سر الانهيارات الأمنية في العراق

الخميس 2014/06/12

لم يألف العراقيون سقوط محافظة عراقية بكامل أقضيتها ونواحيها وقراها المتناثرة حتى في الاحتدام الطائفي الذي بلغ ذروته في سنتي 2006 و2007، إذ يبسط الإرهاب الأسود، أو بعض القوى المسلحة، نفوذه على مناطق محددة يتم استعادتها بعد بضع ساعات وتحريرها من الأسْر المؤقت الذي وقعت فيه. غير أن ما حدث في السنة الماضية، وما يحدث اليوم على وجه التحديد، هو أمر يدعو الباحثين والمختصين إلى دراسة هذه الانهيارات الأمنية الجديدة وتحليلها بغية الوصول إلى بعض الحلول المنطقية للكارثة التي تمر بها المحافظات العراقية ذات الغالبية السُنية على وجه التحديد مثل الأنبار وصلاح الدين ونينوى وكركوك وديالى وبغداد وبعض المناطق السُنية في محافظة بابل.

ليس من قبيل المصادفة أن تُستهدف هذه المحافظات آنفة الذكر من قِبل القاعدة سابقاً، وعناصر دولة العراق والشام الإسلامية (داعش)، هذا التنظيم المشكوك فيه والذي تحرِّكه أصابع خفية لا يُستبعد أن تكون وراءها إيران، وحكومة نوري المالكي تحديداً طالما تستهدف المناطق السُنية، وتسعى إلى إبادتهم أو تهجيرهم في أضعف الأحوال إلى كردستان العراق كمرحلة أولى، ثم إلى المنافي العربية والأوروبية كمرحلة ثانية. وهو ذات المشروع الذي يحدث في سوريا ويشرف بشار الأسد على تنفيذه، حيث تم تهجير ثلث الشعب السوري، وغالبيتهم من السُنة، إلى بلدان الجوار وبعض الدول الأوروبية المانحة لحق اللجوء.

يتساءل العراقيون كثيراً عن سبب هذه الانهيارات الأمنية المتتالية، والأسرار العميقة التي تكمن خلفها. فمن غير المعقول أن تسقط محافظة مثل الأنبار بأقضيتها ونواحيها الكثيرة التي تشكِّل مساحتها ثلث مساحة العراق بالضبط، من دون أن ترتعد لحكومة المالكي فريصة أو يهتز لها بدن.

وإذا كانت حجة المالكي والمحشورين في حلقته الضيقة أن الإرهاب يضرب أطنابه في الأنبار برمتها، فعليه أن يتذكر بأن أول مدينة طردت القاعدة من مضاربها هي الأنبار، هذه المدينة المترامية الأطراف. تُرى، ماذا يقول عن عشرات العلميات الانتحارية التي وقعت في بابل وذي قار والبصرة وغالبية مدن الفرات الأوسط والجنوب؟ ألا يسمي هذه العمليات إرهابا؟ وماذا يقول عن بغداد التي تتزامن فيها التفجيرات الإرهابية حتى تصل إلى خمسة أو ربما عشرة تفجيرات في الدقيقة الواحدة؟ هل من تسمية أخرى يقترحها دولة رئيس مجلس الوزراء العراقي الذي فشل في كل الملفات الموضوعة على طاولته منذ ثماني سنوات وحتى الآن، وعلى رأسها الملف الأمني الذي فشل في إدارته جملة وتفصيلا.

لنفترض أن داعش وبعض المجموعات المسلحة التي يعتبرها حواضن أساسية في هذه المدن السبع، بما فيها العاصمة بغداد، هي السبب الأول والأخير في هذه الانهيارات الأمنية الخطيرة التي يجب أن تستقيل بسببها الحكومة المركزية وكل القيادات العسكرية والأمنية التي فشلت في حماية البلد، وساهمت مساهمة كبيرة في إهدار دم الآلاف من المواطنين العراقيين الأبرياء الذين لقوا حتفهم في هذه الهجمات المتكررة أو تشردوا داخل حدود الوطن وخارجه.

إن من واجب رئيس مجلس الوزراء الذي يحتل منصب القائد العام للقوات المسلحة، وسعدون الدليمي، وزير الدفاع بالوكالة، أن يتحملا مسؤوليتهما التاريخية في الحفاظ على أرواح المواطنين العراقيين من كل القوميات والأديان والمذاهب، ولكنهما فشلا في القيام بهذه المهمة الوطنية والإنسانية النبيلة لأسباب كثيرة نذكر منها أن الجيش العراقي بتشكيلته الحالية غير المتوازنة التي بُنيت بنوايا طائفية واضحة للعيان لا يمتلك عقيدة وطنية يدافع من أجلها.

