سر الليل

السبت 2017/08/26

وها نحن قد بلغنا من اليأس عتيا، فصارت البلاد البعيدة مثل حرز نابت بحقيبة سفر. من لم يمت بالسكتة الدماغية سيموت بجلطة الحنين، وما عليك أيها الدرويش البائس سوى أن تفرش مائدتك بالذكريات المعتقة، وتلعب لعبة الحنين التي تسميها الأفرنجة “نوستالجيا”.

في هذا الباب الممتع ولكي تبلغ اللذة ذروتها العظمى، فليس شرطا أن تستعيد يوما رائعا كنت عليه قبل أن يغلق دفتر الطفولة بابه الأول. ستكون كل الأشياء متشابهة وتجلب السعادة والشجن. خذ مثلا منظر موت الأب قبل أربعين سنة.

سيختلط عندك عياط الأُم بأذان الفجر بحنجرة سيد يوسف، وزرع التابوت على ظهر سيارة كبيرة، ستستعمل تاليا بزفة عرس ابن الجيران. عصا المعلم في الشتاء أقسى من عصاه في الصيف، لكنني أراهن أنك لو تذكرتها الآن، فلن تذرف دمعة ولن تشعر بذرة وجع، بل ستبتسم وتسحب سبعين حسرة وتقول يا ليل يا شقيقي خذني اللحظة إلى مدرستي القديمة.

في باب المدرسة ثمة أكلة سخيفة قد تتقاسمها مع زفة ذباب لا يستحي، وأقسم بالله الجميل أنني لو عدت بقدرة قادر وانشتلتُ أمام عربة عبدالله أبوالعمبة، لما بذلت أي جهد لحذف مشهد الذباب المحتفي بصينية الفلافل ومسلوق البيض وخشم طالب عبدعلوان. طيب أحبتي اتركوا كل الهراء الذي مر عليكم في سطوري الفائتة واذهبوا بسرعة إلى نومة السطح أيام زمان.

مجموعة من الفرش المصفوفة ووسائد الريش التي ستتحول إلى سلاح أبيض يتقاذفه الأطفال، قبل أن يصل الأب الرائع حاملا صينية الرقّي والبطيخ، تتبعه الأم الرحيمة وهي تحمل فخارية الماء الزلال. سيبدأ الأب بحكاية عن الحلال والحرام في الوقت الذي تكون فيه الأم منشغلة بتركيب ناموسية السرير التي يسميها أهل العراق “كلّة” وقبل انطباق الجفن فوق الجفن، سيكون الجميع قد انتهى من حساب عدد نجمات الدب الأصغر والدب الأكبر حتى درب التبّانة.

الآن انس معمعة السطح وسعال الوالد وأم كلثوم الأخ الكبير، واذهب إلى دور السينما أيام العيد السعيد.

تذكر سعر بطاقة الدخول ولون قميصك وماركة قندرتك، ولحظة انطفاء ضوء الصالة العملاقة، ومسدسات العصابة بباب بنك القرية وقبعات جارلس برونسن وايستوود، والحركات الرقيعة التي يصنعها طرزان والقردة، ثم افتح مخيلتك على شاشة الهند ودندن خلف شامي كابور أغنية أجاجا الله الله.

أقسم للمرة المئة إن الذكريات القديمة كلها رائعة ومبهجة، بما فيها تلك الليلة الظلماء الماطرة الباردة، وكنت فيها جنديا متسمرا بباب خيمة نيام، منصتا لرئيس عرفاء الوحدة وهو يصيح بك، ها يا كلب كيف تنسى سرّ الليل؟

24