"سرديات تأملية".. فنون مستقبلية في إمارات الحاضر

أربعة فنانين وأربع رؤى لعلاقة الإنسان بالواقع والافتراضي والطبيعة والميتافيزيقا.
الاثنين 2019/09/23
"أمن مجهول" حول مفاهيم المخاطرة والاستعداد لمواجهة الطوارئ (أريج قاعود)

يستعرض المعرض الخريفي “سرديات تأملية”، الذي افتتح أخيرا برواق الفن المتحف الأكاديمي في جامعة نيويورك أبوظبي، أعمالا فنية جديدة من إبداع أربعة من الفنانين المقيمين في الإمارات، والذين يقدمون منظورا متفردا لدولة الإمارات والمنطقة بشكل عام، حيث نجحت أعمالهم في اكتساب شعبية وتقدير عالميين بفضل المقاربات التي يقدمونها لعالمنا المعاصر بتصورات غير تقليدية.

أبوظبي- يحظى الفنانون أريج قاعود وأيمن زيداني وجميري ورجاء خالد بشهرة واسعة في الإمارات، حيث نجحوا في استقطاب اهتمام عالمي كبير. وتتيح أعمالهم الجديدة المقدمة حاليا في المعرض الخريفي “سرديات تأملية” برواق الفن، المتحف الأكاديمي في جامعة نيويورك أبوظبي، تجارب مميزة، إذ يمكن النظر إليها كتصورات مادية ومجازية في  الوقت ذاته، كونها تترجم رؤية الفنانين الإبداعية.

احتياطات ومحفزات

"فاصلة" جميري.. عن مصير الذكاء الاصطناعي بعد فناء المكونات التكنولوجية
"فاصلة" جميري.. عن مصير الذكاء الاصطناعي بعد فناء المكونات التكنولوجية

يجسّد المعرض من خلال استعراض أعمال هؤلاء الفنانين البارزين منصّة غير مسبوقة من جهة حجم الأعمال الفنية الجديدة والمنظور والطروحات التي تقدمها.

فعبر استلهام الأفكار من مشاهد الحياة في دولة الإمارات ومختلف أنحاء المنطقة يقدم الفنانون نظرة فريدة للعالم المحيط بنا من منظور المخاطرة لدى أريج قاعود والواقع الافتراضي عند جميري والعلاقات بين الإنسان والنبات بمنظور أيمن زيداني والتقاطع ما بين التسويق وأجسامنا الميتافيزيقية كما تراه رجاء خالد.

ويتمحور المشروع الفني لأريج قاعود حول مفاهيم المخاطرة والاستعداد لمواجهة الطوارئ والتي تكتسي، وفق الفنانة، بطابع كوميدي من شأنه التخفيف من سوداوية الظروف الصعبة التي قاستها عائلة الفنانة الفلسطينية.

الأعمال المشاركة في المعرض تقوم على مقاربة حوارية تفاعلية مع المحيط العام والأجواء الخاصة بالإمارات
الأعمال المشاركة في المعرض تقوم على مقاربة حوارية تفاعلية مع المحيط العام والأجواء الخاصة بالإمارات

وقد قام رواق الفن بتكليف عملين جديدين لأريج قاعود في هذا المعرض. فنجد في أول الأعمال قبة في وسط الغرفة هي جزء مطاطي من منحوتة تفاعلية عنوانها “أمن مجهول”.

وتتميز هذه القبة بسطح منحدر مشابه لما تجده في الملاعب. واختارت أريج اللون الأحمر الناعـم للمطاط، فهو لون الحذر. ولا توجد تعليمات ولا مؤشرات حول كيفية استخدام العمل الفني. فهل الغرض منه التحذير أم هو ملعب أم أرض أكثر ارتفاعا؟ أي نوع من البيئات هي هذه المساحة؟ً ما الذي يعنيه الاستعداد للمجهول؟ هل يعني ذلك الاستعداد للأسوأ؟ وما الذي يمليه ذلك السيناريو الأسوأ؟ وما الذي ستحتاج إليه للاستعداد؟

ويبث “تصعيد”، وهو العمل الثاني المكلّف من المعرض صوت الفنانة الهادئ من خلال فتحتين صغيرتين في الجدار، وذلك من خلال تسجيلين أحدهما باللغة العربية والآخر باللغة الإنكليزية دون أن يكونا ترجمة حرفية عن بعضها البعض.

ويعد “تصعيد” عملا أدائيا تتحرر قاعود من خلاله من الحوادث الصغيرة للحياة اليومية، مثل “الجروح الورقية” التي تتصاعد في مخيلتها لتكون فجأة صدمة كبيرة “بتر، نزف”. وتكتب الفنانة مشيرة إلى بث التسجيلات للسيناريوهات الأسوأ التي يحبكها خيالها على هيئة “تصعيدات فكرية” تناقض أحلام اليقظة، وذلك من خلال اعتمادها على مشاعر الفرد المستمرة تجاه تصور الأسوأ”.

