سرّية بيانات الضحايا تشجّع على مقاضاة المتحرّشين في غياب الغطاء الأسري

قانون مصري جديد يحمي الفتاة المتحرَّش بها وعائلتها من الوصم والاستهداف.
السبت 2020/07/11
كسر حاجز الصمت

تتعرض الفتاة ضحية التحرش إلى الأذى مرتين؛ الأولى بانتهاك حرمتها الجسدية من قبل معتد، والثانية عندما لا تجد الدعم والتعاطف الأسري الذي تحتاجه لتتجاوز واقع تعرضها للتحرش ومعالجة أضراره المادية والمعنوية، حيث أن خوف الأسرة من “الفضيحة” ووصم المجتمع يجبرها على إسقاط حق ابنتها في مقاضاة المتحرش. وجاء إقرار الحكومة المصرية لقانون جديد يضمن سرية البيانات الشخصية لضحية التحرش والشهود ليعزز جهود محاربة ظاهرة التحرش والقبول بها أو التغاضي عنها لأي سبب كان.

القاهرة - اتخذت الحكومة المصرية خطوة مهمة لحماية ضحايا التحرش بالموافقة على مشروع قانون مقدم من وزارة العدل، الأربعاء، بالحفاظ على سرية بيانات الضحايا والشهود لمنع التشهير بهم أو استهدافهم أو الضغط عليهم من أجل الصلح.

يُعرض القانون على مجلس النواب الأيام المقبلة، ومن المتوقع أن تتم المصادقة عليه سريعا، لأنه أصبح مطلبا شعبيا لكسر ثقافة الصمت في ظل الجدل المتصاعد حول ظاهرة التحرش، منذ واقعة اتهام شاب قبل أسبوع بالتحرش وهتك عرض فتيات.

يسمح القانون لكل فتاة تتعرض للتحرش اللفظي أو المادي أن تتقدم بشكوى إلى الجهات المختصة من دون أن يتم إفشاء بياناتها إلا أمام المحكمة وبعد تحريك الدعوى رسميا، حيث تم وضع عقوبات صارمة على كل شخص يقوم بتسريب بيانات الضحية.

تحركت وزارة العدل ومعها النائب العام لإعداد القانون بعد تنامي أعداد الفتيات اللاتي تعرضن للتحرش الجنسي، وأغلبهن يخفن من الإبلاغ عن الجناة ومطاردتهم قضائيا خشية ردة الفعل المجتمعي التي توصمهن غالبا بالعار، أو تعرضهن وأسرهن لضغوط وتهديدات تدفعهن للتراجع عن مسار التقاضي.

ضجت منصات التواصل الاجتماعي في مصر باعترافات تفصيلية لفتيات سبق أن تعرضن لوقائع اعتداء وتحرش جنسي ولم تكن لديهن الشجاعة على مطاردة الجناة، إما لتواطؤ الأسرة أو خوفهن على حياتهن وتجنب نظرة المجتمع السلبية.

طالبت النيابة العامة كل فتاة تعرضت للتحرش أن تقدم على مقاضاة الجاني، مع التعهد بحمايتها وعائلتها، شريطة أن تتحلى بالشجاعة من أجل الحفاظ على حقوقها وردع المتحرشين.

لكن في المقابل، يصطدم التحرك الرسمي لحماية حقوق ضحايا التحرش بسلبية أسرية، إذ ترفض أغلب العائلات مطاردة الجاني لأسباب ترتبط بحماية المرأة من “الفضيحة والعار” وتشويه صورتها، وتفكر فتيات بذات المنطق، لأن التنمر المجتمعي كفيل بإحباطهن، كما يمكن أن تنتشر في العائلة الموسعة شائعة تعرض الفتاة للاغتصاب ما يؤثر على مستقبلها.

واتفق كل من المجلس القومي للمرأة والمجلس القومي للأمومة والطفولة على أن “إخفاء معلومات ضحايا التحرش من البالغات والمراهقات، يحصّن سمعتهن من التشويه المتعمد، خاصة وأن الكثير من الأهالي لا يتقدمون ببلاغات رسمية خشية وصم بناتهن بتشبيهات بشعة تضر بمستقبلهن”.

وحتى لو تشجعت الفتاة وقررت مقاضاة المتحرش فقد تتعرض لضغوطات متشعبة، من أسرتها أو بعض الوسطاء والمعارف وأصحاب النفوذ للتوصل لاتفاق صلح ونسيان ما حدث، ولأنها أحيانا تجد نفسها وحدها في خوض المعركة دون دعم أسري أو مجتمعي تختصر الطريق وتتنازل عن حقها رغما عنها.

قرار الفتاة مقاضاة المتحرش يعرضها لضغوطات متشعبة من أسرتها أو بعض الوسطاء والمعارف وأصحاب النفوذ للتصالح ونسيان ما حدث

ترى منظمات حقوقية ونسائية أن إقرار قانون خاص بالحفاظ على سرية بيانات ضحايا التحرش كفيل بتشجيع الفتيات على الثأر لأنفسهن من المتحرشين دون غطاء أسري، لأن الدولة توفر لهن الحماية القانونية والدعم المعنوي الذي يغريهن للتحرك نحو حفظ حقوقهن.

ولن تكون للقانون قيمة إذا استمرت الضحايا وأسرهن في تبني نهج السلمية تجاه المتحرشين وتجنب ملاحقتهم قضائيا، فإلى جانب اضطلاع الحكومة بدورها يقع جزء كبير من المسؤولية على عاتق العائلات التي يجب أن تدعم بناتها حتى بلوغ آخر مراحل التقاضي.

