سريالية تونسية: الأحزاب تستثمر الإرهاب لتعيش

كل حزب حاكم أو معارض لديه حسابات في استثمار الغضب الشعبي ضد الإرهابيين لفائدته أو لإرباك خصومه، لكن النتائج السيئة تصب في خدمة الإرهاب نفسه بأن تقدم صورة عن دولة مهزوزة سياسيا وأمنيا ومؤسساتها معطلة.
الخميس 2018/07/12
مواجهة الإرهاب في تونس.. معركة مصيرية لا تحسم بالسلاح فقط

أعاد الهجوم المسلح، الذي أودى بحياة ستة من عناصر الحرس (الدرك) في تونس، الجدل حول الإرهاب إلى نقطة الصفر. وبدل أن يحصل توافق بشأن إسناد الدولة في القضاء على المجموعات محدودة العدد التي تتنقّل من جبل إلى آخر على الحدود الغربية، تحول اتجاه النقاش إلى اتهامات متبادلة بين الخصوم السياسيين بتنفيذ العملية، ما يعني ببساطة ترك منفذي الهجوم أحرارا ودون جزاء، والتركيز على الاستثمار السياسي والإعلامي.

إن اتهام هذه الجهة أو تلك بتنفيذ العملية اعتمادا على أن التوتير الأمني يصب في مصلحتها يظل مجرد تأويل سياسي يحتاج إلى أن يرتقي إلى اتهام قضائي مبني على الأدلة، وتنهض فيه أجهزة الدولة بدور فعال بعيدا عن التوظيف أو الحسابات. ومن الصعب على أي قضاء أن يفتح قضايا كثيرة استجابة لما تطالب به الطبقة السياسية ونشطاء التواصل الاجتماعي.

ففي ملف الإرهاب تطرح المئات من الأسماء ليس لمن صعدوا للجبال والتحقوا بالتنظيمات المتشددة، أو من تم اعتقالهم، ولكن لخصوم سياسيين بينهم وزراء ورؤساء أحزاب وقيادات معروفة، وأحيانا شخصيات نكرة صعدت ببركات مواقع التواصل. والأمر نفسه يمكن أن ينسحب على اتهامات الفساد، حيث من السهل أن تجد لدى كل تونسي قائمة بالعشرات من المتهمين. وبالنتيجة فإن القضاء الذي لا يزال مكبلا بالقوانين والتراتيب القديمة قد يجد أمامه عشرة ملايين تونسي متهمين في قضايا فيسبوكية.

ومن الواضح أن انخراط الأحزاب، الحاكمة والمعارضة والجالسة على الربوة، في توظيف الإرهاب إنما يعكس محاولة للهروب من الأزمة التي تعيشها البلاد، وغياب رؤية للخروج بتونس من الأزمة بالنسبة للحزبين الحاكمين (النهضة والنداء)، وبالنسبة إلى المعارضة فشلها في تجيير أزمة أحزاب الحكم لفائدتها واستجلاب الدعم الشعبي لأفكارها.

ربما وجد حزب نداء تونس أن العملية الإرهابية فرصة للتنفيس عنه في ضوء الأزمة الداخلية التي زادتها نتائج الانتخـابات المحلية وطـأة، وأن تحـويل أنظار الاتهامات نحو حركة النهضة الإسلامية سيساعده على تحقيق مهمة جمع الشمل التي بدأ فيها بعد صدمة الانتخابات، وهذا الخطر سيليّن المواقف ويسرّع بالمصالحة.

النهضة، أيضا، قد تجد في تجاذبات عملية من هذا الحجم فرصة لحرف الأنظار عن فوزها بالانتخابات وتحقيق اختراق نوعي في النسيج الاجتماعي، وإبعاد الأنظار عن الخلافات داخلها بشأن رهانها على يوسف الشاهد وإغضاب الرئيس الباجي قائد السبسي والسعي للتهدئة معه واستعادة التوافق تحت مسوغ الوحدة الوطنية والأمن القومي.

كل حزب حاكم أو معارض لديه حسابات في استثمار الغضب الشعبي على الهجوم الدامي لفائدته أو لإرباك خصومه، لكن المحصلة أن النتائج السيئة تصب في خدمة الإرهاب ومنفذي الهجوم بأن تقدم صورة عن دولة مهزوزة سياسيا ومؤسساتها معطلة وأسرارها الأمنية تعرض في منابر التلفزيون لخدمة هذا الشق وذاك.

هل يمكن للصورة المتْعبة التي أظهرها الإعلام عن تونس بعد هجوم الأحد أن تعطي إيحاء بأن البلد يتعافى في مواجهة الإرهاب، أو أنه قادر على الانتصار في معركة مصيرية لا تحسم بالسلاح فقط، بل بالمعنويات والقيم في مواجهة التوحش القادم من تاريخ دموي لحضارة ظلت وما تزال تعتقد أن الاستبداد قدرها، وأن التعدد الديني والفكري والسياسي لا يليق بها.

