سرديات بصرية

الاثنين 2014/05/19

برحيل نزيه خاطر مؤخرا تنطوي واحدة من أرق وأرقى صفحات الثقافة العربية. صفحة كانت الكلمات فيها ترعى الصور.

لقد أثبت الناقد الفني طوال خمسين سنة من الكتابة أن ما يفكر فيه اللسان إنما يقيم في العين. فنزيه خاطر الذي ولد عام 1930 هو واحد من أكثر نقاد الفن العرب تمرسا في مجال اللغة التي تسعى إلى الذهاب نحو المعاني من غير أن تفقد اهتمامها بأناقتها الباذخة.

خاطر الذي لم ينشر كتابا في حياته، بل أصر على صفته ناقدا في صحيفة، كان قد انعطف بقرائه المبهورين باكتشافاته في اتجاه الاهتمام بالفنون البصرية، لكونها ركنا أساسيا في تشييد البنية الثقافية.

كان مشاهدا انطباعيا، غير أنه ذلك الانطباع الذي لا يتوقف عند السطح، بل ينبش عميقا في أسرار الصنعة الفنية، فكان العمل الفني يشهد حياة جديدة بين يديه الماهرتين في جلب اللغة الملهمة للقراءة، قراءة العمل ثانية وقراءة النص الساحر.

كان واحدا من أهم حراس الحقيقة الفنية، في زمن تقدّم الفن اللبناني بشكل خاص والعربي بشكل عام في اتجاه مواقع طليعية، ما كانت لتحتل أماكنها على الخارطة الثقافية لولا الجهد الذي بذله خاطر بنفسه.

لذلك كان الفنانون ينصتون إلى ما يقوله، كما لو أنه صوت الضمير الذي يرعى خطواتهم بنقاء سريرته وعمق نظرته وحماسته المغامرة.

كان الشغف بالفن بوصلته المتأنية، وهو ما جعل تمرسه في الكتابة في مجال الفنون البصرية، وذلك ما كنت أتابعه شخصيا، بل وتعلمت منه الكثير نوعا من المجازفة.

فلم يكن يميل دائما إلى ما هو مكرس، بل كان في أحيان كثيرة مكتشفا لفنانين، قُدّر لهم بسبب تبني خاطر لتجاربهم أن يكونوا من فناني الصف الأول.

وإذا ما كان نزيه خاطر قد توقف أثناء السنوات العشر الأخيرة عن الكتابة إلا في ما ندر، فلأنه كما أرى كان يشعر في قرارة نفسه أن الأزمة التي تعيشها الفنون المعاصرة لن تفضي إلى نتائج إيجابية، لذلك آثر الصمت.

16