ويحيط عملها الثالث “صفارات إنذار صامتة” 2018 بالعملين السابقين، وهو عبارة سلسلة من لوحات LED المضيئة، تمت برمجتها بعبارات عربية عامية يولّدها كل صندوق مضيء عبر شاشاته بشكل وامض وكأنها تحذير من نوع ما، لتحمل في بعض الأحيان معنى مزدوجا عند تغيرها. فتبدو عبارة “معليش” وكأنها “مش”، و”قوي قلبك/ قلبك قوي”، وجميعها عبارات تستخدمها الفنانة كما تعلمت من والدتها لتهدئة نفسها خلال المواقف المثيرة للتوتر. وبذلك ترسل هذه العبارات المضيئة باللغة إشــارة لتوخّي الحذر حتى وإن لم يكن المشاهد ملما باللغة العربية، وهو ما يدعمه وضع تلك العبارات بأسلوب مشابه لوضع علامات الخروج والتحذير.

وتعد الحياة اليومية بالنسبة إلى قاعود بيئة من الاحتياطات أو “المُحفّزات” للتصعيد الذهني. إذ وعند النظر إلى العالم من خلال منظور من الصدمات، يصبح كل مخرج للطوارئ، وزر إنذار وتدريب على الحريق، وسيارات الشرطة والإسعاف بمثابة تذكير بتلك الصدمات. وفي الوقت الذي يستقر فيه الناجون من الكوارث الوطنية في مدن أجنبية حول العالم ومنها دبي تنقل ممارسات قاعود أحاسيس يشعر بها المشاهد حتى وإن كانت في أبسط تجلياتها. إذ يبحث الفرد عن الدلائل في الأرض الغريبة، فهل من الأمن اللعب هنا؟

برزخ جميري

Thumbnail

في عمله الفني الضخم الجديد المسمى “فاصلة”، يقدم الفنان جميري جزءا من العالم الفريد الذي أبدعه على أرض المعرض، ويطرح تساؤلا حول مصير الذكاء الاصطناعي بعد فناء المكونات المادية التكنولوجية. ويحمل العمل الزوار في رحلة عبر 20 طنا من الرمال الصناعية المصبوغة بلون وردي فاقع، والذي يشيع استخدامه في منتجات ثقافة البوب وتصورات نهاية العالم.

وينظر جميري إلى الزوار بوصفهم “كيانات ذكية” تدخل إلى فضاء افتراضي، حيث يتواصل الزوار مع العمل بصورة مشابهة لتواصل الأصدقاء الافتراضي عبر فايسبوك. ويركز جميري الذي ولد ونشأ في دبي، يشتق “اسمه الفني” من محل إقامة أسرته الأصلي في منطقة جميرا بمدينة دبي، في ممارساته الفنية على صنع الموسيقى وتأديتها، لدرجة صنعه وتسجيله أغنية جديدة كل يوم لمدة خمسة أشهر متتالية دون توقف خلال إحدى الفترات.

وتجدر الإشارة إلى أن تطور أعماله في جزء منها نتيجة لافتتانه المبكر بنجوم البوب الأميركيين، وإدراكه لعدم مقدوره المشاركة في عالم نجوم البوب هذا.

ويستخدم جميري الإنترنت كماسحة افتراضية لعرض شخصيته الأخرى وهي شخصية جميري، فنان البوب الشهير الذي يعشق هذه البيئة الإلكترونية، والذي أنتج في “كون جميري” ألبومات غنائية حازت على أهم وأكبر الجوائز الموسيقية في العالم، وله بضائع ومواد إعلانية تحمل اسمه الشهير متاحة للشراء من خلال موقعه على شبكة الإنترنت لتصل إلى العالم الملموس. وبالتزامن مع ذلك يحافظ الفنان على سريّته في حياته الطبيعية، وكما عبر عن الأمر قائلا “أردت تكوين كون يمثل جميري نفسه فيه بصدق ودون أي قيود”.

كون جميري هو كون أطلق عليه  “برزخ” في إشارة إلى موقع انتقالي ومساحة تكمن ما بين العالم المادي والعالم الروحاني. وهنا في هذا العالم يختبر جميري تجاربه الفكرية متسائلا، أين يذهب الذكاء الاصطناعي عند موت التكنولوجيا؟ ما الذي سيبدو عليه برزخ تكنولوجياتنا الميتة؟ وكيف ستكون الأصوات الساكنة فيه؟

ويتخذ هذا العالم المتخيل هوية بصرية مميزة من خلال بيئته الصحراوية ذات الألوان البنفسجية والوردية الشبيهة بالألوان التي يتمتع بها كوكب المريخ “الكوكب الأحمر”. كما تجدر الإشارة إلى وجود عوالم أخرى في كون جميري هذا، يتعاون فيها الفنان الموسيقي الشهير مع هيئات أخرى لها ذات الغنى من الألوان والشخصيات.

