سرعة قطار الإصلاحات البطيئة ترفع غضب الشارع اللبناني

لبنانيون ينتفضون في مدن عديدة وسط غضب متفاقم تجاه طبقة كاملة من السياسيين الذين قادوا البلد إلى أزمة.
الخميس 2019/10/03
محتجّون: نرى في المستقبل الأسوأ قادما

توم بيري وليلى بسام

بيروت – في بلد تقسمه الانتماءات الطائفية، فإن المدى الجغرافي الواسع على غير المعتاد للاحتجاجات التي اندلعت في لبنان الأحد، بسبب الوضع الاقتصادي الرديء، ينبئ بغضب متفاقم تجاه طبقة كاملة من السياسيين الذين قادوا البلد إلى أزمة.

وفي حين لم تكن المظاهرات كبيرة، إذ تجعل انقسامات لبنان من الاحتجاجات الضخمة أمرا نادرا، فقد اندلعت من بيروت إلى وادي البقاع ومن صيدا في الجنوب إلى طرابلس في الشمال.

ففي طرابلس، انتقد المحتجون رؤساء الوزراء السابقين والحاليين، وجميعهم من المسلمين السنة وفقا لترتيبات الحكم في لبنان. وفي بلدة بريتال النائية، جرى إنزال علم حزب الله الشيعي ذي النفوذ. وفي بيروت، هتفوا ضدّ جميع القادة اللبنانيين، بمن فيهم رئيس البرلمان الشيعي ورئيس الدولة المسيحي.

لم يقل الزعماء اللبنانيون الكثير عن احتجاجات الأحد. وبالنسبة للحكومة الائتلافية برئاسة رئيس الوزراء سعد الحريري يبقى التركيز منصبا على إنعاش الاقتصاد من خلال إصلاحات طال انتظارها مثل إصلاح قطاع الكهرباء الذي يستنزف المال العام دون أن يلبّي احتياجات لبنان.

وفي إطار العملية ذاتها، يأمل لبنان في نيل تصديق دولي سيفتح الطريق أمام الإفراج عن مليارات الدولارات لتمويل الاستثمار.

138 مرتبة لبنان من بين 180 دولة على مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية

 لكن جلال سلمى، الذي كان بين المحتجين في طرابلس يوم الأحد، لديه مخاوف أشد إلحاحا. وقال “صار هناك جوع حقيقي ونحن لا نرى حلا حقيقيا قريبا في الأفق. بالعكس، نحن نرى في المستقبل الأسوأ قادما”.

وتتفاقم مشاكل الاقتصاد منذ سنوات في لبنان. فالبلد الذي دمرته الحرب الأهلية بين 1975 و1990 لديه أحد أثقل أعباء الدين العام في العالم كنسبة من الناتج الاقتصادي. والصراع الإقليمي وعدم الاستقرار السياسي يعصفان بالنمو الاقتصادي، في حين يصل معدل البطالة لمن تقل أعمارهم عن 35 عاما إلى 37 بالمئة.

ويزيد الطين بلّة أن ميزان المدفوعات يسجل عجزا منذ سنوات. وأعطت هذه الأزمة المالية حافزا أكبر للإصلاح. لكن حلفاء لبنان الأجانب غير مقتنعين تماما بعد بوتيرة التغيير. ولم تتدفق حتى الآن حوالي 11 مليار دولار تعهد بها المانحون الأجانب قبل 18 شهرا في فرنسا بشرط الإصلاح.

وقال فيليب لازاريني، المنسق المقيم للأمم المتحدة، الثلاثاء بعد لقائه الحريري في لبنان، “أكدنا على أهمية تنفيذ الإصلاحات وليس الإعلان عنها فحسب، وتقديم موازنة 2020 في الموعد المحدد”.

خلاف المحاصصة

نوع الخطوات اللازمة لإصلاح الأوضاع المالية في لبنان أثبت دائما أنه بعيد المنال. فقد استخدم الزعماء المنقسمون وفقا للتوزيع الطائفي في لبنان، وكثير منهم من قدماء محاربي الحرب الأهلية، موارد الدولة لفترة طويلة لمصالحهم السياسية ولا يرغبون في التنازل عن صلاحياتهم. كثير منهم من أصحاب الملايين. والبعض الآخر من أصحاب المليارات.

