سرقة الأعلام من "حالش" إلى "داعش"

الأربعاء 2014/09/03

قامت القيامة على وزير العدل اللبناني أشرف ريفي حين أعلن أنه سيلاحق قضائيا كل المشاركين في حرق علم داعش كونه يحمل لفظ الجلالة، تاليا فإن المس به يعتبر إهانة للمسلمين. وُجّه له نقد قاس واتهم بالداعشية، وسئل عن سكوته عن إحراق أعلام حزب الله في طرابلس رغم أنها تضم اسم الجلالة. تبع ذلك ردود أفعال تمثلت في حرق صلبان في طرابلس، وفي بروز تعقيدات في عملية التفاوض على إطلاق سراح الجنود اللبنانيين المخطوفين لدى النصرة وداعش، حيث اعتبرت النصرة أن التيار العوْني الذي وكّل النائب إبراهيم كنعان للدفاع عن المتهمين في القضية يريد جر المسيحيين إلى صراعات لا شأن لهم فيها.

حزب الله لم يظهر اهتماما واضحا بقضية الجنود الشيعة المخطوفين توازي ما كان قد أبداه حين اختطف مواطنون شيعة من مؤيديه في سوريا. كل السياقات تؤكد أنه غير مرتاح لأي حل يعيدهم سالمين إلى أحضان الوطن، لأن هذا السيناريو يمنعه من استثمار دمائهم في حربه المفتوحة ضد الحاضنة الشعبية للثورة السورية. في هذا السياق يمكن فهم أمر العمليات الذي أصدره إلى حليفه التيار الوطني الحر بإحراق علم داعش في الأشرفية، وتوزيع صور هذا الفعل على وسائل الإعلام، في اللحظة التي بدأت فيها المفاوضات على حل قضية الجنود المخطوفين تصل إلى نهايات سعيدة.

علم داعش يحاول سرقة شعار التوحيد الإسلامي ونسبته إلى نظام دلالي من تأليفه، يرتبط فيه الإسلام بصورة التنظيم ويهبها الشرعية والوصاية على الإسلام السني. لم يقبل السنة بذلك. رموا داعش خارج المتن الإسلامي العريض الذي يمثله الإسلام السني المعتدل. أبقوه في مجال المرفوض الذي لابد من اقتلاعه كي يستقيم حال الجسم الإسلامي السني. إحراق العلم يهب داعش هذا العلم ويعترف له بحق استعماله.

يتعامل فعل الإحراق المشبوه مع داعش بوصفه الإسلام كله. هكذا يتخذ إحراق علم دلالة إحراق الإسلام نفسه، مما يمنح لداعش في إدعائها الوصاية على المسلمين والوصاية عليهم مشروعية قصوى، ويحوّل أي فعل انتقامي تقوم به إلى فعل لا يقع في عالم الجريمة، ولكن في مجال الدفاع المشروع والرد على الاعتداء. هذا ما يهم حزب الله حاليا. يريد منح داعش مشروعية ويدخلها في صراع مع المسيحيين كي يتحول الصراع بين السنة وداعش، إلى صراع بين السنة والمسيحيين، خاصة بعد أن جاء رد الفعل على إحراق علم داعش مكررا الحماقة نفسها، حيث تم إحراق صلبان بشكل مهين للدين المسيحي. الحزب سبق داعش في سرقة العبارات المقدسة وتوظيفها في سياق لا تحتمله. لفظة “حزب الله” كانت تعني، قبل ظهور الحزب الإلهي، الناس الذين لا ينتمون إلى أي منظومة حزبية، فباتت تعني بعد ظهوره الناس المنخرطين في مشروع أيديولوجي مدجج بالسلاح .

سرق الحزب عبارة “فإن حزب الله هم الغالبون” من القرآن، وصبها في قالب شعاراتي استوى علما له، يستحضر حين يرفع كامل ممارسات هذا الحزب ويشير إلى خطاب الغلبة الذي يسم ممارسته. إحراق علم حزب الله مرفوض وكذلك إحراق علم داعش، لأن ذلك اعترافا بامتلاكهما لما سرقاه، ولكنْ هناك فرق في مشهدي الإحراق وسياقاتهما.

طرابلس كانت قد رفعت علم حزب الله الذي كان يقاتل العدو الصهيوني واعتبرته علمها، وكان شعار الغلبة الذي يضمه يحمل معنى التغلب على العدو الصهيوني. في هذه اللحظة لم تكن طرابلس ترفع علم حزب الله، بل كانت ترفع علم الإجماع الإسلامي على معاداة إسرائيل. لم يكن حزب الله صاحب العلم والشعار، بل كان ينسب إلى الإسلام والمسلمين الذي كانوا يحسون أنفسهم متماهين مع المعنى القرآني الواسع، الذي يجعل كل واحد منهم منتميا إلى حزب لله.

أحرق هذا العلم حين بات يستعمل بشكل يحرمهم حقهم في أن يكونوا حزبا لله. لم يحرق العلم الذي يضم آية قرآنية لأنه لم يعد موجودا في ظل النفي التام لمعناه الذي مارسه حزب الله، ولكن أحرق العلم الذي يقتلون باسمه. ألم يردد السوريون الذين تحرق البراميل المتفجرة أرضهم وأجسادهم، وردد معهم الطرابلسيون “يا الله مالنا غيرك يا الله”. إحراق علم حزب الله في سوريا وفي طرابلس، محاولة لاستعادة الله الذي حاول القتلة تحويله إلى راع وحام لهم.

إحراق علم داعش جاء في سياق مغاير، فالذين قاموا به لم يذوقوا ويلات داعش التي اقتصرت على المسلمين، وعلى الذين يناصبهم مُحرقو العلم العداء، فهل يكون الأمر دعوة لداعش للتفجير في المناطق المسيحية كي يستطيع حزب الله ارتداء ثوب حامي الأقليات؟ حرق علم حزب الله كان احتجاجا على إهدار معنى كبير، قام به أبناء هذا المعنى، وحرق علم داعش كان فعلا متماهيا مع مُهْدري المعاني قام به خصوم أصحاب المعنى. داعش وحزب الله لصا أعلام، وعلينا أن لا نسمح لهما بامتلاكها.


كاتب لبناني

9