سرطان الإرهاب ينمو في بلجيكا القلب السياسي النابض لأوروبا

الاثنين 2014/10/27
يؤجج الإسلاميون شعور الشباب بالغربة ويستدرجونهم إلى ممارسة العنف داخل الدول الأوروبية

بروكسل - لئن كانت شبكات الإرهاب الدولية تعمل على تأجيج الشعور الطائفي والبغضاء والحقد بين أبناء الجلدة الواحدة والوطن الواحد لتستقطب العناصر “الجاهزة” إليها وتجندهم لحسابها للقتال في المدن والقرى العربية مستغلة شعور الشباب العربي باليأس وفقدان الأمل في المستقبل نظرا إلى غياب مشروع ما، فإن الشبكات نفسها تعمل على تأجيج الشعور بفقدان الهوية والاغتراب الذي يعتري الشباب في دول المهجر، في أوروبا وأميركا وأستراليا أساسا. وقد تمكنت الخلايا الإرهابية المتطرفة فعلا من النفاذ إلى عقول الشباب العربي في أوروبا وإقناعهم بطرق خاصة بالالتحاق بالتنظيمات الإرهابية المقاتلة في سوريا والعراق، وهذا ما يدفع إلى إلقاء نظرة عن كثب لمتابعة جزء من تفاصيل ظروف ذلك الاستقطاب اللعين.

تبدأ القصة في بلدة صغيرة في ضواحي العاصمة البلجيكية بروكسل، حيث تم تجنيد عديد الشباب المسلم لصالح الجماعات الإرهابية التي تنشط في أوروبا، وقد نجحت تلك الجماعات في إقناع العديد من العناصر للذهاب إلى سوريا والعراق والقتال هناك.

وقد تعرف مسؤول مسجد النصر الواقع في بلدة فيلفورد مأمون أقيشوح شخصيا إلى عدد من الشبان الذين غادروا في السنوات الأخيرة تلك البلدة للانضمام إلى صفوف الجهاديين في سوريا. وقد كان هؤلاء الشبان يترددون على مسجده الواقع في شارع هادئ من هذه المدينة الصناعية السابقة التي لا تزال تخيم عليها ذكرى إغلاق مصنع شركة “رينو” للسيارات قبل 17 عاما، مما تسبب في فقدان الكثير من العائلات العربية والمسلمة مصدر رزقها الرئيسي هناك. ويقول أقيشوح، مغربي الأصل، وهو مسؤول عن المسجد، إن “هؤلاء الشبان كانوا يبحثون عن هوية ومكانة في المجتمع”. وقصتهم شبيهة بقصص 325 شابا بلجيكيا مسلما وثلاثة آلاف شاب أوروبي انخرطوا في صفوف الميليشيات الإسلامية المتطرفة في سوريا والعراق. وقال مأمون اقيشوح إنه في مكاتب الجامع القائم خلف صف من منازل العمال “أعرف شخصيا بعضهم، أولئك الذين كانوا يأتون إلى الجامع قبل أن يغادروا إلى سوريا والعراق وأماكن أخرى من بينها ليبيا للتدرب”.

الظروف التي يمر بها المسلم في أوروبا في هذه الفترة هي الظروف الأنسب لتجنيد الشباب لصالح الجماعات الإرهابية

وفيلفورد البلدة الفلمندية البالغ عدد سكانها أربعين ألف نسمة والتي تؤوي قسما من الطبقة العمالية المنحدرة من أصول مهاجرة، أصبحت مع أنتورب (شمالا) أحد المراكز الرئيسية لتجنيد الجهاديين في بلجيكا. وتعود أصول سبعة من الموقوفين الـ46 المرتبطين بجماعة “شريعة فور بلجيوم” السلفية والذين تجري محاكمتهم في مدينة أنتورب بتهمة “الانتماء إلى مجموعة إرهابية” من هذه البلدة، ويحضر اثنان منهم فقط المحاكمة فيما الآخرون لا يزالون ناشطين في سوريا أو قضوا هناك في القتال.

وجماعة الشريعة فور بيلجيوم هذه، هي جماعة أصولية إرهابية تأسست في مايو من سنة 2010 على يد فؤاد أبو القاسم إلياس (أبو عمران) البلجيكي من أصول جزائرية، وقد كانت في البداية تنشط في مجال الدعوة إلى الإسلام وجمع التبرعات وتكوين فروع لها، لتتحول بعد ذلك إلى جماعة تطالب بأسلمة المجتمع البلجيكي وأسلمة الدولة. وقد تم حلها سنة 2012 لتورطها في جريمة إرسال المقاتلين إلى سوريا وجمع المال لشراء السلاح، لكن تقارير أمنية بلجيكية أكدت أن الخلايا السرية لهذه الجماعة لا تزال تنشط وترسل الشباب إلى جبهات القتال في الشرق العربي.

