سرعة تكيّف "الدولة الإسلامية" يجعل هزيمته مهمة صعبة

الاثنين 2014/09/01
هزيمة "الدولة الإسلامية" تتطلب استهداف معاقله في سوريا

باقرتا (العراق)/واشنطن- بعد الهجوم الخاطف الذي شنه مقاتلو "الدولة الاسلامية" في العراق في حزيران أخذوا يستعرضون قوتهم في شوارع مدينة الموصل التي سقطت في أيديهم وهم يلوحون بالاعلام من سيارات الهمفي الأميركية التي استولوا عليها ومن عربات مدرعة وعربات "بيك اب" مزودة بمدافع رشاشة ثقيلة.

أما اليوم فيقول بعض سكان المدينة إن الكثيرين منهم تخلوا عن العربات ذات المظهر العسكري التي قد تجعل منهم أهدافا سهلة للضربات الجوية الأميركية واتجهوا للاختلاط بالسكان المحليين.

وكشف تمعن رويترز في الضربات الجوية الاميركية المستمرة منذ ثلاثة أسابيع عن تغيرات كبيرة في أسلوب عمل الدولة الاسلامية منذ انضمام الولايات المتحدة للقتال ضدها وكان أوضح العلامات ظهور أعداد أقل من المتشددين في شوارع الموصل.

ومن غير الواضح كيف ستتغير تكتيكات الدولة الاسلامية نتيجة استرداد قوات الحكومة العراقية وقوات البيشمركة الكردية سد الموصل الاستراتيجي وكذلك استعادتها مدينة آمرلي التي كان الآلاف محاصرين فيها دون امدادات غذائية ومياه، لكن من الواضح أن استراتيجيات القتال تتطور على الجانبين.

ويوضح تكيف "الدولة الاسلامية" مع التغيرات مدى المشاكل التي يواجهها الرئيس الاميركي باراك أوباما ووزارة الدفاع (البنتاغون) والقوات العراقية والكردية في سعيهم لاستعادة الأرض التي استولى عليها المتشددون.

وبعد صياغة ترتيبات عمل مع جماعات سنية مسلحة أخرى والعشائر الساخطة على الحكومة المركزية التي يهيمن عليها الشيعة في بغداد أصبحت الدولة الاسلامية الآن القوة المهيمنة في مناطق من شمال العراق وغربه وتقول تقديرات حكومية عراقية أن عدد مقاتليها يتراوح بين ثمانية الاف و20 ألف مقاتل.

وقد أصبحت مساحات شاسعة تحت سيطرة تنظيم الدولة الاسلامية المنشق عن تنظيم القاعدة وسيكون من الصعب انتزاع هذه السيطرة من التنظيم إذا فشل القادة السياسيون من الشيعة في استرضاء العراقيين من السنة الساخطين الذين لجأ كثيرون منهم إلى أحضان الدولة الاسلامية بعد ما يقولون إنها سنوات من التمييز والاضطهاد.

ويقول مسؤولون أمنيون عراقيون وخبراء إن إخراج الجهاديين بالكامل سيتطلب على الأرجح العمل على محورين أحدهما يشمل قتالا بريا في العراق تخوضه قوات الأمن العراقية ورجال العشائر ومقاتلو البيشمركة الأكراد ربما بتوجيه من قوات العمليات الخاصة الاميركية ومستشارين أميركيين.

وفي حكم المؤكد تقريبا أن إنزال الهزيمة بالدولة الاسلامية يتطلب شن هجمات جوية على معاقلها في سوريا وهو أمر محفوف بالمخاطر بما في ذلك سقوط كثير من الضحايا بين المدنيين في ضوء عدم كفاية معلومات الاستخبارات الاميركية على الارض.

وقال علي الحيدري الخبير الأمني العراقي والضابط السابق بالجيش العراقي "استعادة مساحات يستلزم ما هو أكثر من الضربات الجوية. فهو يتطلب مقاتلين مدربين تدريبا خاصا ودعما من السكان في تلك المناطق."

وقالت حياة الفي أستاذ دراسات الشرق الاوسط بكلية الحرب البحرية الاميركية في نيوبورت برود آيلاند إن واشنطن بحاجة لأن تقرر إن كانت تريد وقف الدولة الاسلامية واحتواءها أم تريد القضاء عليها قضاء مبرما.

وأضافت "إذا كانوا يريدون فعلا القضاء على الدولة الاسلامية... فلابد أن يكونوا أكثر التزاما بهذا الأمر بكثير."

