سرادق لأفلامنا.. في وداع مهرجان القاهرة السينمائي

بعد كل مهرجان دولي للسينما، والتشبع إلى درجة التعطش مرة أخرى إلى أفلام يعد بها مهرجان قادم، يخرج المشاهد وهو يوشك أن يقسم على ألاّ يقرب فيلما ليس فيلما، فيلما مصريا بالطبع، لن نقول “عربيا”، تجنبا لإغضاب أصدقاء يتعاملون بحساسية مع أفلامهم وكأنها علامة على “الشرف” الوطني.
الجمعة 2017/12/08
"طريق النحل" فشل في التعبير عن الهم السوري

يستطيع أصمّ أو كائن فضائي يجهل اللغة معرفة جنسية الفيلم والمسلسل التلفزيوني المصري -وأخشى أن أقول “العربي” تجنبا لإغضاب أصدقائنا العرب- وذلك بالإفراط في حركات الشفاه الدالة على الثرثرة، وتقاطع الأذرع والأيدي في التحاور وفي الصراع مع الهواء، وما هكذا تورد الأفلام.

أعمال قليلة، قديمة وحديثة، تتوسل بالصورة والظلال، وتستغني كثيرا عن الثرثرة اللفظية والجسدية، ولكنها استثناءات تؤكد القاعدة، ثم جاء فيلم “في سوريا” للبلجيكي فيليب فان ليو الذي شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي (من 21 حتى 30 نوفمبر الماضي)، لكي يكشف عورات أفلام كثيرة عالجت القضية السورية، منذ اندلاع الثورة عام 2011 حتى تفاعلاتها الحالية في حرب أهلية لم تنته.

بين أسلوبين سينمائيين

زلزال الحدث وسخونة القضية وتدفق الدم، لا تشفع للأعمال الفنية المتوسطة فتظل أعمالا متواضعة تسقطها الذاكرة سريعا، قصائد الثورة والحروب أقصر عمرا إذا خلت من الدراما الإنسانية، ولا يلجأ الكاتب والشاعر إلى كلمات زاعقة إلّا استسهالا، ورشوة لقارئ جاهز بالتصفيق، وتحويل انتباهه عمّا ينقص العمل الفني.

ذات مرة فوجئت أثناء المراجعة النهائية لرواية لي عام 2008 بوجود كلمتي “غضب عارم”، فسألت المحرّر والمصحّح في دار النشر “ألا يزال كاتب يمضغ ألفاظا وصياغات مضغها ماضغون وهضمها هاضمون؟ مثل ‘لا ناقة ولا جمل’، و’اختلط الحابل بالنابل’، و’غضب عارم’؟ وأتوا بالأصل فإذا هو ‘عصبٌ عارٍ’، وهي صفة محايدة لعري العصب، وتختلف عن عرم الغضب”.

البلجيكي فيليب فان ليو الذي لا يعرف العربية، قدم في القاهرة السينمائي (في سوريا) بإتقان وانتماء إلى الضحايا البشر

الغضب في أفلامنا فقط يشتعل ألفاظا؛ في المشهد الأول من فيلم “الأب الروحي” يواجه الكاميرا رجل مكلوم، يكفي ألمه المكتوم فريقا من ممثلي المسرح والدراما في مصر لكي يغفر لهم المشاهد فائض الصراخ والهتاف باسم العشيرة والشرف والثأر.

