سري للغاية

الأربعاء 2018/01/24

دهشت عندما قرأت أنباء قرب الانتهاء من تصوير فيلم سينمائي بعنوان “سري للغاية”، يفترض أنه “سيؤرخ” للأحداث التي مرّت بها مصر خلال الفترة من يناير 2011 وحتى 30 يونيو 2013.

سيناريو الفيلم من تأليف الكاتب وحيد حامد، وسيظهر الفيلم شخصيات حقيقية ساهمت في تلك الأحداث على رأسها الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي سيقوم بدوره أحمد السقا، والرئيس المخلوع محمد مرسي وسيقوم بدوره أحمد رزق، كما يقوم عبدالعزيز مخيون بدور اللواء العصار أحد كبار قيادات المجلس العسكري وقت الأحداث ويشغل حاليا منصب وزير الإنتاج الحربي. ويقوم محمد رمضان بدور ضابط صاعقة، ونبيل الحلفاوي بدور وزير الدفاع الأسبق المشير محمد حسين طنطاوي، وبدور الرئيس مبارك الممثل أحمد شاكر عبداللطيف، ويخرج الفيلم محمد سامي الذي أخرج من قبل ثلاثة أفلام محدودة القيمة وعددا من المسلسلات التلفزيونية، وقيل أيضا إن النجم عادل إمام سيظهر للمرة الأولى، كضيف شرف في الفيلم.

والواضح أن هناك جهة إنتاجية كبيرة قادرة على حشد كل هذه الأسماء “الكبيرة” في فيلم واحد، كما أنها لا بد وقد خصّصت ميزانية كبيرة تضمن حشد أعداد كبيرة من الممثلين الثانويين والتصوير الخارجي في المواقع الطبيعية للأحداث الصاخبة التي شهدتها مصر في تلك الفترة.

الخبر ليس ككل الأخبار، فنحن أمام “حدث” غير مسبوق في السينما المصرية، بل وفي السينما العالمية، فأمامنا فيلم يجسّد شخصيات سياسية حقيقية لا تزال على قيد الحياة، بل والكثير منها في مواقع السلطة، ناهيك عن أن الأحداث التي يتناولها سيناريو وحيد حامد أحداث ما زالت حديثة العهد، ينتظر كتّاب الدراما والسينما عادة مرور فترة قبل الاقتراب منها في انتظار الكشف عن الكثير من الحقائق حولها، لكن وحيد حامد المعروف بأنه يدرس موضوعه جيدا، يبدو وقد اضطر لقبول تكليف من جهة ما، لكتابة سيناريو الفيلم.

ويعكس التفاعل السلبي مع الخبر على مواقع التواصل الاجتماعي مع تحفظ الكثيرين على إنتاج عمل فني عن أشخاص لا يزالون في السلطة، الخشية من أن يصبح الفيلم عملا من أعمال الدعاية (البروباغندا)، قد لا يرضي الجمهور، بل ولا حتى القائمين على الأمور في الوقت الحالي، إلاّ إذا كان هناك إشراف مباشر من جانبهم على إنتاج الفيلم.

في تاريخ أعتى الأنظمة الفاشية في أوروبا لم ينتج فيلم سينمائي روائي، بغرض إضفاء المجد والعظمة على حاكم مطلق أو قائد فرد، فلم تظهر طوال الحقبة النازية في ألمانيا فيلم يمجد شخصية هتلر، رغم وجود وزارة متخصّصة في الدعاية كانت تملك إمكانيات هائلة للدعاية على رأسها جوزيف غوبلز أحد أشرس النازيين وأكثرهم تعصبا.

كانت هناك أفلام وثائقية عن هتلر وزمرته، لكن أحدا لم يجرؤ على تمثيل دور “الزعيم” ولو على سبيل الدعاية، والأمر كذلك في إيطاليا الفاشية واليابان، الاستثناء الوحيد حدث في بدايات النظام الشيوعي في روسيا مع إنتاج مجموعة من الأفلام في تمجيد زعيم الثورة البلشفية لينين، قام بأداء شخصيته ممثلون، ومن أشهر هذه الأفلام “لينين في أكتوبر” إخراج ميخائيل روم عام 1937.

وحتى عندما أخرج شارلي شابلن فيلمه الشهير “الديكتاتور العظيم” عام 1940، في معرض السخرية والهزء من الشخصية وضمن الحملة الدعائية الكبرى ضد النازية، لم يطلق عليه هتلر، بل “هينكل”، ولم تكن الولايات المتحدة قد أعلنت الحرب حينئذ على ألمانيا.

وفي العالم العربي لم يظهر أي فيلم عن دور حاكم لا يزال في السلطة، هناك فقط حالة وحيدة تتمثل في فيلم “الأيام الطويلة” الذي أخرجه توفيق صالح في العراق، وكان مخصّصا لتصوير “نضال” صدام حسين ضمن حزب البعث العراقي في الخمسينات من القرن الماضي، ثم فراره من العراق بعد فشل محاولته اغتيال عبدالكريم قاسم، ولم يكن للفيلم تأثير يذكر وسرعان ما سقط من تاريخ السينما، وسقط معه توفيق صالح الذي كف تماما عن الإخراج نهاية حياته.

ناقد سينمائي مصري

16