وتبدو مطالبات منظمات نسائية وحقوقية بأن تتوجه إلى القضاء نيابة عن ضحايا التحرش، عندما يفتقدن شجاعة المواجهة، صعبة التحقيق في الوقت الحالي حيث يكفي هذه المنظمات أن تقوم بدور توعوي وتثقيفي أكبر وأعمق لنشر ثقافة الثأر من المتحرشين والقضاء على سلبية وانكفاء الأسر.

ويوقع المتهم بالتحرش وعائلته مع القانون الجديد، على إقرار رسمي بعدم التعرض للضحية وأي من أفراد أسرتها بسوء، إذا انكشفت هويتها أمام المحكمة، للمزيد من حمايتها وحماية عائلتها.

ويعني هذا الأمر أن شجاعة الفتاة وأسرتها لمواجهة المتحرش قضائيا هو المعيار الوحيد لتفعيل القانون الجديد أو جعله مجرد حبر على ورق، وهو ما يثير مخاوف منظمات المجتمع المدني والمؤسسات المعنية بحقوق المرأة بسبب غياب الوعي الأسري الذي يضمن حفظ حقوق الضحايا لاسيما في المناطق الشعبية.

وقالت انتصار السعيد، مديرة مركز مناهضة العنف ضد المرأة، إن خوف الأسرة من المجتمع أكبر عائق أمام انتشار ثقافة الثأر من المتحرشين لأن المتطرفين يصورون الضحية على أنها الجاني الحقيقي، وهناك من يذهب حد اتهام الفتاة الضحية بارتكاب ممارسة غير أخلاقية مع الشاب ثم ادعاء تعرضها للتحرش من أجل تزييف الحقيقة.

وأوضحت السعيد، لـ”العرب”، أن مشكلة الكثير من العائلات أنها تفرض على بناتها الالتزام بعادات وتقاليد تجعلهن غير واثقات من أنفسهن ومحرومات من استقلالية القرار، ما يعني أن مقاضاة المتحرش في يد الأسرة وحدها حيث أن وعيها وانفتاحها يحفظ للفتاة حقوقها، أما تخاذلها وارتهانها لنظرة المجتمع يدفعها لتجاهل حقيقة تعرض ابنتهم للتحرش، وفي البعض من الحالات قد تُكذّب الأسرة الفتاة وتتهمها بالادعاء.

وتروي منشورات على منصات التواصل الاجتماعي لفتيات ذقن مرارة التحرش ولم يساعدهن أقرب الناس إليهن، كالأب والأم، وبلغ الأمر حد تكذيب روايتهن لمجرد أن التهمة تطال أفرادا تربطهم بالعائلة علاقة اجتماعية.

من هؤلاء، قصة فتاة تُدعى مريم تفاعل معها الآلاف من المتابعين، وتحدثت عنها بعض وسائل الإعلام عندما كتبت قصة تحرش ابن عمها بها لسنوات، وبلغ الأمر حد محاولة اغتصابها، وعندما شرحت الأمر لوالديها تعرضت للضرب والتعذيب.

Thumbnail

لم تنكر الفتاة أنها فكرت أكثر من مرة في الانتحار للتخلص من ظلم أسرتها وتواصل مطاردات قريبها المتحرش لها، لكن بعد نشر قصتها تواصل معها مسؤولون من كل من مجلسي الطفولة والمرأة ومن منظمات حقوقية حيث قرر هؤلاء تبني قضيتها أمام المحاكم ما دفعها للتراجع عن أفكار الانتحار والثأر لنفسها ولكرامتها.

دفعت قضية مريم، وغيرها من الفتيات اللاتي لا يجدن الدعم الأسري بالتوازي مع بعض التعقيدات القضائية، إلى تعالي الأصوات المطالبة بتخصيص دوائر شرطية من ضابطات للتحقيق في وقائع التحرش كي تتحدث الفتاة بأريحية دون خجل أو تربص.

وبررت هذه الأصوات موقفها بوجود اتهامات لضباط شرطة رفضوا تحرير محاضر لفتيات تعرضن للتحرش بذريعة الخوف عليهن من الفضيحة وتشويه صورتهن. وبعض النساء كتبن شهاداتهن في هذا الشأن.

وأوضحت فاطمة حسن، استشارية العلاقات الأسرية، أن المشكلة تكمن في أن ثقافة التسامح مع المتهمين بالتحرش هي السائدة بين الكثير من الأسر، بذريعة الحفاظ على مستقبل الشاب، خاصة إذا كان طالبا أو رب عائلة وهو ما يتسبب في ضياع حق الضحية.

وأضافت حسن، لـ”العرب”، أن إعداد قانون لسرية بيانات ضحايا التحرش لا يكفي لتشجيع الفتيات وأسرهن على مقاضاة المتهمين حيث لا بد من إطلاق حملة توعية شاملة لكسر ثقافة الصمت على التحرش.

وأكدت حسن أن أغلب مدمني التحرش لديهم أزمة حقيقية في كيفية احترام الآخر جنسيا، وهؤلاء نتاج تربية أسرية خاطئة زرعت في عقولهم أن جسد أي امرأة حق مكتسب للرجل، والتسامح مع هذه العقليات بالصمت أو الخوف يشجع الآخرين على انتهاك الأعراض لغياب الردع.

ويشدد المختصون أنه أصبح لزاما على الأسر أن تقتنع بأن الفتاة المتحرَّش بها في نهاية الأمر ليست سوى ضحية وبالتالي لا يجوز تحميلها مسؤولية ما حدث أو حتى جزءا من المسؤولية لمجرد خروجها إلى الشارع أو الاختلاط بالذكور أو ارتداء ملابس بعينها، لأن التذرع بهذه الحجج الواهية يعني أن العائلات نفسها منحت للمتحرشين العذر لتكرار جريمتهم مستقبلا.

21