سرقات في كتب النقد العربية وخصومات مع المتنبي وأدونيس

حاتم الصكر يحلل عملية المثاقفة والتأثر والتأثير بين الشعريّتين العربية والغربية.
الثلاثاء 2021/02/02
أدونيس أكثر شاعر عربي تلاحق نصوصه بالتهم

مع تعدّد الترجمات وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي بات الشعراء العرب أكثر قدرة على التفاعل والاطلاع على مختلف شعريات العالم. لكن المثاقفة على أهميتها، فإنها تطرح إشكالات عديدة بداية بالتأثر الأعمى وصولا إلى السرقات الأدبية. وهو ما يناقشه بجرأة الناقد العراقي حاتم الصكر.

يواصل الناقد العراقي حاتم الصكر قراءاته التنظيرية والتحليلية للشعرية العربية، كاشفا لتجلياتها وباحثا في جديدها ومتعمقا في ما واجهها من تشابكات وإشكاليات. ويأتي كتابه الأخير “تنصيص الآخر.. في المثاقفة الشعرية والمنهج ونقد النقد” مقاربا لموضوع يتصل بالكتابة الشعرية وما اقترحته دروس التناص والتأثر هو المثاقفة الشعرية، مما يعد ضروريا لتكوين الشاعر الذي لا يمكن أن يكتفي بموهبته وقدراته.

ويرى الناقد أن ثقافة القصيدة تفتقر إلى الحيوية حين تنقطع عن المصادر التي ترفد الموهبة وتعمقها بجانب الخبرة والتجربة الإنسانية، حيث يشير إلى أنه إذا كان للترجمة والدراسات المقارنة إسهامها الواضح في المثاقفة مع الآخر بطريق تقديمه كما في متونه وعبرها، فيكون باثا والمتلقي العربي مستقبلا، فإن درس المثاقفة، والمثاقفة الشعرية خاصة، يهب القراء فرصتين: أولاهما أنه يتفحص وجود الآخر والصلة به عبر متون عربية يكون التناص والتأثر والهضم أهم مبرراتها وأركانها أيضا. وثانيهما أنه يتيح فنيا تلمس الكيفيات النصية التي تمت بها.

المثاقفة الشعرية

حاتم الصكر: التناص اللاشعوري أخرج موضوع المثاقفة من تهمة التأثر الساذج أو التقليد والنقل

يشير الصكر في كتابه الصادر أخيرا عن دار خطوط وظلال بعمّان، إلى أن عملية المثاقفة سواء أكانت عن طريق التأثر الفردي أي شاعر بآخر، أو تأثر شاعر بظاهرة شعرية، تدرس أيضاً الكيفيات الممكنة للصياغات النصية، وفي مقدمتها الجانب اللغوي والتركيبي ثم عناصر الخيال والتمثلات الذاتية والأشكال والأساليب التعبيرية.

كما أن الجانب الموضوعي أو المضموني سيكون مادة لدراسات المثاقفة رغم تحفظ الحداثة منهجياً وتعبيرياً على كتلة الموضوع وإدراج النصوص تحته كفريق لا تميز بين كتاباته، وتستبدل به البحث عن الدلالة في النص وما تأخذه من تلاوين وتنويعات مباشرة أو رمزية. ولكننا نستطيع أيضاً بفعل رؤى المنهج البيئي مثلا أن نتبين موقف الشعراء من الآخر ممثلا بمدينته ورمزيتها وإيحاءاتها والموقف منها شعرياً.

وفي مستوى آخر تتوسع دائرة المثاقفة لتشمل التأثر بالأفكار والرؤى والتصورات الغربية وسواها من نتاج ثقافات الآداب الأجنبية في مجال موسيقاها وإيقاعاتها، ويرصد الناقد تنوع تلك التأثرات وتجدد مراجعها بفعل التقارب الثقافي وتعدد منابع المثاقفة جغرافياً ولغوياً وثقافيا.