تجريد ضوئي

أيمن زيداني يقدم في عرض الفيديو "كولاجا" مشاهد من جزيرة النور بالشارقة يبدو تجريديا في بعض من لقطاته
أيمن زيداني يقدم في عرض الفيديو "كولاجا" مشاهد من جزيرة النور بالشارقة يبدو تجريديا في بعض من لقطاته

يطرح أيمن زيداني نظرة متأملة حول مفردات الطبيعة والتكنولوجيا من خلال عمل تركيب فني تم تكليفه لهذا المعرض تحت عنوان “بين التشوّش والتشابك” يشغل نصف غرفة في مساحة العرض، غامرا المُشاهد في عرض ضوئي لفيديو يبدو وكأنه عرض ضوئي تجريدي، تقابله في الزاوية الأخرى مصابيح مخصصة لحضانة النباتات ونموها، وضعت تحتها بعض النباتات الجافة لتنمو في أواني مختبر زجاجية. وتشغل منتصف مساحة العرض أرائك بسيطة تدعو الجمهور للجلوس والتأمل.

يطلق على النباتات الجافة القابعة تحت أضواء الحضانة “كف مريم”، وهي نوع من النباتات تدب فيها الحياة بعد أن تبدو جافة ومغلقة على نفسها وكأنها ميتة لعدة سنوات، إلى أن توضع في الماء فتتفتح وتزهر. هنا، يضع الفنان النباتات رأسا على عقب، غامرا الأصابع  في الماء وواضعا الجذور في الأعلى. وهكذا تتفتح تلك النباتات في أوعية المختبر تحت ضوء غير طبيعي.

ويوجد بالقرب من هذه النباتات الجافة صورة فوتوغرافية ليلية يكسوها ضوء بنفسجي التقطها زيداني كجزء من سلسلة تناولت جزيرة النور في الشارقة، حيث درس زيداني لعدة سنوات التقاطع في الجزيرة بين الحياة الاصطناعية والنباتية. إذ تم تطوير الجزيرة كوجهة لمحبي الفن والطبيعة من خلال استيراد وزراعة مجموعة كاملة من شتى أنواع النباتات من جميع أنحاء العالم وتضاء الحدائق الناتجة عن استيراد هذه المجموعة من النباتات بأضواء متعددة الألوان تم تطريزها بين النباتات لتقديم عرض ضوئي في المساء.

ويقدم الفنان في عرض الفيديو “كولاجا” من المشاهد من جزيرة النور بالشارقة يبدو تجريديا في بعض من لقطاته، إذ توحي الأضواء المحبوكة في النباتات بالشرايين، ممثلة لتقاطع بين النشاط الحيوي والكهربائي.

يوغا صحية

Thumbnail

من جانبه يستعرض عمل “موجة هادئة” للفنانة رجاء خالد تصميما إبداعيا لأحد أستوديوهات اليوغا في عام 2021، وتقدم الفنانة عروض أداء برفقة عدد من أبرز مدربي اليوغا، والتي تُعرض عبر أنستغرام على الحساب الرسمي لرواق الفن @nyuadartgallery.

ولكن الأمر الأكثر تميزا في العرض هو عدم وجود أي حركات يوغا. وستزدان المساحة بإبداعات من لون “الموجة الهادئة”، والذي من المتوقع أن يكون واحدا من الألوان الرئيسية الخمسة في تشكيلة ربيع وصيف 2021.

وقد وصف هذا اللون ضمن أوساط المبيعات بكونه “لون تفاؤلي ومستقبلي، ويقدم المزاج الأمثل لبداية العقد الجديد”، ويعكس أيضا اهتمام الفنانة بكيفية عمل قطاع الصحة والعافية على تحويل الصحة البدنية والنفسية إلى سلعة متداولة. وعبر الدمج بين المفاهيم التجارية ومفردات الصفاء والعافية لتقديم فرص متميزة للتأمل والترويج للمنتجات في الوقت ذاته، يتيح العمل للزوار اختيار الطريقة الأمثل لتفسير هذه المناظر الإبداعية.

ومنذ إطلاق رواق الفن بجامعة نيويورك أبوظبي عام 2014، شكلت المساحات البيئية (سواء كانت طبيعية أو بشرية الصنع) واحدة من المواضيع المحورية ضمن إطار العمل التنظيمي للرواق، بهدف تشجيع التأملات المتراكمة خلال تجارب الحياة في دولة الإمارات على الصعيدين المادي والثقافي.

وعبر معرض “سرديات تأملية”، تعود مايا أليسون، رئيسة القيمين الفنيين والمدير التنفيذي لرواق الفن، لتتطرق إلى مشاهد الحياة المختلفة في دولة الإمارات عبر سلسلة من التأملات والتصورات المتعمقة التي يستنبطها الفنانون من البيئة والعالم المادي سريع التغير الذي يحيط بهم.

ويعد الفنانون الأربعة من أهم المواهب الفنية الصاعدة في الإمارات، حيث تشكل أعمالهم خيارات جديرة بالمشاهدة بالنسبة إلى الهتمين بالمشهد الفني المعاصر لمنطقة الشرق الأوسط.

17