سرد نسوي بريشة مصرية

الأحد 2018/02/04
فنانة تبدع عملها الملحمي من خلال صور حضور المرأة في المجتمع

في معرضها الأخير “ملامح” بمتحف الفن الحديث في دار الأوبرا بالقاهرة (16-27 يناير 2018)، قطعت التشكيلية المصرية ثناء عزالدين (75 عاما) شوطا جديدا في رحلة استكشافها عوالم المرأة وتحريرها من براويزها الجامدة، في طرح شيّق ينبني على السرد كتيمة أساسية.

فنانة التصوير، الحاصلة على الماجستير والدكتوراه في فلسفة التصميم، تواصل شغفها الفني والمعرفي بارتياد آفاق الأنثى، ورصد إحداثياتها بدقة، ليس فقط كـ”عروسة” وفق عنوان معرض سابق لها، وإنما في سائر لحظات حياتها، وانخراطاتها الاجتماعية المختلفة، فالمرأة هنا ذات ألف وجه ووجه، والفنانة ذات صدر رحب، يتسع لمعطيات “الملامح” وإشراقاتها.

ثناء عزالدين، ابنة الحضارتين الفرعونية والإسلامية وذات الاطلاع الواسع على منجزاتهما الفنية وأيضا على التراث الروماني والقبطي والوافد الغربي من المدارس الحديثة والمعاصرة، تبحر مع المرأة في هذه المسارات كلها، في نسيج يسمح بالمزج والانصهار من دون تنافر، ويستوعب في خيوطه الصبغة الشعبية كعلامة مسجلة.

تدرك الفنانة أن السرد النسوي بالألوان والخامات أكثر تجريدا وتأثيرا من الحكي بالكلمات، ومن ثم فإنها تستعذب أن تضع نفسها محل “الرواية”، مطلقة بلسان الأنثى العشرات من الحكايات الملونة في فضاء اللوحات المبتكرة، التي تستدعي فيها خبراتها في استلهام العناصر الكتابية والتراثية والطبيعية، والزخارف الهندسية، لخلق دلالاتها التعبيرية الخاصة.

الحركة والسكون

تتعدد الخامات التي تقدم بها ثناء عزالدين أعمال معرضها “ملامح”، بين الأكريليك والبيجمنت على القماش المصبغ والقطن، وتأثيرات صدأ الحديد على الكتان، وصبغات الربط والعقد على القطن الخام، ويكاد يغلب الوجه الأنثوي على أعمالها التصويرية ببطولة مساحية لافتة في متون اللوحات التي قد تحمل خلفياتها زخارف هندسية تحيل على الفن الإسلامي، حيث الحلي والأرابيسك والفسيفساء والخيامية.

وتتسم التصاميم الهندسية في الفن الإسلامي الموروث بتكرار استخدام المربعات والدوائر والنجوم التي تتداخل وتتشابك، وقد برزت الزخارف الهندسية في تيمات متعددة في الفنون والعمارة الإسلامية، كما في الكليم والعقود والفخار والجلود والزجاج المعشق والمشغولات الخشبية والمعدنية والنوافذ والأسقف.

فضلا عن تكرار الوحدات الزخرفية في خلفيات لوحات معرض “ملامح”، فإن الفنانة ثناء عزالدين عمدت إلى تكرار الوجوه النسوية في مجموعة من اللوحات، وقد يحدث التكرار في متن اللوحة الواحدة أو في عدد من اللوحات المتجاورة، على أن الوجه في تكراره يكتسب ملامح مغايرة ودلالات تعبيرية مختلفة، بما يمنح المحتوى خصوبة والمغزى الفكري مستويات تحليلية وتأويلية متوالدة.

