سر تصفية "الختيار" يعمق الأزمة الفلسطينية

الاثنين 2013/11/11
حقيقة وفاة عرفات طال انتظارها

القاهرة- تحل اليوم الذكرى السنوية التاسعة لرحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي حملت وفاته الغامضة العديد من السيناريوهات والاستنتاجات حول طريقة اغتياله ومنفذها الفعلي، حقيقة لطالما انتظرها الشعب الفلسطيني منذ تسع سنوات.

عاد ملف وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ليتصدر أولويات الاهتمام على الصعيد السياسي الفلسطيني والدولي، بعد أن تسلمت لجنة التحقيق الفلسطينية التي شكلت للبحث في هذه القضية، تقارير أعدها فريق من الخبراء الروس والسويسريين الذين أكدوا وجود مادتي البولونيوم 210 والرصاص المشع بكميات كبيرة برفات عرفات ما يؤكد تعرضه للتسمم الذي أدى إلى وفاته.

أسباب الوفاة بدأت تتوضح بعد أن أجمع الخبراء الروس والسويسريون، على أن «الوفاة ليست طبيعية بل نتيجة المادة السمية، وهذا يتوافق ويعزز ما كان توصل إليه خبراء اللجنة الطبية الفلسطينية بأن وفاة عرفات ليست نتيجة مرض طبيعي بل كانت نتيجة مادة سمية ولم يتم اكتشافها خلال مرضه». الجريمة إذن كانت واضحة، وأداة الجريمة كانت معروفة، تبعا لطبيعة الحالة المرضية التي أصابت الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، حيث أظهر المختبر السويسري أن رفات عرفات تحتوي على كمية عالية من البولونيوم المشع.


التقارير الطبية


وجاء في تقرير الخبراء في المختبر السويسري الذي يحوي على 108 صفحة، أن الموت بواسطة البولونيوم يتطلب أن يؤخذ العنصر القاتل في الجسم، وبعبارة أخرى لابد أن يضع شخص ما هذه المادة السامة في طعام عرفات أو حقنه في جسده، وهذا يعني أن الأفراد المشكوك فيهم يمكن أن يكونوا مسؤولين، وبعضهم اجتمع مع عرفات في آخر أيامه في رام الله، وهذه الحقيقة قد تؤلم الشعب الفلسطيني أكثر من أي شيء آخر.

وكان عرفات قد قضى أيامه الأخيرة في مقر السلطة الفلسطينية قبل نقله بواسطة طائرة مروحية تابعة للجيش الأردني إلى عمان في أكتوبر، حيث سمحت «تل أبيب» وبعد وساطات دولية بسفر عرفات للعلاج في أحد المشافي العسكرية الفرنسية؛ إلا أنه فارق الحياة، ووضع ملفه في الأدراج بداعي السرية، ليعود في تابوت ويتم توديعه لآخر مرة من قبل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، يوم 11 نوفمبر 2004 في سن الـ 75، بعد شهر واحد فقط من نقله إلى فرنسا، وفي ذلك الوقت قال الأطباء الفرنسيون، إنه مات جراء سكتة دماغية وكان يعاني من مشكلة تخثر في الدم. حتى أعيد فتحه بطلب من أرملته سهى عرفات التي مهدت الطريق قبل ما يزيد على العام أمام إجراء تحقيق خاص بعد الحصول على عينات من رفاته، وقد جاءت النتائج الطبية وفقا للمؤشرات والتوقعات، حيث أثبت معهد «لوزان» في سويسرا أن عرفات مات مسموما بمادة «البولونيوم المشع».

ولم يمنع ذلك طبعا، من اتهام إسرائيل بتحمل النصيب الأوفر من دورها في تصفية عرفات، بعد تصريحات سابقة أطلقها مسؤولون في الحكومة الإسرائيلية توعدوا فيها عرفات صراحة بالتصفية الجسدية، اتهامات جددها مسؤولون في السلطة الفلسطينية تعهدوا بملاحقة المتورطين أمام القضاء الدولي، والذي قوبل بنفي إسرائيلي لكل تلك المعطيات والتهم.

إن سبب عدم تفاجؤ قطاع عريض من الشعب الفلسطيني بتقرير المختبر السويسري، يرجع إلى نقل وإشاعة أخبار إعلامية على نطاق واسع حول قضية عرفات، وكان معظم الفلسطينيين لديهم قناعة واستنتاج بأن زعيمهم الذي كان قد تحصن في مقر عمله وتحيط به الدبابات الإسرائيلية لم يمت طبيعيا، وقد أكد كبار المسؤولين بمنظمة التحرير الفلسطينية مثل نبيل شعث، مرارا أن مؤسس القومية الفلسطينية في العصر الحديث قد اغتيل من قبل تسمم من نوع ما، لكن كيفية الموت المفاجئ والغامض مازالت مبهمة وغير واضحة.