ومن بين الأمثلة التي خضعت “لدمغجة” التنظيمات الإرهابية في أوروبا، غادرت مؤخرا مجموعة مكونة من 27 شخصا، من بلدة فيلفورد المحاذية، من بين المجموعة فتاتان. توجهوا إلى سوريا والعراق حسب ما أدلى به رئيس البلدية هانس بونتي، فيما يفيد مسؤول الجامع مأمون أقيشوح عن رحيل عشرين شخصا من أصل حوالي خمسة آلاف عائلة مسلمة تعدها البلدة الصغيرة. وأوضح مأمون أنهم “كانوا شبانا لم يكملوا دراستهم ودون وظائف، يواجهون متاعب مع القانون والمجتمع أو مشاكل مع عائلاتهم وهم أصحاب سوابق في مجال المخدرات والسرقة”. يذكر مأمون اقيشوح بصورة خاصة شابا دون أن يذكر اسمه كان يعاني من الإدمان ويواجه صعوبة في إيجاد مكانة لنفسه كمسلم في مدينة فلمندية التي تضم مجموعة كبيرة متحدرة من المغرب.

ويؤكد مراقبون وخبراء في علم النفس الاجتماعي، أن الظروف التي يمر بها الشباب المسلم في أوروبا في هذه الفترة، هي الظروف الأنسب التي من خلالها يمكن تجنيد الشباب لصالح الجماعات الإرهابية، وإرسالهم إلى مناطق التوتر خاصة في سوريا والعراق عبر الحدود التركية. فسهولة استقطابهم تتوازى أيضا مع سهولة استدراجهم إلى عالم المخدرات والجريمة، فتلك “أدوات الغياب عن الوجود وخلق وجود آخر لتجاوز الأزمات النفسية الناجمة عن أزمات اقتصادية واجتماعية وأخرى تتعلق بالهوية في الغرب”.

يعبر الشباب عن حنقهم بالعنف ويجدون في الخطاب الإسلامي المبررات لممارسة عدائهم لدول الاستقبال

ويروي مسؤول المسجد المغربي حالة الشاب الذي يعرفه قبل سفره إلى سوريا قائلا: “كان يمكن رؤيته أحيانا يرتدي ملابس من الطراز الغربي، وأحيانا أخرى يرتدي الجلباب الطويل التقليدي. كان يريد التوقف عن تعاطي المخدرات لكنه لم يكن يدري كيف يفعل ذلك، لقد كان ضائعا”.

ويرى مأمون أقيشوح أن الدعاية الإسلامية لعبت دورا حاسما في تجنيد الشبان، مشيرا بصورة خاصة إلى أشرطة الفيديو التي يبثها هذا النوع من الجماعات ويشاهد فيها جهاديون يقودون سيارات رباعية الدفع ويستعرضون أسلحتهم. ويشرح أن هذه الدعاية تبث فكرة أن “المسلمين يعاملون معاملة ظالمة في العالم” مما يجعل البعض “يبنون أوهاما”، بل وأيضا “يطمعون في زيف الثروة التي يملكها المتطرفون”. ويشير إلى أنه في الحين ذاته “ما تغفل الدعاية عن ذكره هو القنابل والدبابات والحرب القذرة التي يقتل فيها الناس أو يصابون بجروح بالغة”.

وفي واقع الأمر، فإن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها معظم دول أوروبا حاليا، قد انعكست بشكل سلبي وعميق خاصة في الأوساط المهاجرة المسلمة، سواء كانت عربية أو غير عربية. فقد تفاقمت أزمة التحول من مجتمع وثقافة أصلية إلى أخرى طارئة لتتحول إلى “شعور بالنقمة والحنق” يدفعان المهاجر إلى الاعتقاد بأن العنف سوف يعبر عن حالته، خاصة إذا وجد له غطاء دينيا مدعوما بخلايا تترصد هذا النوع من الأنفس الضعيفة وتدعمه بالمال والتخطيط والتعبئة الأيديولوجية.

ويرى مراقبون أن على الخبراء في مجال علم النفس وعلم الاجتماع والسلطات التدخل لإنقاذ المجتمع الأوروبي من آلاف القنابل الموقوتة التي يمكن أن تكون مثل شباب البلدة البلجيكية المسالمة.

13