"سرقات شاعر مغمور" الكتابة عن الحرب بهدوء شجرة ثابتة

كما “العصافير تدافع عن حقلها بالغناء”، على حدّ تعبير روجيه مونييه، فإنّ الشعراء أيضا يتمسّكون بأوطانهم ويدافعون عنها، من خلال الكتابة على الأقلّ، هذا ما تؤكّده الشاعرة السوريّة ندى منزلجي في مجموعتها الجديدة “سرقات شاعر مغمور”.
الثلاثاء 2015/11/17
ندى منزلجي تكتب الحرب بحروف ناعمة

صدرت عن منشورات دار مسعى، المنامة، مجموعة شعرية جديدة للشاعرة السورية ندى منزلجي بعنوان “سرقات شاعر مغمور”. تأتي المجموعة في أربعة أقسام رئيسية، هي “في قلب الثورة وبعيدا جدّا عنها”، “مَن يفتحونَ البابَ للصباح”، “عنه.. الحبّ”، و”قصيرات وممتلئات”.

ويحتوي كلّ قسم بدوره على عدد من القصائد، ورغم ذلك تبدو المجموعة وكأنها قصيدة واحدة، طويلة ومموسقة، إذ تتداخل فيها الأصوات بحميميّة وبشكل هارمونيّ مُتَدَرّج، أيضا ثمّة خيط شفاف وجليّ يجمع القصائد إلى بعضها البعض ضمن نسق أحاديّ، له نكهة المُتَعَدّد في الآن نفسه.

تكتب ندى في إشارة إلى ما حلّ بربيع وطنها الدامي “الوليد الأعمى/ كما الثورات/ الوليد العاري/ كما الثورات/ يصرخ/ فيختنق صدر العالم بالهواء”، “كنتُ في ما مضى أزعم أنّني من مواطني العالم/ ضاق انتمائي/ ضاق عليّ/ أنا المغدور الفاني/ جئت من سوريا”. لكن كتابات الشاعرة عن الثورة والدمار الذي يعيشه وطنها كان بلكنة هادئة ونبرة خافتة، لغتها أشبهُ بماء النبع من حيث النقاوة والصفاء، وتدنو من روح الطبيعة بكل مكوناتها، تتميز بالسلاسة والتماسك في عباراتها.

ورغم تسلل مفردات غريبة وفي غاية القسوة إلى معجمها الشِعري، مثل “الدم” و”القتيل” و”القنبلة” والانتحاري” و”الزناد” و”الدمار” و”الجرح” والألم” و”الموت”، وخصوصا ما نجده في القسم الأوّل من المجموعة، إلا أنّ الشاعرة تنجح في الإفلات من اللغة التقريرية والأسلوب السطحي الدارج عادة في كتابة قصائد آنيّة، في تناولها لمشاهد العنف والحرب، وعلى العكس من ذلك نلفي لديها النضج والرويّة، والكتابة بعمق جنبا إلى جنب مع تطويع العبارات لتكون بسيطة، ولتندرج تحت بند “السهل الممتنع”، حيث تقول “في كلِّ مدينة أظنّني سألقى دمشق/ شيء يشبه أن تنتظر قتيلا/ على باب السينما/ ليشاهد معك فيلما/ يحكي عمّا يشبه/ حادثة موته”.

قصيدة واحدة طويلة ومموسقة

وفي قصيدة أخرى تقول “سوريا/ الشفتان جرح يشدّ على ألمه”، لا تحتاج العبارة الأخيرة- على الرغم من قصرها والتكثيف والإيجاز- لتصف للمتلقّي ما حلّ بتلك البلاد، وما الكلمة/ المفتتح “سوريا” وتركها هكذا لوحدها في سطر كامل، لتأتي من ثمّ العبارة المؤلمة في اختزالها وتأطيرها للمشهد المُلتقط، سوى دليل حتميّ على أنها مدعاة للتساؤل لنجدها في تدرجنا داخل القصيدة ونتعرف عليها وهي البلد الذي يعاني الحرب والدمار.

ثمّة فضاءات أخرى، نجدها في هذه المجموعة، ولا سيما توغّلها في المناطق الحياتيّة الأكثر عتمة، أو ما يسمّى بالمهمّش والعابر والمهمل من التفاصيل اليوميّة، من خلال البحث المضني عن آفاق رحبة لشعريّتها. ففي قصيدة “إلى مهمّشات مهشّمات”، نقرأ عن سيرةِ “تلك التي اغتسلت في الشارع/ بعد أن تعذّر النهر/ خلعت ملابسها على الملأ”، فيما البشر “رأوها في ما يرى الذئب/ قطعة كبيرة من اللحم”.

وفي قصيدة “هامش لـ: علي” ثمّة تراجيديا مُعبّرة عن معاناة كائن اسمه علي، حيثُ تبدأ الحكاية هكذا “أريد أن أحدّثكم عن علي”، ثمّ يتبيّن لنا أنه يعمل كحارس لبيت قديم “ومعذب حديقته/ ويل للأشجار حين يمشطها/ يقصّ كلّ غصن يشذّ عن خطّ غرّتها/ علمته التجربة/ ليس للأشجار من مرآة/ سوى النهر”، لتنتهي القصيدة وقد غدا البطل بساق جديدة من خشب، ومن ثمّ محمولا على الأكتاف دون أن “يخبرهُ أحد ما معنى شهيد”، ولكنّه “حيث لمستْ دمعتهُ الأرض/ احترق العشب”.

أكثر ما يلفت الانتباه في القصيدتين السابقتين، كما في جلّ قصائد المجموعة، تلك الصيغة الدراميّة التي تتبعها الشاعرة، ما يمنحُ عوالم شِعريّتها المزيد من الترابط السلس بين العبارات داخل القصيدة الواحدة من جهة، ومن ثم بين قصائد المجموعة ككلّ من جهة ثانية، ويجعلها أكثر تماسكا وشفافية وألفة وإدهاشا. جدير بالذكر أنّ الشاعرة ندى منزلجي تقيم في المملكة المتحدة، وهذه المجموعة هي الثانية لها، بعد باكورتها “قديد فلّ للعشاء”، الصادرة عن دار المدى سنة 2002.

15