تحقيق دولي


وحول إمكانية فتح تحقيق دولي أكد عدنان أبو عامر المحلل الفلسطيني، أن التحقيق في وفاة عرفات لا يزال ملفا مفتوحا كون القضية لغزا محيرا أمام العرب وخاصة الفلسطينيين، ولابد من متابعة إجراء تحقيق دولي، على غرار التحقيق الجاري في قضية اغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني السابق، ومع ذلك لم تتخذ منظمة التحرير الفلسطينية الإجراءات الرسمية في هذا الاتجاه حاليا، وتابع بينما كانت أخبار نتائج المختبر قد تصدرت عناوين الصحف حول العالم ومعظم الفلسطينيين ظلوا في منازلهم لمتابعة القصة بهدوء، إلا أنهم في داخل أعماق أنفسهم لديهم شعور بأن إسرائيل مسؤولة عن وفاة عرفات، وأن هذا الشعور لا يزال الأكثر مصداقية من جميع النظريات المتناثرة، موضحا أن إسرائيل التي ليست لديها مشكلة في إظهار دورها في اغتيال كبار قادة منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت وتونس والعواصم الأوروبية على مر السنين، إلا أنها تنفي كثيرا وعلى الدوام أي دور في قضية اغتيال عرفات، ومع ذلك رحب عدد من مسؤولي تل أبيب قبل وفاته وخلال سنوات الانتفاضة الثانية مثل إيهود أولمرت نائب رئيس الوزراء، وأرئيل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي باختفاء زعيم منظمة التحرير الفلسطينية.

ويقول مراقبون إن المحاولات الجدية لاغتيال أبو عمار بدأت فعليا منذ أن أعادت إسرائيل احتلال الضفة الغربية بعد أن أصبح شارون رئيسا للوزراء عام 2000 وتلك المحاولات بدأت من خلال القصف المباشر من الدبابات والطائرات لمقره في المقاطعة في رام الله.


شارون- موفاز


وقبل شهر ونصف من وفاته، أعطى شارون الضوء الأخضر لجرافات جيش الدفاع بإزالة مبنى المجمع الحكومي لاغتيال عرفات، وكان الرئيس الأميركي السابق جورج بوش قد حذر من خطورة الإقدام على هذه الخطوة، التي من شأنها أن تزيد من الانتفاضات الدامية ضد الجيش الإسرائيلي، ولذلك تراجع شارون عن موقفه واختار سجن عرفات في المجمع الحكومي في مدينة رام الله قدر الإمكان.

عرفات في رحلته الأخيرة إلى فرنسا للعلاج

وكان المستشار الخاص لعرفات بسام أبو شريف قد كشف في وقت سابق تورط إسرائيل في اغتيال عرفات من خلال معلومات أكيدة وصلت له من بعض المقربين تقول إن شارون طرح وعده للرئيس بوش بعدم المساس بعرفات جسديا على الحكومة المصغرة التي تسمى « المطبخ الإسرائيلي» وأنه عندما خرج من هذا الاجتماع كان يسير إلى جانبه موفاز.

وقال شارون لموفاز آنذاك «لقد ضيعنا فرصة ثمينة، للمرة الثانية بنجاة عرفات من قبضتنا» إلا أن الأخير أجابه «الفرصة لم تضع بعد ومازال لدينا إمكانية، فأنت أعطيت وعدا لبوش بأن إسرائيل لن تكون لها علاقة بقتل عرفات…عرفات سينتهي ولن يستطيع أن يتهم أحد إسرائيل»، فرد عليه شارون «افعل ولا علاقة لإسرائيل».

وأكد أبو شريف أن هذا الحديث نقل له حرفيا، كما نقل له ندم شارون على إعطائه وعدا لبوش بالتوقف عن ملاحقة عرفات. مشيرا إلى أن إسرائيل كانت معنية جدا بالتخلص من أبو عمار لأنه كان يشكل بالنسبة لهم عقبة في وجه مخططهم الذي لا يريد أن تقام دولة فلسطينية ذات سيادة، بل يريد دولة هيكلا تكون شرطيا ينوب عن الإسرائيليين المحتلين في حكم الفلسطينيين لهم نيابة عنهم.

وتابع «أصبحت متأكدا من أن اغتيال أبو عمار سيتم من خلال إدخال السم في جسده من خلال يد لا يعتبرها أبو عمار من الطرف الآخر. ما دفعني إلى تحذيره أكثر من مرة ووجهت له رسالة مكتوبة وتحدثت معه بأنني على يقين أن هناك قرارات، وستبدأ المحاولات باغتياله. ورجحت له أن يكون اغتياله من خلال السم حتى لا يستطيع أحد أن يشير بأصابع الاتهام إلى إسرائيل».

و خلال فترة احتجاز عرفات من قوات الجيش الإسرائيلي التقاه وقتها، وكان مريضا ومتعبا، ذابل الجسم، خاصة وأن أيام الحصار على رام الله قد تركت بصماتها على المدينة وعلى وجه الرئيس الراحل، وبعد شهر ونصف وتحديدا في 29 أكتوبر 2004، تم نقل الرجل جوا إلى مستشفى بيرسي العسكري في فرنسا، حيث توفى بعد فترة قصيرة ومنذ ذلك الحين ظلت قضية مرضه وموته سرا، مؤكدا أنه تم تصنيف الملف الطبي لعرفات على أنه «سري للغاية»، وسمح فقط لأبو مازن الرئيس الفلسطيني، وزوجة عرفات «سهى»، وعدد قليل جدا من الآخرين في السلطة الفلسطينية لقراءته، وتعهدوا بالحفاظ على محتوياته لأنفسهم، لكن الشائعات انتشرت، لافتا إلى أن عرفات قتل بسم الثاليوم وليس البولونيوم كما زعم المختبر السويسري.


