سرديات الهويات الصغرى

الخميس 2016/10/06

من بين سرديات العراق الكبرى في تحولاته بعد 2003 تنبثق سرديات صغرى لم يكن السرد العراقي ليحفل بها سابقا تحت ضغوط سياسية معروفة بتوجيه الثقافة العامة إلى مستويات مرسومة ومعروفة تقف عند حدود معيّنة ولا تتخطاها، غير أن الانفجار السردي المتواصل في الحقبة الجديدة خرج من تلك الخيمة الثقيلة وتعامل مع السرديات الصغرى بوصفها هوامشَ مهمة تغذّي السرديات الأكبر في صراع الهويات الوطنية والدينية والقومية الذي أخرجته سنوات ما بعد 2003 على نطاق واسع.

وتعاملت الرواية العراقية مع هذه الهويات بطريقة، وإن بدت مكررة، وطنية خالصة على مستويات وتمثلات متعددة في محاولة لفرز النسيج الاجتماعي متعدد الهويات والثقافات والوقوف على معاناة شرائح مجتمعية تعرضت إلى مشاكل جدية لإقصائها من المشهد الاجتماعي العام، دينيا ووطنيا، وتحجيم أدوارها الإنسانية والضغط على وجودها بمختلف الطرق سواء بالقتل أو التهجير أو المطاردة كما حدث مع الإيزيديين والمسيحيين والصابئة المندائيين والشبك واليهود، وهذه الهويات الدينية وغيرها هي التي تشكّل طيف العراق الوطني على مر التاريخ ولا يمكن لأي سلطة أن تتجاوز هذا النسيج الاجتماعي والإنساني العراقي المُحكم.

“أبناء الماء” رواية عواد علي هي آخر رواية تتمثل هذه السرديات الصغرى وتتناول شريحة اجتماعية ودينية من الطيف المندائي- الصابئي في إطار ثنائيات واقعية ومتخيلة يفترعها الحب كعمود فقري شامل وجامع لكل المعاناة التي تتعرض لها شخصيات الرواية التي غادرت العراق من باب الاضطرار وتتوزع في شتى الفضاءات الإنسانية حيثما وجدتْ الأمن والاستقرار في مختلف بقاع العالم وعلى اتساع القارات.

يحيلنا عنوان الرواية في البدء إلى هوية دينية محددة بطقوس وشعائر خاصة بطائفة المندائيين-الصابئة، فهذه الطائفة علاقتها بالماء تعميدية أزلية، ووقفت الرواية على الكثير من مفاصل هذا التعميد شارحة وموضّحة لترصين علاقة النص بفرادة هذه الطقوس وبالتالي ترسيم شخصيات المتن السردي بكامله، وهي شخصيات قليلة تناوبت، فنيا، على رسم الأحداث المتعددة التي بُنيت عليها الرواية بتعددية الأصوات وتعددية القصص الفردية أيضا، ومن ثم التقاء تلك القصص في مصب واحد يتغلب فيه الحس الإنساني بالرغم من الفسحة الواسعة التي نتحسّسها من الاضطهاد والقتل والتشريد والتهجير الذي يجري باسم الدين وتحت رايته الجديدة!

شيوع ظاهرة الكتابة عن الأقليات والهويات الدينية التي كانت تعد هامشية في السرديات العراقية الجديدة له ما يبرره على مستوى الفن في أقل تقدير، وأبناء الماء توفرت على هذه السردية بطريقة تفصيلية حينما عرضت هجرات أقليات دينية بسبب العنف كالمسيحيين والصابئة المندائيين الذين تعرضت الرواية لشروح وافية عن ديانتهم وطقوسهم وشعائرهم حتى في محنة الهجرات المتتالية هربا من بطش الجماعات المتطرفة التي دخلت العراق من بواباته الواسعة بطريقة سياسية يفهمها الجميع.

لم يترك الصديق عواد علي هامشا مندائيا إلا وشرحه عن طريق الحوارات التي غطّت أجزاء واسعة من الرواية في مثاقفات متعددة ومواقف كثيرة وفي أكثر من مكان في زمن نفسي واحد لم يتغير تقريبا، لإيصال فكرة دينية في أصالتها الشخصية وإنسانية في عموميتها وتوجهها الأخلاقي والوطني أيضا، وهو أمر وجده في تناغم الأصوات المتتالية التي تفيض في شرح وجهات نظرها ولا تتقاطع في مفهوميتها مع الوطن مثلا أو الإنسانية بشكلها الأعم، لكنها تلتقي في نقطة الإدانة الصريحة لكل مجريات الأحداث التي عصفت بوجودها الوطني والديني، وكأنما هي المراثي التي تشحن النص بطاقة إضافية.

“أبناء الماء” تسجّل موقفا أخلاقيا لجماعات عراقية توزعت في المنافي ومنافذ اللجوء العالمية هربا من رايات إسلاموية ترفع شعارات القتل والموت والذبح، مثلما تنتج سردياتها على حقائق كبيرة لا يمكن التغاضي عنها وهي تكتنز معرفيا بسرديات الهويات الصغرى التي لفتت معاناتها العديد من الكتابات الروائية.

كاتب من العراق

14