وجهُ الرجل الذي سنعرف في ثوان أنه أب مهزوم يحتل الكادر كله تقريبا، وهو يرجو شخصا سنعرف بعد 75 ثانية أنه مارلون براندو، وقد ظل يتلقى في صمت بليغ نظرات حادة من الأب، وكلمات خفيضة أكثر حدّة وصراحة تستعطفه، ولكن في كبرياء غير منقوصة “أؤمن بأميركا، حققت في أميركا ثروتي، وربيت ابنتي على الطريقة الأميركية، أعطيتها الحرية ولكني علمتها ألّا تلحق العار بعائلتها، وتعرّفت بشاب غير إيطالي، وقاومت تحرشه بها، ذات ليلة بعد أن لعبت برأسه وبرأس زميل له الخمر، واستطاعت الفتاة أن تحافظ على شرفها، أوسعاها ضربا وكأنها حيوان، وعندما رأيتها في المستشفى فوجئت بكسر أنفها، وتحطم فكّها المثبت بواسطة أسلاك، وقد أفقدها الألم قدرتها على البكاء، لكنني بكيت، لماذا بكيت؟ لأنها كانت نور حياتي، فتاة جميلة لن تعود جميلة بعد الآن”.

وبنعومة يفسح الكادر مساحة، في الخلفية البعيدة وراء الأب الشاكي، لأضواء من حفل سيقام الليلة بمناسبة زفاف كوني، ابنة فيتو كورليوني الجالس في مكتبه، يتأهب ببدلة السهرة للاحتفال ولا يقول شيئا، بل ينصت إلى أب حزين توقّف عن الكلام، ليس لنفاد طاقة الغضب، وإنما لجفاف حلقه وتحجّر الكلمة فلا ينطلق بها لسانه.

تدخل إلى الكادر يد مارلون براندو المهيب، في ثلاث حركات سريعة: الأولى باستقامة الذراع تشير إلى شخص لا نراه، والثانية متعامدة على الذراع باتجاه الرجل الذي يعتذر، لأنه أفسد بمأساة ابنته أجواء الفرح، والثالثة برجوع اليد إلى الانقباض الدال على انقباض قلب “الأب الروحي”، فيسند ذقنه بالإبهام وخده بالسبابة.

ويكون كوب الماء قد قُدّم إلى الرجل، فيواصل الكلام، غير مصدّق أن يحكم القاضي على الشابين بالسجن ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ، ويخلي سبيلهما، وفي قاعة المحكمة يبتسم له الوغدان، فما كان منه إلاّ أن قال لزوجته إن العدالة سيحققها “الأب الروحي”، الذي لا يردّ في هذه المناسبة التماس شخص ينتمي إلى صقلية، مسقط رأسه.

كان يريد قتلهما، ويلومه براندو وهو يداعب قطة في حجره لأنه لم يطلب ذلك بالاحترام اللائق، وليت الطلب معقول، إنه تنفيذ جريمة قتل يوم زفاف ابنته مقابل المال.

لا يرفع “الأب الروحي” صوته بتأنيب الرجل، ولكنه ينبهه إلى ما ارتكبه من أخطاء، ثم يطمئنه بعد بيعة يرمز لها بتقبيل اليد أنه سينتقم، ويأمر توم هاغن (روبرت دوفال) أن يوكل هذه المهمة إلى كليمنزا (ريتشارد كاستيلانو)، ويقرب براندو وردة ليشمها مع انطلاق الموسيقى إيذانا ببدء حفل الزفاف.

زلزال الحدث السوري لا يشفع للأعمال الفنية المتوسطة

أتخيّل هذا المشهد بأداء يوسف شعبان وأحمد عبدالعزيز ومحمود ياسين والأخوين غيث في حضور نادية الجندي، فأكظم غيظي وأحمد الله الذي يمنحنا في أحيان كثيرة صبرا على المكاره، في الأداء التمثيلي وفي اختيار زاوية رؤية تتبنى رواية محدّدة وتلحّ عليها، كما في أفلام جود سعيد وعبداللطيف عبدالحميد وباسل الخطيب وسلاف فواخرجي.

بلاغة الصمت

في مهرجان القاهرة التاسع والثلاثين الذي اختتم الأسبوع الماضي تنافس في مسابقة “آفاق السينما العربية الجديدة” فيلمان من سوريا “طريق النحل” لعبداللطيف عبدالحميد و”مطر حمص” لجود سعيد الذي أرانا حمص قريبة الشبه بلندن حين دمّرت في الحرب العالمية الثانية.