ويؤكد الصكر أن درس المثاقفة غير بعيد عهد في الدراسات النقدية والثقافية وما يجاورها أو تجاوره من الحقول المعرفية. فقد جرى في التقليد الشائع في دراسات الشعرية العربية أن تتم المقارنات داخلياً، بين نصوص ذات حاضنة واحدة، رغم أن تاريخ النقد العربي ترك لنا مدونات تؤكد تأثر الشعراء بالنتاج الشعري أو الفكري للثقافات المجاورة والبعيدة التي تم التواصل معها عن طريق الترجمة، وربما من المكرر القول إن أشعار المتنبي وحكم أرسطو تصلح مثالا لذلك. ومثلها ما شاع في الشعر العباسي من تأثر بمقولات فلسفية يونانية، ومن حكم الهند وسرد الفرس، وهو ما أتاحته الصفة الكوسموبوليتية للمدينة العربية وانفتاحها على الثقافات الأخرى، وكذلك تأثر العلوم اللغوية والبلاغية والفلسفية بالمنطق اليوناني.

وبالانتقال إلى العصور الحديثة سنشهد كيفيات أخرى للمثاقفة تتم عبر التماس المباشر مع الآخر بالدراسة والتعلم، وبنشاط الترجمة ونشوء الحقول المتخصصة بالترجمة والأدب المقارن. وسوف تتعزز تلك الصلات بالهجرات الكبيرة التي تمت بشكل موجات لم يكن الرعيل الأول من المهاجرين العرب إلا روادها الذين فتحوا طرقها. وسوف تغدو المنافي والمهاجر كما يتبين في دراسات الكتاب، ساحات ممكنة لتعميق التثاقف. لكن الهبة التكنولوجية والثورة الوسائطية أغنت المهاجرين الجدد من الشعراء والكتاب عن الاندماج الثقافي بمجتمعاتهم الجديدة، وأعادت صلتهم بأوطانهم وآدابها كما لو كانوا فيها.

يقول الصكر “رغم أنني من الذين يلاحظون عدم تفاعل قصيدة المنفى والمهجر والمغترب مع محيطها الجديد بالقدر الكافي الطارد للعزلة الثقافية والخوف من الآخر، والإحباطات التي عاناها كثير من شعراء تلك البيئات التي لم تفلح في دمج بعضهم بإيقاع ثقافاتها، فقد ظل خطاب بعضهم عاطفيا لا ينصاع لأعراف المعرفة، فضلا عن غياب المشغل والمؤثر البيئي الشعري الجديد في شعرهم الذي لم يجد لديهم معداً هاضمة تتمثل ولا تجتر، فغالبهم يجهل لغة مغتربه وشعرائه وسياقاته الثقافية”.

ويستثني الناقد أمثلة لشعراء ومثقفين من الشباب خاصة يتفاعلون ثقافياً مع المحيط الجديد، وتقدم قراءاتهم وتجاربهم إضافات مهمة للقصيدة العربية الحديثة. لكن التنوع رغم ذلك حاصل ومؤثر بفعل قوانين التراكم الكمي والتحول النوعي التالي له. كما أن الحرية التي تتيحها الحداثة لمتبنيها تسمح باستيعاب المكان وتمثل مفرداته والتعبير عنه، ولو بدرجات متفاوتة وكيفيات مختلفة. كما ترد هنا عوامل الثقافة البصرية المتاحة وتعدد طرائقها كمؤثر في التكوين الذاتي والإعداد الثقافي للشعراء. ولا نعني بالثقافة البصرية هنا الاندهاش بالمرئيات العيانية، بل تمثل المكان كوجود جمالي وليس التعاطف معه، إذ قد يكون المكان معاديا أو مفردة في عناصر رفض التعايش مع المكان الجديد، أي المنفى.