إشاعات مختلفة


وهناك روايات عديدة تدور حول أسباب المرض المفاجئ للرئيس الراحل منها كترويج إصابة عرفات بالإيدز وخلال الأسابيع الأخيرة من حياته في باريس عثر الأطباء على فيروس الإيدز في دم عرفات، حيث تم إدخال الفيروس إلى دم الراحل لإخفاء علامات التسمم الذي كان السبب الحقيقي لموت عرفات، بالإضافة إلى أن قناة الجزيرة قامت بتحقيق وثائقي عن وفاة الرجل، وادعى التقرير أنه تم العثور على مادة البولونيوم المشعة في ملابسه الشخصية وقبعته الشهيرة وفرشاة الأسنان، وهو ما يثبت على ما يبدو أن باحثي سويسرا لم يعملوا بجد لكشف المزيد من التفاصيل الراكدة.

ورغم أن إسرائيل راوغت كثيرا حول أسباب رحيل عرفات إلا أن ذلك لم يستطع إبعاد الشبهات التي ما فتئت تتزايد حول مسؤوليتها في اغتيال ياسر عرفات، ولم ينف أو يؤكد شاؤول موفاز وزير الدفاع في حكومة شارون، تورط تل أبيب في وفاة عرفات بطريقة غير طبيعية، فيما قال أهارون زئيفي رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق أن عرفات توفى نتيجة مرض قاتل دون إضافة أي تفاصيل أخرى، لافتا إلى أنه ما يقرب من تسع سنوات وحتى الآن مازال الجدل دائرا حول وفاة عرفات.

بالإضافة إلى ذلك عمدت إسرائيل إلى محاولات للتشويش على مسار القضية من خلال إطلاقها الكثير من الشائعات والأساطير والإصدارات المختلفة المتناقضة، كاتهام أرملة عرفات بتسميمه خاصة وأنها هي الشخص الوحيد الذي أعطى ممتلكاته لقناة الجزيرة، إلا أن نفس الاستنتاجات قد تكررت مؤخرا دون أي تفاصيل جديدة.

في هذه الجزئية أكد محمد أبو غدير رئيس قسم الدراسات الإسرائيلية بجامعة الأزهر أن نتائج علماء سويسرا تدور حولها الشبهات، وأنها تعاملت بنوع من الاستنتاجات السياسية، لافتا إلى أنه بالرغم من نبش قبر جثمان عرفات بناء على تعليمات من أبو مازن يوم 27 نوفمبر 2012، في محاولة جديدة لتقديم إجابة أكثر دقة على الشبهات التي تدور حول وفاة الرئيس السابق، وتم فحص وتحليل عينات من جسده، لم تفد كثيرا ومن الواضح أن إمكانية ظهور نتائج جديدة بات أمرا مستحيلا، وهناك دوافع وأسباب سياسية، وربما تكشف زوجة عرفات عن الكثير من الضغوط وتوضح الملابسات في الذكرى التاسعة لوفاته.


إسرائيل المتهم الأول


وعن تأثير تقارير الخبراء السويسريين حول ظروف وفاة عرفات، التي تؤكد وجود مادة البولونيوم المشعة السامة في رفاته، رأى اللواء توفيق الطيراوي رئيس اللجنة الوطنية للتحقيق في ظروف وفاة عرفات، أن علماء سويسرا وجدوا صعوبة في إثبات نتائج جديدة في واقعة تسمم عرفات، ورغم أن الغرب تحدث عن وفاة الرئيس الفلسطيني السابق بفيروس نقص المناعة البشرية، وهي الكلمة التي يكررها الجميع مرارا وتكرارا لتشويه سمعته، لكن النتائج تدعم احتمال أن عرفات مات مسموما، وهناك أدلة لا تقبل الجدل أو الالتفاف حولها.

واعتبرأن الباحثين السويسريين لم ينتظروا كثيرا للخروج باستنتاجات نهائية، بالشكل الذي يظهر نتائج التقرير بصورة أكثر جدية ومهنية، موضحا أن إسرائيل تبقى أول مشتبه به في وفاة ياسر عرفات الغامضة، وليس من المهم أنه قتل بواسطة كميات كبيرة من النظائر المشعة في رفاته، ولكن على المجتمع الدولي أن يكون منصفا وعادلا حول كيفية موت الرجل، وكشف المتورطين في الجريمة، وإذا كانت أصابع الاتهامات تشير إلى إسرائيل كونها طرفا أساسيا وفاعلا في اغتيال الرئيس الراحل، فإنه لابد من توجيه الاتهامات أيضا بحق أكثر من 270 فلسطينيا تحصنوا في المجمع الرئاسي المحاصر في رام الله، حيث سجن عرفات لمدة سنتين ونصف السنة.

7