اكتظ الفيلمان بنثارات من قصص القتل والتهجير والاختفاء والحب في زمن دواعش بملامح غاضبة، تذكرك بكفار قريش في الأفلام المصرية، فيلمان زاعقان يشبهان مقالات تتبنى وجهة نظر محدّدة منذ البداية، وتدافع عنها ولو بتجاهل الرواية الأخرى، والتغاضي عن أسباب الجحيم، والإلحاح على نتائج لا يسأل عنها أبرياء حلموا بالثورة، قبل اختراع داعش وتحميله كل الخطايا.

في مارس 2011 بدأت شرارة “الثورة” السورية السلمية، انطلاقا من درعا، وأبطالها أطفال أبرياء لا يقوون على حمل السلاح، ولا علاقة لهم بضباط انشقوا لاحقا عن الجيش، أو تنظيمات مموّلة من الخارج، ولكن الرواية الرسمية أنكرت ذلك الانفجار الشعبي العفوي، واتهمت الحالمين بالحرية بأنهم مسلحون ينفذون مؤامرة خارجية، ثم تحقق ما تمناه النظام، إذ جذب المشهد السوري أموالا وسلاحا وإرهابيين وميليشيات، فنسي بشار الأسد روايته الأولى، وقال إن الاحتجاجات في الأشهر الستة الأولى كانت سلمية.

الأفلام “الرسمية” تقفز فوق هذه المقدمات، وتثبّت اللحظة الداعشية الدامية، وتنكر الاسم الحقيقي لما جرى، وتتفق على وصفه بأنه “الأزمة”، ويحظر مصطلح “الثورة” أو “القضية” في اتهام يدين الحلم بالتغيير. ثم جاء البلجيكي فيليب فان ليو الذي لا يعرف العربية، وقدّم فيلم “في سوريا” بإتقان وانتماء إلى الضحايا البشر.

يوم وليلة من حصار أسرة في شقة ببناية غادرها الجميع، تحكم أم يَزَن (هيام عباس) سيطرتها على الأسرة؛ أبنائها الثلاثة وعمها وصبيين آخرين، ومعهم الجارة الشابة حليمة (ديامان بوعبود) وطفلها الرضيع.

تحلم الجارة بالهجرة مع زوجها الذي يغادر البيت فترديه رصاصة قنّاص، وتراه الخادمة وتخبر أم يزن، فتأمرها بكتمان الأمر عن زوجته حليمة، فمن يذهب لإسعافه سيلحق به. ولا تخفي ملامح الأم الصارمة وصوتها الهامس الحاسم هشاشتها، وخوفها على الأسرة ممّن يطرقون الباب ويأمرونها بالمغادرة، في الخارج رصاص وتفجيرات، ولا ملامح للقتلة ولا استعراض بأدوات القتل، ثم ينجح رجلان في اقتحام الشقة، وقد اختبأ الجميع في مكان خفي، قبل أن تتمكن حليمة من اللحاق بهم، يساومها أحدهما ويغتصبها في مشهد صادم مثير للشفقة، وهم في المخبأ ينصتون إلى التوسل والاستغاثة ورفض إفشاء سرّ أهل البيت الذين لا يجرؤون على الإغاثة ولو بكلمة اعتراض.

يذهب المجرمان، ويبقى الجرح الجسدي والنفسي والشعور بعري لا تستره ملاءة سرير تلف أم يزن بها جسد حليمة، وفي العيون انكسار صامت، وعجز يعجز عنه الكلام.

وفي مشهد خاطف، تشيح حليمة بوجهها عن ربة المنزل التي تشعر بالخزي والتقصير، وهي تمدّ يدها لتناول الرضيع من أمه المنهكة، نظرة لوم وقهر واحتقار وعطف من أم كان جسدها فداء، جسر أمان لأسرة لا تستطيع ردّ الأذى، بضع ثوان تكفي لمنح ديامان بوعبود جائزة، وقد نالت بالفعل جائزة أفضل ممثلة، لتثبت أن الصمت والإيجاز أكثر بلاغة.

16