ومثالا على ذلك يشير الصكر إلى تمثيل حالة شعراء كتبوا في مدن وأماكن معينة ما يمكن تسميته أهاجي تنفّر القارئ من وجودها. وقد انتبه إدوارد سعيد إلى هذه المسألة واعترف بمعاناته من المكان الجديد على مستويات كثيرة تتعلق بالهوية والوجود والثقافة واللغة، لتصل إلى ما يسميه حالة طباقية لها أعمق الأثر في تفكيره وعيشه داخل هذا المكان وخارج مكانه هو. لقد عالجت دراسات الكتاب الوعي بالمكان المفترض للتثاقف والرؤية الشعرية التي تحتويه، كالتوقف عند مظاهر أخرى تتصل بالتثاقف مثل الاستشراق كدرس لتفحص المؤثر وقراءته معرفياً وكشف خطابه.

اقتفاء الأخطاء

دائرة المثاقفة الأدبية تتوسع لتشمل التأثر بالأفكار والرؤى والتصورات الغربية وسواها من نتاج ثقافات الآداب الأجنبية

يبحث الصكر في الدوافع وراء عملية المثاقفة والتأثر والتأثير بفحص مستوياتها المحددة إجرائيا في المستوى المقارني والمستوى الأيديولوجي والمستوى الفني. وفي هذا المستوى الأخير أشار إلى باب السرقات في كتب النقد العربية والخصومات الخاصة مع شعر المتنبي، ليتوقف بعدها عند سرقات المحدثين وأثر ت.س إليوت على الشعراء العرب خاصة صلاح عبدالصبور والسياب والبياتي.

ويلفت إلى أن التناص اللاشعوري أخرج موضوع المثاقفة من تهمة التأثر الساذج أو التقليد والنقل، وأعطى فرصة إنجاز بناء خاص للقصيدة يصبح المؤثر معها ثانياً. وهكذا يمكن النظر إلى صلة إيديث سيتويل وإليوت بشعر البياتي وصلاح عبدالصبور والسياب.

يقول “لقد كُتب الكثير في شعر إليوت ونقده في الحداثة الشعرية العربية، حتى قيل إنهما قد فجرا ثورة كبيرة في الشعر العربي الحديث. وهذا الحكم الذي أطلقه موريه بحاجة إلى تمحيص، فالمنحى الميتافيزيقي لدى إليوت لم يكن مناسبا للأفكار الثورية التي صاحبت فترة ظهور شعر الرواد وحركات التجديد، وتأثرهم بالواقع والأفكار الداعية للتغيير. كما أن اكتناز قصائد إليوت بالمراجع الثقافية والأسطورية خاصة، تخلو منها جل القصائد المبكرة عندنا باستثناء حالة السياب الذي انصرف لتثمين الرموز والأساطير والاستطراد في هوامش مطولة لشرحها، والإكثار منها في قصائد ما عرف بالمرحلة التموزية في تجربته”.

ويتابع “لكن أثر إليوت في الشاعر صلاح عبدالصبور سيكون لافتا عند دراسة مسرحياته الشعرية، لاسيما ‘جريمة قتل في الكاتدرائية’ وموضوعها مقتل أسقف كانتربري توماس بيكيت، ما يلمس الباحثون أثره في مسرحية ‘مأساة الحلاج’ لعبدالصبور وذهابه إلى التراث الديني لرصد لحظة الاستشهاد وموقف العامة من الناس، وبشاعة المقتلة المدبرة للحلاج بسبب أفكاره، ويجد الباحثون بعض السمات الفنية التي تدعو للمقارنة مثل اصطناع الراوي لدى عبدالصبور بديلاً للجوقة لدى إليوت. ولا بد من الإشارة إلى ما أقره عبدالصبور نفسه من أثر أسلوب إليوت في تجربته الشعرية، وأثر مسرحية إليوت ‘جريمة قتل في الكاتدرائية’ في كتابته للمسرحية الشعرية، كما عرضها في كتابه ‘حياتي في الشعر'”.

ثقافة القصيدة تفتقر إلى الحيوية
كتاب يطرح إشكالات عديدة حول عملية المثاقفة

وفي حديثه عن الخصومات وضدية التثاقف وفضائحيته ضرب مثلا بما جرى مع أدونيس، ويقول “كان أدونيس مثالا لهذا التعقب االفضائحي كونه أكثر الشعراء العرب تماسا ثقافيا مع الغرب عيشا وكتابة ومثاقفة وترجمة، لقد جرت ملاحقة نصوصه لا بروح التشرب الثقافي، بل بالبحث عن مرجعية حرفية لملفوظاته حتى ما كان منها مشتركا إنسانيا. والطريف أن مخونيه وراصدي ‘سرقاته’ يتهم أحدهم الآخر”.

