سرد أدبي شيق لمغامرات مثيرة في عرض البحر

من بين التعريفات للملاحة البحرية، نجد أنها علم وتقنية توجيه السفن من مكان إلى آخر وتحديد موقعها. وهي تمثل عملية التخطيط والتسجيل والتحكم في حركة المراكب أثناء الانتقال، وقد ألف العديد من المختصين في هذا المجال مؤلفات تناولت تاريخ الملاحة وتطورها عبر العصور، وأهميتها للشعوب والحضارات في تحديد أنماط عيشهم واكتشاف عوالم جديدة كانت لها الأثر الكبير في تغيير خارطة العالم.
الأربعاء 2016/10/12
معارك حياة في عرض بحر غاضب (لوحة للفنان جوزيف وليم تيرنر)

يشكل كتاب “الفن الضائع.. ثقافات الملاحة ومهارات اهتداء السبيل” للباحث جون إدوارد هوث أستاذ الفيزياء في جامعة هارفارد الأميركية، بترجمة الباحث سعد الدين خرفان، أطروحة علمية شيقة وفريدة لكونها تتناول التطور التاريخي لفن الملاحة كخبرة بشرية تشير إلى قدرة الإنسان على خلق مخططات وتعديلها لتحديد الاتجاه بنجاح، ومن جانب آخر قصص الألم والنجاح والتقدم العشوائي للملاحين نحو المعرفة. فقبل ظهور نظام تحديد الموقع العالمي “GPS” و”غوغل إيرث”، سافر البشر مسافات طويلة مستخدمين دلائل من البيئة وأدوات بسيطة فقط.

يسأل هوث، ما الذي ضاع منا عندما حلت التقنية الحديثة محل قدرتنا الذاتية على إيجاد اتجاهنا؟ هوث ضمن كتابه مثل دائرة معارف في اتساعها، وفي وضعها علوم الفلك والمناخ والمحيطات والأنثروبولوجيا بعضها مع بعض في نسيج واحد، ومن ثمّ يأخذنا نحو تحديد الاتجاه، نحو مكان الملاحين القدماء وسفنهم وزلاجاتهم، والذين كان الاهتمام بالبيئة المحيطة بهم، حرفيا، مسألة حياة أو موت بالنسبة إليهم.

مواجهة التحديات

الكتاب، الصادر ضمن سلسلة عالم المعرفة، وفقا لهوث يمكن مقاربته بإحدى طريقتين الأولى من جهة قراءته لفهم التحديات التي واجهها الرحالة وهم يحاولون العثور على طريقهم عبر مسافات طويلة، والطريقة التي عالجوا بها مشكلات صعبة باستخدام مهاراتهم وما توفر لهم من أدوات. والثانية كفرصة لاختبار مهارة الملاحظة وزيادة تقدير البيئة وتطوير خبرات لتبقى مدى الحياة.

ثلاث من أعظم ثقافات الملاحة القديمة هي تلك التي طورها النورديون والتجار العرب في القرون الوسطى

وهكذا ينقسم الكتاب إلى قسمين الأول ما يشير إلى مصطلح “الملاحة” عموما؛ استخدام سجل الرحلات والبوصلة والنجوم والشمس للعثور على الاتجاه، ويركز الثاني على عوامل قد تبدو لأول وهلة أكثر تعقيدا غير أنها ضرورية في فترة ما قبل نظام قياس الموقع GPS التنبؤ بالطقس وقراءة أمواج المحيطات والتعويض عن التيارات والمدّ وبناء القوارب الشراعية.

يقول هوث إن كلمة “ملاحة” توحي للعديد منا بصورة ضابط بحري على متن سفينة وبيده آلة سدس يشير بها إلى النجوم، غير أن المصطلح يعني أكثر من ذلك بكثير، فكل واحد منا ملاح، وهو يبحث باستمرار عن وجهته في البيئة المحيطة به.

ويتفحص هوث في الكتاب ثقافات الملاحة والطرق المختلفة التي استطاع بها البشر الملاحة مستخدمين أدوات بسيطة وإشارات من البيئة.