ويحتل لبنان المرتبة 138 من بين 180 دولة على مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية. وقال محمود فقيه (35 عاما)، وهو صحافي وناشط معروف شارك في احتجاجات بيروت، “السياسيون كانوا دائما يختلفون حول المحاصصة وهذا يعرقل أي إصلاح وهذا ما يجعلهم ينكشفون أمام الرأي العام على أنهم جماعة من الكذابين”. وأضاف “توسّع النطاق الجغرافي لهذه المظاهرات هو دليل على تفاقم الأزمة وأن الأزمة صارت على تماس مع وجع المواطن”.

 وساهم ظهور سوق سوداء يباع فيها الدولار بسعر أعلى من السعر الرسمي في اشتداد مخاوف الناس. ويوم الثلاثاء، اتخذ البنك المركزي خطوات لتنظيم توفير الدولار لواردات المواد الأساسية مثل البنزين والقمح والأدوية. وتعهدت الحكومة بالمحافظة على ربط سعر صرف العملة.

وقالت مها يحيى، مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط، إن المخاوف المتعلقة بالعملة “أصبحت موضوع نقاش يومي” وإن احتجاجات يوم الأحد تبرز هذا القلق. وشدّدت على أن “الأمر المحبط للغاية بالنسبة للكثيرين هو أنه لا يبدو أن هناك أفقا. ليس لدينا خطة لنقول شدّوا الحزام وتحمّلوا طيلة الأشهر الستة المقبلة وكل شيء سيكون على ما يرام”.

إلحاح يشتد

الأزمة صارت على تماس مع وجع اللبناني
الأزمة صارت على تماس مع وجع اللبناني

نالت الحكومة بعض الثناء على الجهود المبذولة لتخفيض العجز هذا العام وخطتها لإصلاح قطاع الكهرباء وهو ما أطلق عليه صندوق النقد الدولي “الخطوات الأولى المرحب بها على مسار طويل”.

وتتضمن ميزانية 2019 بعض الاجراءات الصعبة سياسيا، لاسيما تجميد التوظيف الحكومي لمدة ثلاث سنوات. لكن المقترحات المتعلقة بتخفيض مؤقت لأجور القطاع العام أُجهضت بالفعل.

والسياسيون الذين يعرفون أن الحاجة ملحة للقيام بالمزيد من الإجراءات يهدفون إلى تخفيض العجز بدرجة أكبر في ميزانية 2020 لكن دون زيادة الضرائب.

وقال نديم منلا، كبير مستشاري الحريري، متحدثا “من الواضح أن السرعة التي تتخذ بها القرارات ليست واعدة للغاية ويجب على الحكومة والأحزاب السياسية التحرك بشكل أسرع بكثير”. لكنه أضاف “لاحظنا أنه في الأسابيع القليلة الماضية كان هناك تقارب حول الإلحاح للمضي قدما”.

وفي مقابلة أجريت معه الاثنين، أعرب عن أمله في أن تسفر رحلات الحريري القادمة إلى السعودية والإمارات عن “شيء ملموس” بعد “علامات مشجعة” على استعداد دول الخليج العربي لإيداع الأموال في لبنان.

وقال إن الرحلة الأخيرة التي قام بها الحريري إلى فرنسا كانت ناجحة أيضا، مستشهدا بالاتفاق على آلية متابعة للدول المانحة للبنان، وتحديد موعد لعقد اجتماع رفيع المستوى الشهر المقبل والاهتمام الفرنسي بالاستثمار في لبنان.

وقال النائب آلان عون، وهو شخصية بارزة في التيار الوطني الحر المسيحي، إن ميزانية 2020 ستكون اختبارا جديدا “للحكومة والبرلمان لإثبات قدرتهما على إخراج البلاد من الأزمة”.

وقال “للناس الحق في الاحتجاج ولا ينبغي لأحد أن يلومهم على ذلك. فبدلا من البحث عن الأعذار يتعين على الطبقة السياسية اتخاذ التدابير والإصلاحات الشجاعة اللازمة لاستعادة الثقة التي فقدتها في الرأي العام وفي المجتمع الدولي”.

7