ويضيف الصكر في هذه القضية “كتب المنصف الوهايبي أطروحة بعنوان ‘الجسد المرئي والجسد المتخفي.. شعر أدونيس قراءة تناصية’، وصفها كاظم جهاد بأنها ‘تدرس التواشجات الثقافية والمؤثرات الشعرية العاملة في نصه’، أي نص أدونيس، وذلك في كتابه ‘أدونيس منتحلا…’ ولكنه لم يرض تماما عن عمل الوهايبي الذي استجاب لشروط وضوابط أكاديمية تعتمد درس التناص ولغة البحث الرصينة. فاتهم الوهايبي بأنه لمّح محرجا لانتحال أدونيس ولم يصرح به، وأنه أدخل بعض السرقات ضمن عملية التناص. لقد برر الوهايبي تأثرات أدونيس بالنفري حد التطابق اللفظي أحيانا بأنه لا يستطيع في رأي الوهايبي أن يتخلص من إيقاع النفري الذي يتعذر توليده دون تقليده. وكمثال من الأخذ عن الشعر الأجنبي لا يرضى كاظم جهاد أن يصف الوهايبي نقل أدونيس لبيت بودلير ‘أيها القارئ المرائي، يا شبيهي وأخي’ بأنه إدغام في قول أدونيس ‘وأنت افهمني أيها الضائع، أيتها الشجرة المنكوسة، يا شبيهي’. وهنا لا تنفع مسألة المؤثر الشائع والمثاقفة بطريقة التشرب الروحي، فأدونيس برأي كاظم جهاد لا يجرؤ أن ينسب لنفسه قولا شهيرا”.

ويضع الصكر تسلسلا لتخطئة الآخر لافتا إلى أن الوهايبي يصف عمل الشاعر عادل عبدالله في كشف “سرقات أدونيس من النفري” بأنها “لا تقدم تفكيرا بمشاكل النص، أو بهذا النمط من التعامل مع نص الآخر”. ثم إن كاظم جهاد يصف عمل الوهايبي بأنه “يشير” إلى الانتحال ولا يسميه محرجا ولا يغامر بالتصريح به. وثالثا عبدالقادر الجنابي في “رسالة إلى أدونيس” يصحح لكاظم جهاد بعض ترجماته ويصفه بأنه مُرجّم، ويسخر منه بطريقة شائنة، فيها سباب شعبوي معيرا إياه بمدينته “سوق الشيوخ الجنوبية” أو بتصغير اسمه كما يكني في الدارجة العراقية “أبوجويدة”.

ويوضح الصكر “لم أجد هنا أي تفكير بمعنى المثاقفة، فقد احتفى كفاعلية حضارية وموقف شعري من لائحة ملأى بالتصويبات والاتهام بالانتحال، رغم أن ما في هذا المصطلح من نداء قديم ينطوي على السرقة بالمعنى الأخلاقي. وأغفل الباحث ما فعله أدونيس بتحرير القصيدة الحديثة من هيمنة المرجع الإنجلوسكسوني وإثرائها بمؤثر جديد هو المرجع الفرانكوفوني. ولا أزعم أنني مؤهل لمناقشة أخذ أدونيس عن شعراء فرنسيين أجد أن كاظم جهاد ذا قدرة فائقة على التعرف على ما اقتنصه أدونيس من نصوصهم أو تخطئة ترجماته، لكن التمحّل وارد كثيرا”.

يعالج الصكَر في كتابه أيضاً ما يرى أنها مظاهر ممكنة لفحص عملية المثاقفة نصياً، كالمثاقفة المدينية، والمقاربات المنهجية، وعملية نقد النقد، والبحث عن مؤثرات متعددة المراجع، وإن كان مصدرها هو الآخر بالمعنى الحضاري والثقافي.

14