إن رسائل الاستثمار السياسي للهجوم ستفضي، ولا شك، إلى نتائج سلبية بالجملة بينها أن الرهان، الذي تسوّق له تونس كونها استثناء في الانتقال السياسي، لم يعد له أي معنى طالما أن هذا الانتقال أفضى إلى فوضى سياسية، وأن بناء المؤسسات الديمقراطية والاستثمار فيه لا يحوزان على ثقة الطبقة السياسية نفسها التي تريد الديمقراطية لكن لا تؤمن بنتائجها.

ومن الواضح أن طبقة سياسية ناشئة لم تتدرّب على الديمقراطية في الفضاء العـام ولا في الأحزاب السرية، التي كانت تنتمي إليها، ترفض أن يتشكل المشهد على صـورة لا تكون هي مركزها، ما يعني استحالة قبولها بالاستقرار السياسي مهما صرفت الدولة على الانتقال الديمقراطي من أموال ووقت.

مثال ذلك تجدد الدعوة لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية سابقة لأوانها بعد الهجوم الأخير، مع أن الانتخابات المحلية أجريت منذ أسابيع قليلة، وأي انتخابات جديدة لن تغيّر المشهد إلا بنسبة ضئيلة وستظل القوى المسيطرة هي نفسها. ولا يعدو الأمر أن يكون نوعا من الهروب إلى الأمام بـدل البحـث الجماعي عن حلـول عميقة لوقف التدهور الأمني والسياسي في البلاد.

هل يمكن لدولة بهذا الضعف، وفي ظل رخاوة القرار، والرغبة المستمرة في تغيير رؤساء الحكومة، أن تكون شريكا تجاريا واقتصاديا لأي جهة دولية بما في ذلك الصناديق المالية التي لن تقبل أن تشرف على “إصلاحات” اقتصاد منهوك بفعل استثمار الدولة في شراء ذمم النقابات بمضاعفة المنتسبين للقطاع العام ومراكمة الزيادات سنة عن أخرى في سياق الترضيات السياسية.

والأهم، ماذا تريد الطبقة السياسية التي استلمت تونس ما بعد 2011 أن تقنع به المواطن من خلال المناحة المستمرة على الفضائيات منذ الأحد؟ بترديد أنه غير محمي ولا مستقبل أمامه سوى الهروب إلى الضفة الأخرى من المتوسط، أو القبول بوضع قد لا يستقر لسنوات قادمة.

الرسالة واضحة هنا، وهي أن البلاد تحت إدارة مجموعات (على اختلاف مواقعها) لا تتقن إدارة الشأن العام، وأنها لا تستطيع أن تلعب غير دور المعارضة حتى لو استلمت الحكم، وهذا ما يفسر أسلوب خلط الأوراق والقفز من ملف إلى آخر دون حله، بما في ذلك الملفات التي يتم عرضها في البرلمان وتشترك الأحزاب الحاكمة والمعارضة في منع الحسم فيها.

فتحت الديمقراطية الأعين على حقيقة أن أحلام الأحزاب الفاعلة في السيطرة على القرار السياسي قد تحققت، وإن كان ذلك بشكل غير تام، بما في ذلك لحركة النهضة الإسلامية، أو لنداء تونس الحزب الليبرالي الذي تكون على أنقاض الحزب الحاكم سابقا في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، لكنها وبعد السيطرة لم تجد ما تفعل بالمؤسسات الحكومية عدا توزيع المسؤوليات والمهام على قياداتها أو المتحالفين معها. كان السؤال الأهم: كيف تدار الدولة ومن سيديرها وبأي أسلوب؟

لجأ الإسلاميون إلى فلسفة التوافق لإخراجهم من المأزق، فهي تحافظ على رغبتهم في إدارة المؤسسات واكتشاف الدولة من الداخل، وفي نفس الوقت يوكلون مهمة الفعل والتنفيذ لقيادات إدارية درجة ثانية نجت من الشيطنة والتخوين والاتهام بالفساد، والتحقت بنداء تونس أو بالنهضة لحماية نفسها من غضب “الثوار”.

لم تحمل أي جهة سياسية أو حزبية، حاكمة أو معارضة، برنامجا لإخراج البلاد من أزمتها، وعلى العكس سعى الجميع إلى التخفي وراء الإدارة أو بقايا الدولة العميقة، وتركوا لها مهمة التصرف، وهو ما يفسّر حالة الفوضى السياسية والاقتصادية وغموض المواقف.

بالنتيجة، فإن أي عملية تستهدف قوات الحرس أو الجيش، أو أي حادث سير يسقط فيه عدد من الناس لخطأ بشري، أو حتى فشل منتخب كرة القدم، تكون كلها بمثابة فرصة ثمينة تستثمر فيها الأحزاب لتعويض غياب البرامج والتواصل مع الناس بأفكار جديدة. أي أنها تستثمر الإرهاب لتعيش بدل أن تقاومه.

8