ومنذ الثامن من أغسطس اب شنت الطائرات الحربية الأميركية عدة هجمات يوميا في العراق تركزت حول ثلاثة مواقع قتالية رئيسية في شمال العراق هي العاصمة الكردية أربيل وسد الموصل وجبل سنجار الذي يمتد مسافة 65 كيلومترا وحاصر فيه الجهاديون الاف اليزيديين.

ونفذت المقاتلات إف/ ايه 18 من حاملة الطائرات الاميركية جورج اتش.دبليو بوش أول الهجمات حول سنجار فيما قالت الولايات المتحدة إنه مسعى لحماية اليزيديين الذين كانت تخشى أنهم يواجهون الابادة.

ويقول مسؤولون أميركيون إن طائرات حربية تنطلق من قواعد على الأرض وطائرات دون طيار تنطلق من قواعد أخرى في المنطقة أصبحت تشارك الان في الهجمات الجوية.

ويقول دوجلاس أوليفانت رئيس الوحدة المسؤولة عن العراق في مجلس الأمن القومي الاميركي في عهد الرئيسين جورج دبليو بوش وأوباما "حتى الان تركزت الضربات الجوية على منع الدولة الاسلامية من التقدم."

ويضيف "وقد حققت نجاحا على الاقل داخل العراق. أما سوريا فمسألة أخرى. وكذلك دفع الدولة الاسلامية للتراجع في العراق نفسه."

وقال مسؤولون عراقيون وغربيون إنه كان لتزايد استخدام القوة الجوية بوصول طائرات هجومية روسية الصنع من طراز سوخوي-25 لسلاح الجو العراقي أثر ملموس وإن كان من الصعب تقدير الخسائر في صفوف مقاتلي الدولة الاسلامية.

الغارات الأميركية كانت لها دور فعال في دعم القوات العراقية


جوانب شائكة


وفي الموصل نفسها التي تقطنها أغلبية سنية لم يعد تنظيم الدولة الاسلامية يتباهى بوجوده. وقال أحد السكان امتنع عن ذكر اسمه خوفا من رد فعل الدولة الاسلامية "انتشارهم أقل من ذي قبل. وهم يتجنبون استخدام المدافع الرشاشة على سيارات "البيك اب" لأنها أهداف واضحة للطائرات."

كما ساعدت الضربات الجوية الاميركية القوات والميليشيا العراقية على شن هجوم منسق على مدن تحت سيطرة الدولة الاسلامية قرب مدينة آمرلي الشمالية التي حوصر فيها الاف الشيعة من التركمان وانقطعت عنهم امدادات الغذاء والمياه والدواء لمدة شهرين. ويوم الأحد عادت هذه المدينة لسيطرة القوات الحكومية.

ومع تدخل الطائرات الاميركية لمساعدة هذه الحملة العسكرية برزت جوانب شائكة لكل الاطراف إذ أن الجيش الاميركي ساعد في واقع الأمر لا القوات العراقية فحسب بل عناصر ميليشيات شيعية حاربت القوات الاميركية من قبل ويتهمها السنة بارتكاب فظائع في قتالها ضد الدولة الاسلامية بما في ذلك عمليات قتل خارج النظام القضائي.

وتقول القوات الكردية إنه لولا الغطاء الجوي الأميركي لكانت واجهت صعوبات في وقف تقدم الدولة الاسلامية نحو اربيل. وبدلا من ذلك واصل الأكراد الضغط واستعادوا في 24 أغسطس اب قرية باقرتا الواقعة على مسافة 70 كيلومترا من عاصمتهم.

وقالت مصادر في الموصل إن عددا من قيادات الدولة الاسلامية قتلوا. وتقول الحكومة الكردية إن مقاتليها شاهدوا عربات محترقة والمتشددون يكافحون لإخلاء قتلاهم وجرحاهم.

وقال نجات علي صالح المسؤول الكبير بالحزب الديمقراطي الكردستاني في قضاء مخمور قرب باقرتا "نحن نشعر بأننا أقوى منهم."


الطائرات الروسية


وفي بداية هجوم الدولة الاسلامية كانت القوة الجوية العراقية محدودة تقتصر على طائرات هليكوبتر هجومية وعدد محدود من طائرات سيسنا التي تطلق صواريخ هلفاير.

غير أنه بنهاية يونيو حزيران الماضي أعلنت روسيا والعراق صفقة لتزويد سلاح الجو العراقي بطائرات سوخوي هجومية من طراز سو - 25.

ورغم أن هذه الطائرات بسيطة وبطيئة وضخمة إلا أنها مزودة بدروع ثقيلة وهي مثالية لمهاجمة تجمعات القوات في المناطق المكشوفة.