فقد زرع في غالبية هذا الجيش نزعة الانتقام من المكون السُني، ويمكن تلمّس هذا النزوع الانتقامي في الانهيار الذي حدث في مدينة سامراء قبل بضعة أيام حيث أعدمت قوات المالكي عدداً من أبناء المدينة الذين لا تربطهم أية صلة بالقاعدة أو داعش أو المجموعات المسلحة. وهذا ما حدث في بهرز وسليمان بيك وغيرها من المدن العراقية التي يستبيحها الإرهاب الأسود تارة، وقوات سوات وما يسمّى بعصائب الحق.

السبب الثاني الذي لا يقل خطورة عن سابقه هو انعدام المهنية في الجيش العراقي وعناصره الأمنية والاستخبارية. وقد لعبت عملية الدمج، سيئة الصيت، دوراً خطيراً في الانحدار بمستوى الجيش والشرطة والأمن والمخابرات العراقية إلى الحضيض. ومن غير المعقول أن تعداد القطعات العسكرية والأمنية الذي تجاوز المليون ونصف المليون عنصر لا يستطيعون جميعهم تقديم بضعة معلومات أمنية واستخباراتية تشير إلى هجوم داعش وبعض المجموعات المسلحة على الموصل، ثاني مدن العراق التي يبلغ تعدادها (1.700.000) مواطن.

أليس من واجب الفرقة العسكرية المكلّفة بحماية الموصل والقطعات المتجحفلة معها أن تقدم تقريرا يومياً يتضمن كل المعلومات الأمنية التي تنذر بوقوع هجوم على المدينة أو احتمال تعرضها لخرق أمني هنا أو هناك؟ أليس من واجب الدوائر الأمنية في كل نواحي الموصل وأقضيتها، بالإضافة إلى مركز المحافظة، أن تقدّم تقاريرها الأمنية اليومية التي تشير إلى تحرك هذه المجموعة المسلحة أو تلك للقيام بأعمال تخريبية؟

ما الذي تفعله قطعات حرس الحدود، ولماذا لا تمنع تسلل العصابات الإرهابية إلى مدينة الموصل وبقية المدن العراقية؟ ألا تنفق الحكومة العراقية مليارات الدولارات على الجيش والشرطة والأمن والاستخبارات بهدف تحقيق الأمن للمواطن العراقي، وحماية الوطن قبل كل شيء؟ لماذا لا يُحاسب هؤلاء على تقصيرهم في أداء واجباتهم الوطنية؟ ولماذا لا يُقال هذا القائد أو ذاك من المقصّرين الذين يفشلون في حماية أرواح العراقيين منذ التغيير وحتى الآن؟

لقد سقط الجزء الأكبر من مدينة الموصل بما فيها مبنى المحافظة ومديرية الشرطة والمطار والقنوات الفضائية المحلية، ولم يبقَ بين الداعشييّن ومعسكر الغزلاني سوى بضعة كيلومترات كي يطلقوا سراح أخطر النزلاء في سجن الغزلاني الذي سيزيد الطين بلّة ويرسّخ في أذهان المجرمين العتاة إمكانية تحرير أي واحد منهم إذا ما قُبض عليه في قادم الأيام. كما أنهم سيعودون لممارسة إرهابهم الأسود ثانية طالما أن حكومة المالكي لا تأبه لهروب أكثر 1500 سجين من سجناء القاعدة في بغداد.

خلاصة القول إن غياب العقيدة الوطنية عن المؤسسات العسكرية والأمنية هو الذي رجح النزوع الطائفي الذي رسّخه المالكي خلال السنوات الثماني الماضية. كما ساهمت عمليات دمج العناصر غير الكُفأة التي احتلت مناصب لا تستحقها أبداً، وها نحن ندفع الثمن غالياً، فلا غرابة أن تسقط الموصل برمتها بينما يتفرج المالكي من منطقته الخضراء على الشتات الذي يعيشه الموصليون هذه المرة.

لقد انقشع الضباب وباتت جريمة تهجير السُنة واضحة للجميع، لكن العراقيين لن يتركوا لمخالب الدكتاتور المستبد أن تنهش لحوم الأبرياء وأجسادهم الطاهرة فقد وصل السكين، ولم يبقَ في القوس منزع.


كاتب عراقي

8