سركون بولص أيقونة شعرية لا يخفت بريقها

الأحد 2014/07/27
سركون بولص المسافر الأبدي بين البلدان

الفن أم الحياة، أم كلاهما معا؟ سؤال يبدو معقدا لأول وهلة، غير أن جوابه بالنسبة إلى من شغفوا بالفن باعتباره حياة مجاورة يشكل تجسيدا لطبيعة ارتباطهم بقطبي المعادلة. هناك من استغنى عن الحياة زاهدا بها واكتفى بالفن وهناك في المقابل من شغف بالحياة وأدار ظهره للفن. في الحالين كان هناك مَن اعتبر الفن سلّمه إلى الحياة ومَن سلك دروب الحياة ليصل إلى الفن.


المسافر الذي سبقه صوته


معادلة لا تخلو من الاضطراب، ولن يكون الميزان فيها عادلا دائما. ذلك لأن ضحاياها ينتمون إلى الفئة التي تحلم بتغيير العالم. شيء منهم يهب الحياة معانيها في أكثر تجلياتها امتزاجا مع المجهول الذي يتطلعون إليه مثل نبوءة. كان الشاعر العراقي سركون بولص يقف دائما في المعذبين بالحياة متشبثا بالشعر خلاصا. عاش صاحب “الحياة قرب الأكروبول” شبابه منبوذا في العراق وحين غادر إلى بيروت منتصف ستينات القرن الماضي كانت حفاوة رواد مجلة شعر به لا تكفي لإيوائه مثلما كان يحلم فهجر لبنان إلى كاليفورنيا ليكون مواطنا أميركيا، غير أن شعوره العميق بالضياع ظل ينقل خطواته بين المدن وهو يلوّح بمواطنته المغدورة إلى أن وافته المنية في ألمانيا وهو في الثالثة والستين من عمره.

كان موته وفيا لشبابه الشعري الدائم. ذلك لأنه كان يميل إلى أن يراهن على الشعر والحياة معا. وهو الرهان الذي جعله يرتكب الشعر في كل لحظة حياة ويمعن في الحياة في كل لحظة شعر. لم يعاد نظاما سياسيا بعينه، بل كان موقفه المنحاز إلى الشعر هو ما يقلق النظام لذلك مُنعت أشعاره في الوقت الذي كان الشعراء الشباب في مختلف أنحاء العالم العربي ينظرون إليه باعتباره أيقونة شعرية خالدة. وهو ما لم يكن يعرفه سركون نفسه وهو المسافر الأبدي بين البلدان.

عاش بولص غريبا في بغداد مرتين. مرة لأنه من جماعة كركوك وأخرى لأنه لم يشتبك بمشكلات الشعر السائدة في بغداد. لذلك كان يفضل أن يكون قاصا


حياة في خدمة الشعر


اكتفى الشاعر العراقي سركون بولص (1944 ــ2007) من الحياة بصفة شاعر. منزلته ومهمته وسلواه وسبب شقائه ولذته. لقد وضع حياته كلها بين يدي آلهة الشعر، فلم يتزوج ولم يمارس مهنة يمكن أن تدر عليه ما يبعد شبح الفقر، ولم يكن لديه عنوان ثابت وهو الذي عاش حياته مسافرا، كلما احتضنته مدينة جرفه الشوق إلى مدينة لا يعرفها ولم تقع خطواته على دروبها برياحه فيقرر الرحيل. كان جواب آفاق وهو ما جعله يدرك في وقت مبكر من حياته أن مغامرته في الشعر ستكون مفتوحة على حياة لا يقوى المرء على أن يعيشها إلا إذا كان مستعدا لآداء مناسكها وحيدا وفي حالة عزلة يمتزج فيها تمرد نافر يختزله سفر استفهامي من أجل “الوصول إلى مدينة أين” وهو عنوان كتابه الشعري الأول بخشوع تأملي، يكاد المعبد ينغلق على أنفاس مصليه من أجل تقديم “عظمة أخرى لكلب القبيلة” وهو عنوان كتابه الشعري الأخير. كان الشعر شأنه الشخصي الذي امتزج بحياة لا يقوى على اقتسامها مع امرأة، قد تعذبها تلك الحياة.