ويقول المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن بعد فحص مجموعة من الصور المختلفة إن دفعة ثانية من هذه الطائرات وصلت في يوليو تموز بألوان مموهة وعلامات يستخدمها الحرس الجمهوري الايراني.

ولم تعلق الحكومتان العراقية والايرانية على مصدر هذه الطائرات أو من يقودها.وقال العقيد علي عبد الكريم بالجيش العراقي إن الطائرات أوقفت تقدم الدولة الاسلامية صوب بغداد في الشهر الماضي.

ورغم أن الطيارين العراقيين أقل خبرة من نظرائهم الاميركيين كما أن أسلحتهم أقل دقة فقد قال العقيد عبد الكريم إن التنسيق مع القوات البرية يتحسن.

دحر تنظيم الدولة الإسلامية مهمة غير سهلة وتتطلب تكاتف جميع الجهود


"جيش ارهابي"


لكن لن يكون من السهل إلحاق الهزيمة بالدولة الاسلامية في العراق، ويبدو أن الحملة الجوية الاميركية أثارت سخط الدولة الاسلامية أكثر على الأكراد. فقد نشرت الدولة الاسلامية مقطع فيديو الخميس عرضت فيه 15 أسيرا كرديا وعملية إعدام واحد منهم. وحث ثلاثة من الأسرى رئيس اقليم كردستان مسعود البرزاني على إنهاء التحالف العسكري مع الولايات المتحدة.

وقال مسؤول كردي كبير "ما نحاربه الآن جيش إرهابي مدرب تدريبا جيدا ومسلح تسليحا جيدا."

وأضاف "ولابد لنا من الاعتراف بأنهم في غاية المهارة في قتالهم. فهم يريدون أن يشغلونا على جبهات عديدة فيتجهون إلى جبهة ويريدون منا التركيز على تلك الجبهة ثم يخترقوننا من جبهة أخرى."

ويبدو أن استرداد المناطق السنية صعب، فخلال حملة زيادة القوات الاميركية عامي 2007/ 2008 تعاونت هذه القوات تعاونا وثيقا مع بعض الجماعات السنية ضد تنظيم القاعدة. ويقول مقاتلون من السنة وقيادات عشائرية إن بعض من دربتهم القوات الأميركية يحاربون الآن في صف الدولة الاسلامية.

ورغم أن الدولة الاسلامية فقدت كميات كبيرة من عتادها الثقيل يقول مقاتلون أكراد إن القوات المتقدمة صوب مواقع الدولة الإسلامية وأغلبها من القوات الكردية عثرت على عدد من الجثث أقل مما توقعت.

ويقول بعض المسؤولين الأكراد إن من المحتمل أن يكون الجهاديون المتقهقرون سارعوا إلى نقل الجثث وإن كان من المحتمل أيضا أن يكون عدد مقاتلي الدولة الاسلامية الذين تعرضوا للهجمات الجوية أقل من التوقعات.

كذلك فإن الجهاديين يحققون مكاسب كبيرة في سوريا بما في ذلك الاستيلاء في 24 أغسطس اب على قاعدة جوية كبيرة.

وقال رئيس هيئة الاركان المشتركة الاميركي الجنرال مارتن ديمبسي في 21 أغسطس اب إن هزيمة الدولة الاسلامية في العراق يتطلب تحقيق النجاح في مواجهتها في سوريا وهو أمر يدرسه المسؤولون الأميركيون في الوقت الحالي.

لكن الخوض في عملية عسكرية في سوريا يواجه عقبات هائلة على النقيض من العراق حيث تتمتع الولايات المتحدة بخبرة مباشرة ترجع إلى سنوات عدة كما أن لها أصدقاء يمكن التنسيق معهم.

ولا تربط واشنطن علاقات بحكومة الرئيس السوري بشار الأسد. كذلك فإن الدفاعات الجوية لدى قوات الأسد والدولة الاسلامية قوية.

وقلل أوباما الخميس الماضي من التوقعات بشن هجمات جوية وشيكة على مواقع الدولة الاسلامية في سوريا. وقال البيت الابيض إن أوباما يريد بحث الخيارات التي يطرحها مستشاروه العسكريون بروية.

وقال هشام الهاشمي الباحث في شؤون الجماعات المسلحة العراقية في بغداد "حتى الان لم تستهدف الضربات البنية التنظيمية للدولة الاسلامية ولم تستهدف مخازنها ولم تستهدف مصادر قوتها وهي حقول النفط ولم تستهدف التهريب بين الحدود السورية والعراقية."

وأضاف "هذه الضربات حققت هدفها بدفع الدولة الاسلامية عن كردستان لكنها لم تحقق نصرا كبيرا أو مكاسب كبيرة."

1