سرد المرأة طريق العقلانية

الأحد 2015/02/01
توصيف للأنوثة المضطهدة وطغيان الذكورة

المعوّل عليه في الأدب الذي تكتبه المرأة هو النثر وليس الشعر. ولنا أن نستعرض تاريخ التعبير الشعري لدى المرأة لكي نتحقق من أن النثر هو الذي قد يؤدي بها إلى أن تقول حالتها وحالات المجتمع الذي تتحرك بداخله. الذكورة قائمة وكذلك الأنوثة، وأنا، شخصيا، لا أطالب من الأديبة العربية أن تغادر أنوثتها إلا لكي تحدثنا عن “العقل الأنثوي” حقا وصدقا.

الخنساء على سبيل المثال لا الحصر حالة وجدانية، وكذلك إيميلي ديكنسون وإديث سيتويل وآنا أخماتوفا ونازك الملائكة وملك عبدالعزيز وفدوى طوقان وغيرهن من الشاعرات الأخريات في مختلف اللغات. وعليه، أنا أرى أن التعبير النثري هو الذي يمكّن الأديبة عندنا من أن تقول شيئا غير الذي قالته إلى حدّ الآن، أي أن تقفز فوق جدار الوجدانيات الفردية، وأن تقول ذاتها العقلية الحقيقية وذوات الأخريات.

وهذه الحالة العقلية لا تتأتّى لها إلا باستخدام النثر، وذلك بغض النظر عمّا قاله اليونانيون القدماء، في هذا الشأن، من أن النثر هو العقل والشعر هو الشعور والأحاسيس.

هناك فرق كبير بين ما قالته الأديبة العربية في الزمن القديم، وبين ما تقوله الأديبة العربية الحالية، أي تلك التي توظّف النثر في مضمار التعبير. هناك فرق حقا بين ما تقوله نازك الملائكة وفدوى طوقان وملك عبدالعزيز وغيرهنَ، وبين ما تقوله نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وآسيا جبار بحكم أن هؤلاء الأخيرات يستخدمن النثر، أي التحليل، أي العقل.

الأديبة العربية الحالية تلقت نصيبا لا بأس به من المعارف، ودرست في الجامعات، وقد أمكنها أن تضطلع بمناصب فكرية وسياسية واجتماعية. وهي إذ تكتب نثرا إنما تقوم بالتحليل من أجل بلوغ نتيجة معينة تفيد الجميع ولا تكون مقصورة على حالة وجدانية معينة.هذه الأديبة -وفقا لما تسنّى لي أن أقرأه من كتابتها- لا تقوم بتوصيف حالة وجدانية محدودة.

في الشعر النسوي الذي قرأته، بدءا من عهود الجاهلية الأولى إلى أيّامنا هذه، توصيف للأنوثة المضطهدة، وطغيان الذكورة، وسطوة المجتمع والتقاليد، وانعدام الآفاق الرحبة للمرأة، وغيرها من العوامل المثبّطة للهمم النسوية، والتي وقفت عندها أزمنة طويلة دون أن تتخطاها، إلى عقلنة الواقع الذي تعيشه.

تخطيط ساي سرحان

وأعني بالكتابة النثرية الكتابة التحليلية، أي القصة والرواية والبحث الاجتماعي والتاريخي. في الشعر توظف الأديبة في غالب الأحيان العنصر الغنائي وليس العنصر العقلي الفلسفي. أما في النثر فهي -حسب رأيي المتواضع- مخلوق آخر قد نعرف عنه شيئا ظاهراً، في حين أننا نجهل تضاريسه جهلا كليا.

أتمنى أن أقرأ أدبا قصصيا وروائيا للمرأة العربية، بدلا من قراءة ما قد تنظمه من شعر.. أنا في حاجة إلى معرفة الوجه المظلم من القمر، الوجه المظلم من المرأة العربية، وما أشد اتساعه! وأحسب أن الكتابة النثرية تمكّنها من أن تحمل ذاتها بين يديها، بعيدا عن الكليشيهات المطبوخة في بعض المحافل الغربية، وأن تظهر لنا أشياء جديدة غير معروفة في حياتنا العربية.

المجتمع العربي شبع بكائيات وحالات وجدانية فردية، عرف من تكون الخنساء ومراثيها، واطّلع مع نازك الملائكة على امرأة “تعشق الليل”، وتجمع “الشظايا والرماد” من هنا وهناك، ووقف طويلا إلى جانب فدوى طوقان حين تصايحت قائلة “أعطنا حبّا”، و”وجدتها يا عاصفات اعصفي!”، وما إلى ذلك من وجدانيات. وباختصار، هذا المجتمع العربي في حاجة إلى الأديبات اللواتي يوظّفن النثر، أي العقل، للخروج من عنق الزجاجة، وفي حاجة إلى العديد من أمثال نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وآسيا جبار وغيرهن.

روائي من الجزائر

12