سرت الليبية حاضنة لمقاتلي تنظيم الدولة في شمال أفريقيا

الجمعة 2015/04/10
إسلاميو شمال أفريقيا المتشددون وجدوا في سرت الليبية مركزا لنشاطاتهم الإرهابية

طرابلس - الحركات الجهادية في المغرب الإسلامي وجدت في لبيبا ما بعد القذافي موطئ قدم ومركزا للتمدد في كامل القارة معتمدة على الفراغ الأمني الذي تعانيه البلاد وكذلك لما توفر في ليبيا من ترسانة عسكرية كانت تحت تصرف النظام السابق في طرابلس. هذه الأوضاع وجدت فيها حركات الإسلام السياسي المتشددة في المغرب الإسلامي وسيلتها في جعل البلاد حاضنة لها ولمقاتليها الذين ينضمون إليها من مالي وتونس والجزائر.

الفراغ الأمني في ليبيا ما بعد الإطاحة بالنظام جعل من سرت مسقط رأس القذافي وآخر معاقله قبل مقتله حاضنة لتنظيم “داعش” المتطرف في ليبيا.

وجاء شريط الفيديو لعملية قتل الأقباط المصريين الـ21، والذي تبناه تنظيم “داعش” (ولاية طرابلس)، ليطرح أسئلة عن تواجد التنظيم في ليبيا وحجمه.

ثمة مؤشرات وتقارير إعلامية فضلا عن شهادات ميدانية أفادت بأنه من الأرجح أن يكون تصوير هذا الشريط قد تم قرب سواحل مدينة سرت، وفي كل الحالات المؤكد أن اختطاف الأقباط تم في المدينة في ديسمبر الماضي.

في الأيام القليلة التي تلت هذا الشريط اندلعت مواجهات عنيفة في سرت بين داعش والكتيبة 166 التابعة للجيش الليبي المنضوي تحت حكومة الإنقاذ المنبثقة عن المؤتمر الوطني، ولم تترك تلك المواجهات أي مجال للشك حول تواجد التنظيم وبقوة نسبية في سرت وضواحيها.

آخر جبهات القتال إبان الثورة الليبية كانت في سرت، وتفيد مصادر عديدة بأن نواة السلفية الجهادية في سرت والتي كانت تنضوي تحت مسمّى “أنصار الشريعة في ليبيا” تسربت إلى المدينة من بابين: الأول هو تأمين المدينة، والثاني كان من باب العمل الاجتماعي وتقديم الخدمات الأساسية خاصة أن المدينة كانت، وما زالت، تعاني من الآثار الاجتماعية والاقتصادية للحرب.

التيارات الجهادية المنضوية تحت تنظيم \'داعش\' تبحث عن حاضنة شعبية أو قبلية وموطئ قدم جغرافي للتمركز والتهيكل

عدد من المراقبين يقولون إن العمل الاجتماعي لأنصار الشريعة في المدينة هو ما سمح لهم بالتواجد في المدينة، والقبول عند الأهالي الأمر الذي يسّر لهم التواصل مع الناس ثم استقطاب واستيعاب الشباب داخل المدينة، خاصة أن عددا من هؤلاء الشباب كانوا يشعرون بالهزيمة، والرغبة في الانتقام إبان الثورة من قوات الثوار المختلفة والتي كانت تجتمع حول راية الـ17 من فبراير.

المسألة الثانية التي ساهمت في قبول أنصار الشريعة في معقل القذافي هو خطاب الجماعة ذاته الذي لا يركز على ثورة 17 فبراير وشعاراتها وما يرمز إلى الثورة من قطع جذري مع نظام القذافي بقدر ما هو خطاب عقائدي ديني جهادي يتجاوز المسائل القطرية.

يقدر عدد من المراقبين والمحللين أنه بالنسبة إلى أنصار النظام القديم في سرت أو حتى خارجها فإن العيش تحت راية العقاب (الراية السوداء) لأنصار الشريعة أفضل إليهم من العيش تحت راية 17 فبراير وقد يكون هذا من أسباب القبول بين الطرفين.

كما أن أنصار الشريعة لم يكونوا معنيين بالميولات السياسية للمواطنين ولا بتاريخهم قبل الثورة بقدر ما كانوا معنيين بحاضرهم وبكونهم لا يخالفون ما يعتقدونه “أحكام الشريعة” حتى الوجوه المحسوبة بقوة على النظام السابق كان لها إمكانية التواصل مع الواقع الجديد والعودة للبروز في المدينة من خلال إعلان التوبة، الأمر الذي كان يتقبل من قبل السلفية الجهادية أو حتى البيعة إلى التنظيم بما يسمح من إمكانية للنشاط والحركة وحمل السلاح.