ويرى الكاتب أن ثلاثا من أعظم ثقافات الملاحة القديمة هي تلك التي طورها النورديون والتجار العرب في القرون الوسطى وسكان جزر المحيط الهادئ، ويقول “بدأ النورديون في استعمار أيسلندا خلال القرن التاسع الميلادي وبحسب الملاحم النوردية، وجدوا عند وصولهم هناك رهبانا أيرلنديين يعيشون في مستوطنات قائمة. ربما عثر الرهبان على طريقهم إلى أيسلندا باتباع مسارات الطيور المهاجرة في قوارب بدائية دعيت بالكراكس. يصف «كتاب الاستيطان» الاتصال الأول للنورديين بأيسلندا بأنه انحراف عرضي حدث لبحار يدعى نادودر كان يبحر بين النرويج وجزر فارو، غير أن رحلات متعمدة لاحقة أسست مستعمرات نوردية دائمة في أيسلندا”.

ويضيف هوث أن العواصف العنيفة والأمواج الضخمة التي تجتاح شمال المحيط الأطلسي تمثل تحديا كبيرا للملاحة في مياه أيسلندا وغرينلاند كما يحجب الضباب الكثيف أيضا الشمس لأيام متواصلة. كانت الحياة على القوارب الشراعية المفتوحة بالتأكيد تعسة ومنهكة، كان على البحار كي يقصد عمدا إلى مكان ما في هذه المياه أن يتمكن من قراءة الطقس للحصول على رياح ملائمة، وصنع قارب قادر على الإبحار ضد الرياح إذا كان ذلك ضروريا.

تحديد اتجاه البوصلة الصحيح

الملاحون العرب

كانت الرحلات ممكنة في أشهر الصيف فقط، عندما كان هناك لسوء الحظ عدد قليل من النجوم مرئيا عند خطوط العرض العليا لأيسلندا وغرينلاند، كان على الملاحين أن يعتمدوا بصورة رئيسية على الشمس وعلى الإشارات الطبيعية الأخرى للتعرف على وجهاتهم. يبدو أن أول مشاهدة لغرينلاند قبل عام 1000 حدثت بالمصادفة أيضا عندما انحرف غونبجورن أولفسون عن مساره وهو يبحر من النرويج إلى أيسلندا وبحسب الأسطورة أسس إيريك ثورفالدسون الملقب بإيريك الأحمر، المستعمرة الأولى في غرينلاند غير أنها اندثرت بحلول القرن الرابع عشر.

يشير هوث إلى الملاحين العرب مؤكدا أنه خلال العصور الوسطى وحتى عصر النهضة أبحر الملاحون العرب عبر المحيط الهندي للقيام بتجارة مربحة شملت الحرير والعبيد والتوابل. كان البديل عن المحيط الهندي طريقا بريا شاقا يجري تبادل البضائع فيه عدة مرات، وتظهر الجغرافيا والطرق التقريبية للتجار العرب في المحيط الهندي من الصين وجزر التوابل وزنجبار حتى مدن كالإسكندرية وبغداد.

إن معظم الخرائط العربية حافظت على الفكرة اليونانية لمحيط يحيط بالكرة الأرضية ولوجود الأقاليم. ففي ذروة أمبراطوريتهم سيطر العرب على التجارة عبر الطرق البحرية بين شرق آسيا والهند وشبه الجزيرة العربية على الرغم من وجود دليل على أنهم غامروا أبعد من مضيق جبل طارق أعمدة هرقل نحو المحيط الأطلسي.

ويقول هوث إن ثقافات الملاحة جميعها كان عليها أن تعالج تحديات متماثلة؛ التوجه المكاني، والقدرة على تقدير المسافات، وإيجاد الموقع من دلائل بيئية، هذه تقنيات مشتركة سواء أكانت في البر أم في البحر، هناك أيضا الحاجة إلى التنبؤ بتأثيرات الطقس والمدّ والجزر وتيارات البحار.

ويلفت إلى أن المعرفة الجغرافية التي طورتها الحضارة اليونانية والتي وسعت فتوحات الإسكندر المقدوني في الشرق ورحلات البحارة فيثياس من ماساليا في القرن الرابع قبل الميلاد، استطاعت الحضارة الإسلامية في الشرق الأوسط وإيران وأفريقيا الشمالية أن تضيف إليها وتحدث تطورا كبيرا في الإرث اليوناني الملاحي حيث “ترجم الكثير من أعمال بطليموس إلى اللغة العربية مع أعمال مؤلفين آخرين. وطورت أعمال رائدة في الفلك والجغرافيا والرياضيات من قبل علماء عرب كالبيروني، كما طوّرت جداول لخطوط العرض والطول تقع عليها مدن رئيسية لأجل الفلك ولمعرفة كيفية التوجه إلى مكة في الصلاة”.

14