فتى مجلة شعر


كان صاحب “إذا كنت نائما في مركب نوح” قد غادر بغداد الستينات متجها إلى بيروت ليحظى باستقبال كريم من قبل يوسف الخال ورفاقه من أركان مجلة شعر اللبنانية. لقد نظروا إليه باعتباره شاعرا تعد مخيلته الشعر العربي بالكثير من الفتوحات الاستثنائية.

وكانت قصائده قبلها قد استقبلت بحفاوة من قبل الجماعة اللبنانية التي كانت قد تبنت مشروعا ثوريا يهدف إلى الانتقال بالشعر العربي الحديث إلى مرحلة ما بعد الحداثة الخمسينية. لقد كان فتى الشعر العراقي محظوظا حين احتلت قصائده مكانا بارزا من أحد أعداد مجلة شعر عام 1963 باعتبارها نبوءة لما يمكن أن يكون عليه مصير الشعر العربي في العقود اللاحقة.

قصيدة من سركون بولص
الكرسي

كرسيّ جدّي ما زالَ يهتزّ على

أسوار أوروك

تحتَهُ يعبُرُ النهر، يتقلّبُ فيهِ

الأحياءُ والموتى.

أبي في حراسة الأيّام

لم تكن العَظمة، ولا الغُراب

كانَ أبي، في حراسة الأيام

يشربُ فنجان شايه الأوّل قبل الفجر، يلفّ سيجارته الأولى

بظفْر إبهامه المتشظّي كرأس ِثُومة.

تحت نور الفجر المتدفّق من النافذة، كانَ حذاؤهُ الضخم

ينعسُ مثل سُلحفاة زنجيّة.

كان يُدخّن، يُحدّقُ في الجدار

ويعرفُ أنّ جدرانا أخرى بانتظاره عندما يتركُ البيت

ويُقابلُ وحوشَ النهار، وأنيابَها الحادّة.

لا العَظمة، تلك التي تسبحُ في حَساء أيّامه كأصبع القدَر

لا، ولا الحمامة التي عادت إليه ِبأخبار الطوَفان.

سقط الرجل

في وسَط الساحة

سقطَ الرجُلُ على رُكبتيه.

هل كان مُتعَبًا

إلى حدّ

أن فقدَ القُدرة على الوقوف؟

هل وصلَ إلى ذلك السدّ

حيث تتكسّرُ موجةُ العُمر النافقة؟

هل قضى عليه الحزنُ بمطرقة يا تُرى؟

هل كانَ إعصارُ الألم؟

رُبّما كانت فاجعة ًلا يطيقُ على تَحَمّلها أحد.

ربّما كان ملاكُ الرحمة

جاءَ ببَلطته الريشيّة عندما حانَ لهُ أن يجيء.

ربّما كان الله أو الشيطان.

في وسط الساحة

سقطَ الرجلُ فَجأةً مثلَ حصان

حصَدوا رُكبتيه ِبمنْجَل.

جسدي الحيّ في لحظته

النوافذ ُ مُغَطّاةٌ بستائرها المُخَرَّمة، وأنا

راقدٌ في سريري، بؤرةً لشَذراتٍ آتية من باطن أرضي أنا، جسَدي

الحيّ في لحظته، هذا التنّور الذي لا يكفُّ عن تَدوير الأرغفة

للجياع المزدحمينَ على بابي.

وجهي مُعَلّى للسماء وما من زاويةٍ للتنَحّي

شَعري مُعَفَّرٌ بأتربة الشمس، والهواءُ يدخلُ قُمرات سفينة

أبعثُ بها الى البحر، بين آونةٍ وأخرى، مصنوعة من كلماتي.

كلماتي المليئة بالنذائر، والنُذُر، ومفاجآت أيّامي.

