل سري وتحت الأرض، خشية المراقبة الأمنية والإعلامية على حد سواء.

وفي الباب الخاص بجماعة أنصار بيت المقدس، يؤكد أن هناك معادلة ليست يسيرة تتعلق بالمعادلة بين الإخوان المسلمين وبين أنصار بيت المقدس، حيث يوضح أن هناك اختلافات في الأفكار وتناقضات بينهما، لكن في نفس الوقت فقد حاولت جماعة الإخوان احتواء بيت المقدس أو على الأقل التعامل معها، ودلل المؤلف ذلك بأن الرئيس المعزول محمد مرسي رفض التصديق على أحكام الإعدام الصادرة على عناصر من هذا التنظيم، بل إن الجماعة ظلت تصمت لفترة أمام العمليات العسكرية التي كانت تقوم بها جماعة بيت المقدس غداة عزل محمد مرسي من منصبه كرئيس للجمهورية.

واقع التنظيمات الإسلامية من حيث ظروف النشأة والتكوين

لكن يؤخذ على المؤلف أنه في الجزء الخاص بالعلاقة بين الجماعات الجهادية وبين قبائل شبه جزيرة سيناء، أنه قد حاول التأسيس لوجود تداخل كبير في العلاقة بين أبناء قبائل شبه جزيرة سيناء وبين الجماعات الجهادية المسلحة الموجودة فيها، ومن ذلك يورد مقدمات حول هذه العلاقة تتمثل في أن معظم هذه القبائل تعمل في التهريب لبضائع وسلع بعضها مجرم بحكم القانون حتى في تداوله بطرق أخرى خلاف طريقة التهريب، ويشير إلى أحد أشهر قبائل شبه جزيرة سيناء ما نصه “وكان يعمل الكثير من المنتسبين إلى هذه القبيلة في التهريب عبر الأنفاق التي تصل بين مصر وفلسطين، وقد قبض على بعضهم وأشهرهم”.

ثم يخلص المؤلف من هذه المقدمات إلى أن ذلك تسبب في إيداع العديد من أبناء هذه القبائل في سجن شديد الحراسة، حيث اختلطوا بالعناصر الجهادية المعتقلة في هذا السجن الشهير، الذي يتم إيداع العناصر الجهادية فيه، ويرى المؤلف أنهم استقطبوا أبناء هذه القبائل وجعلوا منهم ظهيرا شعبيا لهذه التنظيمات.

لكن أخطر ما يقع فيه المؤلف من تناقضات في كتابه هو وصفه أبناء قبيلة السواركة، والتي تتكون من 13 عائلة وعشيرة من أشهر عائلات وعشائر شبه جزيرة سيناء، بأن أبناء هذه القبيلة يغلب عليهم الورع والصلاح، وحيث يعتبر المؤلف أن هذا كان سببا في استقطاب أعداد كبيرة من أبناء هذه القبائل لصفوف الجماعات الإرهابية المسلحة، وكأن “الورع والصلاح” هما سمة وصفة من سمات وصفات أعضاء الجماعات الإرهابية الجهادية، وهي جماعات تقوم بالقتل ودون تمييز بين ضحايا العمليات المسلحة التي تقوم بها سواء كان هؤلاء الضحايا من الجيش أو الشرطة أو المواطنين المدنيين.

جدير بالتنويه أن كتاب “خريطة الجهاد المسلح في مصر” للكاتب منير أديب، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يقع في نحو180 صفحة من القطع المتوسط.

13