فيما تبحث التيارات الجهادية المنضوية اليوم تحت راية داعش عن حاضنة شعبية أو قبلية وموطئ قدم جغرافي للتمركز والتهيكل، فهي كذلك تبحث عن مقاتلين أيا كان تاريخهم وتوجههم طالما أنهم مستعدون للقتال تحت رايتهم.

ومن المعلوم أن الدولة المركزية في ليبيا كانت ضعيفة إبان الثورة نظرا لأنه تم إسقاط نظام القذافي بالكامل وتفكيك أجهزته الأمنية، الأمر الذي أدى إلى فراغ أمني ازداد بعد انطلاق العملية العسكرية التي يقودها الفريق خليفه حفتر والتي عمّقت الانقسام إلى أن تتطور إلى حكومتين الأولى في طرابلس والثانية في البيضاء.

الفراغ الأمني جعل من ليبيا وجهة عدد من الجهاديين الباحثين عادة عن الدول التي تعاني من هشاشة سياسية وأمنية لما توفره من أرضية خصبة للعمل الإرهابي وغيره.

ليبيا وجهة الجهاديين الباحثين عن دول تعاني هشاشة سياسية وأمنية لما توفره من أرضية خصبة للعمل الإرهابي

هذا المعطى جعل عددا من الجهاديين من مـالي يتوجهون إلـى ليبيا بعد التـدخل العسكـري الفرنسي في شمال مالي، إذ يفيد عدد من المصادر الأمنية المطلعـة بأن عـددا من الجهـاديين الذين هـربوا من شمال مالي إثر التدخل العسكري الفرنسي هناك توجهوا إلى مدينة سرت نظرا لتواجد عدد من الجهـاديين هنـاك يوفـرون لهـم الاستقبـال والإيواء، ويمكن اعتبار جهاديي مالي المكـون الثاني من الناحية الزمنية.

هذا التواجد للجهاديين في سرت أصبح أمرا معروفا لدى الشبكات والجماعات الجهادية، وتحولت سرت إلى موطئ قدم لهم لما توفره من أرضية يمكن الانطلاق منها لإعلان البيعة لأبي بكر البغدادي، وتحويل الغـرب الليبي إلى ولاية تابعة لتنظيم داعش.

وهو الأمر الذي استدعى المكون الثالث، وهو باقي العناصر الجهادية، المُكون عدد منها من الجزائر والسودان وتونس، بحسب ما أفادت به الكتيبة 166 التابعة لقوات فجر ليبيا، والتي تقاتل التنظيم في سرت الآن، من خلال عرضها لعدد من المعطيات التي حصلت عليها أثناء القتال والسيطرة على عدد من المواقع التابعة للتنظيم.

ولعل أبرز الشخصيات التي التحقت بسرت كان أحمد الرويسي المتهم باغتيال محمد البراهمي وشكري بلعيد في تونس، والذي فر إلى ليبيا، وعدد من أتباعه لأن الوضع الأمني في تونس لم يعد يسمح لهم بالبقاء، الرويسي كان أحد أمراء ولاية طرابلس التابعة للتنظيم، بحسب بيانات نعي التنظيم له إثر مقتله، مؤخرا في سرت أثناء المواجهات مع قوات “فجر ليبيا”.

مؤشرات عديدة منها التحركات العسكرية لقوات “فجر ليبيا” تفيد بأنها تتوجه لحسم الصراع مع المسلحين الموالين للتنظيم في سرت، لكن قوات “فجر ليبيا” قد تصطدم بتنظيم تكفيري جذوره عميقة في معاقل القذافي.

التطورات على الساحة الليبية ليست مفصولة عمّا يقع في سوريا والعراق ومصر مشرقا وما يقع في تونس ومالي ونيجيريا مغربا، فكل العمليات الإرهابية يحكمها خيط ناظم تحركه الانتماءات العقدية لداعش والتفكير الجهادي التكفيري الذي تربى عليه مقاتلو هذه التنظيمات التي وإن اختلفت في التسمية والتمركز الجغرافي، إلا أن العنف والتطرف هما الجامع بينها.

13