هي الأثقَل من تُراب قبر أبي المجهول في مسقط رأسي.

لا، لستُ الطريحَ الذي قد تتخيّل، على سرير انعزالاتي

أبعدَ من أن تصلني صيحاتُكَ المجيدة.

النورُ يُملّسُ وجهي، والرؤيةُ قد تُحيلُ جدرانَ غرفتي

إلى مسرح ورَقيّ، يُشعلُ فيه النارَ عُودُ ثقاب.

يدي قد تُسقطُ حِمْلها من الكلمات على هذه العتبة المغطّاة بالخطى

وتُبَعثرني ريحُ الربّ الغاضب المترنّح في مسيرتهِ عبرَ الصحراء كحَفنةٍ من الحنطة.

(آه، يا أوجُهَ التواريخ الجريحة!)

هذا أنا: صوتُ أجراسي الخفيّة في اللحم، أعلى من عاصفةٍ وشيكة.

وهي نبوءة قُدّر لها أن ترى النور، من خلال ما حاوله بولص بنفسه حين فتح نافذة واسعة على الشعر الأميركي المعاصر، مبشرا بأساليب وتقنيات وأفكار كتابة جديدة لم يتعرّف عليها العرب من قبل.

لقد ترجم بولص شعرا، سيكون كتاب ذلك الشعر في ما بعد أصدقاءه المقربين حين رحيله من بيروت إلى كاليفورنيا. يومها اكتملت معادلة حياته التي جعلته يقف دائما عند نقطة المجازفة.


العراقي الغريب دائما


كان بولص جزءا من جيل الستينات العراقي ولم يكن كذلك في الوقت نفسه. كان الجزء الناتئ الذي ظل عصيا على الضم. كانت المسافة التي تفصل بين بولص وبين أبناء جيله من الشعراء العراقيين شاسعة، لا على مستوى التجريب الشكلي أو المحاولة الأسلوبية فحسب بل وأيضا بل على مستوى المفهوم الذي يتعلق بمعنى وقيمة أن يكون المرء شاعرا حديثا.

لم تكن الحرب التي خاضها ببسالة لتهدف إلى الاستقلال بعيدا عن الإرث الشعري العظيم الذي كان يشكله الشعر العربي القديم وهو ديوان العرب بل جعلته تلك الحرب يفتح عينيه على آفاق لن يكون الوصول إليها ميسرا في ظل هيمنة ثنائية التراث والمعاصرة التي كانت قد أخذت من الجهد الشعري الشيء الكثير من غير أن تهبه أي نوع من اللمعان.

لقد اجتمعت في شخصية صاحب “العقرب في البستان” مقومات يندر أن تجتمع في شخصية شاعر، حاول أنسي الحاج أن يختصرها بقوله “لا يُعطى لأيٍّ كان أن يكون آشوريّاً، ولا أن يكون شاعراً، ولا عراقيّاً، ولا تائهاً” ولكن كل ذلك بالرغم من تجسيده للجزء الأصولي من التركيبة الشخصية، غير أنه لا يلتفت إلى نزعة كونية كانت قد ألقت بظلالها على شخصية الشاعر وهو يعيش حياة، كان الغرباء قد جعلوا منها جزءا من إقطاعيّاتهم الاستعمارية. لقد أحاط الغموض بسيرته التي ترك للآخرين كتابة فصولها على الورق بعد أن صنع بنفسه تقلبات تلك الفصول.


في متاهة اللغات


كان بولص الأكثر شعورا بالغربة من بين أبناء جيله الذي كان هو الآخر معذبا بغربته الداخلية. فالفتى الآشوري الذي ولد في مدينة الحبانية، وهي مدينة خدمية أنشئت حول ثكنة للجيش البريطاني كان طفلا يوم انتقلت عائلته إلى مدينة كركوك، التي كانت آبار النفط محور حياتها. تلك التي عرفت نوعا من الرخاء الثقافي المدعوم بتنوع لغوي تخطى الملكات اللسانية ذات الأصول المحلية (العربية والكردية والتركمانية والآشورية والسريانية) لتشتبك بلغة الوافدين الإنكليزية، ولتكون مجلة “العاملون في النفط” التي كان جبرا ابراهيم جبرا يشرف عليها منبرا للتعريف بما يقع من تحولات أدبية في مدينة ثرية، يقطنها الفقراء.