هذا الحضور القوي للوجوه الأنثوية التي تروي “الحالات” عبر الملامح المعبرة، يعكس مساحة اهتمام كبيرة وحقيقية لدى الفنانة إزاء عالم المرأة وحالاتها الحياتية وأطوارها وأدوارها الاجتماعية المختلفة، كما تبرزها الفنانة من خلال ترددات ملامح الوجوه، ضمن نسق البناء التشكيلي، وعبر المحيط اللوني والعناصر المستخدمة في التكوين الكلي.

في تقديمها للكيانات النسوية البريئة في إطار ساكن بطله الرئيسي هو الوجه، فإن الفنانة ثناء عزالدين لا تغفل الحركية التي تتجلى من خلال رصد الاختلافات الدقيقة بين الوجوه المتكررة ظاهريّا من جهة، ومن خلال دلالات المشاعر المتفجرة التي تنم عنها ملامح وقسمات الوجوه من ناحية أخرى.

يتلاقى كسر السكونية لدى الفنانة ثناء عزالدين، مع ذلك النفس الملحمي في سرد قصص النساء من خلال الألوان، ورصد مشاهد حياتية متلاحقة تمثل الحاضر الآني، كما تعكس أعمال الفنانة صورا متعددة للمرأة في التراث (عروس المولد، عروس البحر)، وفي السير الشعبية والملاحم، وفي الرسوم والنقوش الفرعونية والرومانية والقبطية والإسلامية.

المباشر والرمزي

لماذا أطلقت ثناء عزالدين على معرضها “ملامح” ولم تعنونه بـ”وجوه”، على الرغم من أن تنويعات العزف على الوجوه هي السائدة تحديدا في سائر أعمال المعرض، بترددات وتقاسيم مختلفة؟

الإجابة تبدو واضحة في الأعمال ذاتها، التي تقدم مفهوما ثريّا للبورتريه، بوصفه لونا فنيّا يتجاوز تصوير شكل الشخصية في ثباتها نحو أفق أرحب من تقصي مزاجها وقنص الجوهري من انفعالاتها الكامنة تحت السطح في مواقف متغيرة.

معرض ثناء عزالدين هو ملتقى المزج غير المتعسف بين المباشر وغير المباشر من رسائل المرأة، بين الصريح الذي يكتب ذاته بذاته، والمسكوت عنه الذي يتطلب مهارة خاصة في التفاعل معه بإمعان النظر إلى القوة الروحية المتلبسة الوجوه النسوية، تلك الوجوه التي لا تنتمي عادة إلى مكان وزمان محددين، إنما تحمل في أنسجتها الحية عصارة التاريخ المصري منذ عهد الفراعنة وحتى يومنا هذا.

رهان الفنانة ثناء عزالدين الأصعب، ليس في إعادة تركيب العناصر الموروثة المتآلفة أو المتنافرة في نسق منسجم فقط مع طبيعة الحالة، إنما في تلك القدرة على إكساب المجاني والمعروف حيوية جديدة ودهشة طازجة مستمدة من طاقة الفنانة نفسها وخصوصيتها وخبراتها التصميمية والحياتية الفردية، التي تعنيها وحدها دون غيرها.

تقمص الأخريات في تجربة “ملامح” لثناء عزالدين لا يعني أن الفنانة تقف على الحياد أو خارج الموضوع، أو أنها تكتفي بإفساح المجال لبطلاتها لكي يحكين من دون تدخل منها، فهي دائما متفاعلة مع نسائها، متوحدة مع تجاربهن، مقيمة في أزمنتهن وأمكنتهن، واعية بأساطيرهن وسيرهن الشعبية، منغمسة في مشكلاتهن ومآسيهن، لأنها ببساطة واحدة منهن، أو لأنها “هن” جميعا.

“ملامح”، عنوان بسيط لمعرض عميق، يفتح نوافذ شفيفة إلى فضاءات تأملية تخوضها الفنانة ثناء عزالدين بصحبة نسائها المحمّلات بالكثير من الكلمات والألوان والصرخات التي لم يسمعها أحد بعد كما ينبغي.

كاتب من مصر

14