سرد شعبي مصري فكاهي لتاريخ قريش قبل ميلاد النبي

جازف كثيرا مؤمن المحمدي في كتابه “ليالي قريش – قبل الميلاد”، الصادر، حديثا، عن دار “روافد للنشر والتوزيع”، في القاهرة، حينما قرر الكتابة عن موضوع دسم مغرق في القدم والإبهام مثل تاريخ قريش مستخدما اللهجة العامية المصرية.
الاثنين 2015/08/17
هل تصلح الكتابة بالعامية أو بأسلوب شعبي للتعبير عن موضوعات علمية مرجعية

القاهرة - ربما يعتقد القارئ أن مؤمن المحمدي في مؤلفه “ليالي قريش – قبل الميلاد”، يقصد أن يكتب كتابة ساخرة حينما أدلى بدلوه في تاريخ يلفه شيء من القدسية -كونه أحد فصول تاريخ النبي محمد- لا سيما وأن الكتابة لم تخل من استخدام تشبيهات تحاكي عصرنا الحاضر بل وأمثلة وعبارات وردت في السينما أو المسرح… أو حتى في لغة الشارع حاليا.

لكن في هذا -إن حصل- إجحافا كبيرا، فهو كتاب جاد ومثير للغاية، ويحمل القارئ على التفكير بتجرد وبساطة متسلحا بسهولة الألفاظ وجزالة المعنى وقربه من تفاصيل حياتنا اليوم، فتزول كل الحواجز التراثية والترابية التي تراكمت بفعل الزمن ورمزية المقدس.

رحلة تاريخية مبسطة

كتاب “ليالي قريش – قبل الميلاد” يأخذ القارئ بتبسيط شديد في رحلة تاريخية تسير في ظلال المنطق الذي يسوقه المحمدي بين الحين والآخر من خلال دعوة للتفكير في مدى صحة الرواية أو في طرافتها أو غرابتها.

خمسون فصلا صغيرا سماها “خمسون ليلة” تقود القارئ بنعومة في فيافي وقفار صحراء الجزيرة من بداية سبب وجود مكة الديني والجغرافي والاجتماعي والتجاري، وبالتالي المنطقي. والقبائل التي حضرت من بعيد والتي اقتتلت أو تحالفت أو احتالت حتى تحقق مكاسب، وكذلك الشخصيات المختلفة التي كانت لها بصمات أثرت في مجرى التاريخ بهذه المنطقة.

في الكتاب سرد شعبي لما حصل منذ بداية مكة وحتى عام الفيل الذي ولد فيه النبي (570 ميلادي). ويخطط الكاتب لإصدار كتاب آخر مكتوب بنفس الطريقة يؤرخ لفترة ما قبل الدعوة في وقت لاحق هذا العام.

وربما يكون من المجحف أيضا وصف الكتاب، الواقع في 208 صفحات، بأنه حكاية مصاغة للقارئ البسيط فحسب، فالكتاب -على بساطة أسلوبه- يتضمن أفكارا تقع في صلب علم التاريخ والكتابة التاريخية. وهو وإن تحدث بحذر حول حِمى النصوص المقدسة الذي يوشك أن يرتع فيه، إلا أنه لم يتجاوز في حق العلم أو الدين.

الكتابة لم تخل من استخدام تشبيهات تحاكي عصرنا الحاضر بل وأمثلة وعبارات وردت في السينما أوالمسرح

شعبنة الحكاية

المؤلف مؤمن المحمدي قال إنه تعمد “شعبنة الحكاية” كي تصل إلى أكبر قطاع ممكن “هو صياغة شعبية للتاريخ الإسلامي”.

ويرفض المحمدي اعتبار الكتاب مرجعا علميا “لأنه لا يلتزم بالشروط العلمية من ذكر المصادر وتوثيقها واتباع منهجية أكاديمية”.

ولكنه يشدد على أن هذا العمل ليس متعارضا مع العلم “إنما غير ملتزم بالقيود الأكاديمية التي أراها ضرورية في مضمارها”.

ويحذر الكاتب -بشكل علمي- في مقدمة الكتاب من وجود مشكلات في مشروع الكتابة في بحر كهذا: منها صعوبة الكتابة لأن التاريخ مكتوب في أمهات الكتب بلغة قديمة وعتيقة، ومكتوب حديثا بلغة أكاديمية متخصصة، محتاجة من الوقت والجهد والتركيز ما لا يتوفر في “إيقاع الحياة اللي عايشينها”.ويضيف “مش بس كده.. لكن كمان لأن مفيش تاريخ تقدر تطمن لصحته ولو بنسبة معقولة”.

السخرية من الرواية

بعد شرح في المنهج لا يفتقر إلى المنطق العلمي للمشكلات التي واجهها يتساءل الكاتب “طيب نعمل إيه؟”… وبعدها “وإيه الفايدة بقى؟”

كتاب يتناول تاريخ مكة قبل الإسلام بالعامية المصرية في صورة أقرب للحكي

ضحكت كثيرا من عنوان الليلة السادسة “هات الإزازة”. فهو عنوان أغنية هابطة من بدايات القرن العشرين تحكي عن أجواء سكر وسمر. ومن المدهش كيف أتى المحمدي بهذا الملمح الحديث ليشرح رؤيته النقدية لقصة انتقال ولاية البيت الحرام من غبشان الخزاعي إلى قصي بن كلاب جد النبي.

تقول القصة المروية أن قصي اشترى ولاية البيت من غبشان “بزق خمر وقعود”.

يسخر المحمدي من الرواية ويدعو إلى تخيل قصة يقوم فيها شخص بأخذ محافظ القاهرة إلى “بار” ليسقيه “ربع براندي” ليشتري منه إدارة المحافظة… ثم يعلق الكاتب قائلا “كلام هزلي”!

وعلى الرغم من رفض الكاتب لاعتبار كتابه مرجعا علميا تاريخيا إلا أن السؤال ما زال مطروحا: هل تصلح الكتابة بالعامية أو بأسلوب شعبي -على حد وصف المؤلف- لكتابة موضوعات علمية مرجعية؟ الأدب شق طريقه وشغل حيزا واسعا في الوجدان والخيال، بل والمجال الأكاديمي، فهل تسير هذه الكتابة على نفس الخطى؟

لا شك أن طرح المؤلف له وجاهته لكن: هل بالإمكان “شعبنة الكتابة” مع مراعاة المنهج الأكاديمي البحثي العلمي؟

ولا يعني عدم وجود فهرس للمراجعة أن الكتاب لا يعتمدها، فكتاب ليالي قريش يتضمن الإشارة إلى مراجع كثيرة يبدو أن الكاتب عكف على دراستها بتمعن. والجهد المبذول واضح في الكتابة التي حرص فيها على ذكر الروايات المتعددة للحدث.

متعة القراءة والفكاهة في الكتاب تجعل من يقرأه يمتثل دون تردد إلى كل أمر يصدر في نهاية كل ليلة… “اقلب الصفحة”.

روح الفكاهة المصرية حاضرة بقوة في الكتاب حتى آخر جملة فيه “صلّي على رسول الله”.

بل إن الناشر حينما كتب ملاحظة في آخر الكتاب لم يستطع الخروج من الجو المصري البهيج الذي رسمه مؤمن المحمدي في متنه فقال “كنا هنعمل فهرس بس ملازم الكتاب قفلت على كده”.

14