لقد أنتجت تلك المدينة عددا من الأدباء الذين غادروها إلى بغداد، كان سركون بولص واحدا منهم. أذكر منهم: فاضل العزاوي، أنور الغساني، مؤيد الراوي، جليل القيسي، جان دمو وزهدي الداوودي. وقد يكون مناسبا هنا أن أشير إلى أن هناك التباسا قد حدث بالنسبة إلى الكثيرين حين الإشارة إلى أولئك الأدباء المهاجرين إلى بغداد، استثني القيسي الذي لم يغادر كركوك، باعتبارهم أعضاء في جماعة أدبية اسمها “جماعة كركوك”. ذلك لأنه ما من تجمع في التاريخ الأدبي العراقي اسمه “جماعة كركوك”. في حقيقتها فإن تلك التسمية كانت تستعمل للتعريف ليس إلا، كأن يشار إلى فاضل العزاوي أو مؤيد الراوي أو جان دمو أنهم من جماعة كركوك، في إشارة لقدومهم من كركوك.

كان بولص غريبا في بغداد مرتين. مرة لأنه من جماعة كركوك وأخرى لأنه لم يشتبك بمشكلات الشعر السائدة في بغداد. لذلك كان يفضل أن يكون قاصا. ما لا يعرفه الكثيرون أن قصص بولص القليلة التي نشرها أواسط ستينات القرن الماضي كانت قد وضعته في الصف الأول من بين كتاب القصة القصيرة الطليعيين. في ما بعد سيتم جمع تلك القصص ونشرها في كتاب يحمل عنوان “غرفة مهجورة”، غير أن تلك الغرفة المهجورة لم تكن تتسع لرؤى مَن كان يظن نفسه نائما في مركب نوح، لذلك اختار بولص أن يكون مشردا. أن لا يحسب على أحد. أن يكون وحيدا وواحدا غير قابل للقسمة. وهو ما جعله يذهب إلى الشعر بصلابة ثور مجنح.


حامل الفانوس


أتوقع أنه لن يكون سعيدا وهو يسمع صديقه الشاعر سعدي يوسف وهو يصفه بأنه شاعر العراق الوحيد. حدث ذلك بعد موته في ألمانيا. غير أن عنوان كتابه الشعري الثالث “الأول والتالي” يمكنه أن يشي بشعور شخصي يجمع بين الانتشاء والمرارة. فالجملة المستعارة من تعبير شعبي إنما تذهب إلى تكريس اللانهائي المستعار من الملاحم العراقية القديمة. بالنسبة إلى بولص فإن الشعر كان الأول والتالي أما الشاعر فإنه لم يكن إلا “حامل الفانوس في ليل الذئاب” وهي الصفة التي ظل بولص مخلصا لها، وحيدا في عزلته الشعرية والشخصية على حد سواء، كما لو أنه كان ينصت إلى كلماته قادمة من بعيد وهي تحمل قشعريرة لغات، كان يود لو أنه تمكن منها شعريا.

ستكون العربية ممتنة للسان ذلك الفتى الآشوري الذي وهبها نوعا فذا من بريق رؤاه التي لا تقيم في زمن بعينه، بل تسافر بين الأزمنة مثلما كان يفعل حاملها بين المدن. أما العراقيون وهو ابنهم التائه، فسيحتاجون إلى وقت طويل لكي يتفادوا ما ارتكبه أسلافهم من أخطاء في حق مبدعيهم. سيتجددون كلما أتيحت الفرصة لاكتشاف شعر سركون بولص من جديد.

10