"سر درسدن" معرض تشكيلي يمسح أحزان مدينة الحروب

الأربعاء 2015/03/04
المعرض يعيد قراءة الجمال الذي غاب عن درسدن لسنوات

كثيرون يتذكرون درسدن في سياق الحرب العالمية الثانية وآلامها، لكن تاريخ المدينة الغني يمكنه أن يعيد الذاكرة الجماعية إلى فترات أكثر جمالا وانفتاحا على إبداع الآخر.

عرفت مدينة درسدن الألمانية فترة مزدهرة، إبّان حكم الملكين أغسطس الثاني والثالث الساكسونيين، اللذين عملا على جمع لوحات فنية شكلت مجموعة شديدة التميز، أذهلت الشاعر الألماني غوته، وألهمت من يعتبره البعض مؤسسا لتاريخ الفن يوهان يواخيم فينكلمان.

درسدن مجاورة لنهر الألب، أصبحت في عهد أغسطس الثالث فلورنسا جديدة تستقطب الفنانين، ليرسموا من أجل القصر أو تشترى أعمالهم لتنضمّ إلى ثروات المدينة، فيضاف إلى رفاهيتها الإشعاع الثقافي والفني.

يشاهد المتابع للشأن التشكيلي العالمي، من بين لوحات المجموعة المعروضة حاليا تحت شعار “سرّ درسدن”، وإلى حدود 25 مايو 2015، بمعرض دو خرونينغر (بمدينة خرونينغن الهولندية)، أنماطا وتدرجات متعددة في رحلة الفن، لا تأخذ المشاهد إليها فحسب، بل تجعله يفهم الشاعر غوته تماما، وهو يقول أن إعجابه باللوحات كان يفوق أيّ تصوّر لمستوى شدّة الإعجاب عنده.

من الأعمال المعروضة في المعرض، ما أبدعته ريشة فنانين إيطاليين أقاموا في درسدن كبرناردو بيلوطو، الذي رسم مشاهد من المدينة أبرز فيها العمران بدقة وإتقان شديدين مركزا على الضوء في فضاء لوحاته.

ومنها أخرى لعمالقة إيطاليين من زمن سبق تيتيان الذي تقف ”امرأته التي تلبس الأبيض” مندهشة تنظر إلى من يمرّ قربها. لا تقول شيئا، لكن تاريخها يتحدّث بأنها تعود على الأرجح إلى عام 1561، حيث اقتناها أغسطس الثالث عام 1756، ويقال أنها تمثل ”لافينيا” ابنة تيتيان التي توفيت يافعة.

كذلك تضمّ المجموعة سلسلة بورتريهات، تجمع وجوها متعدّدة لنساء ورجال بأعمار مختلفة من إبداع فنانين ذوي تقنيات وقدرات فنية متفاوتة، من بينهم المذهل رمبرانت فان راين ودييغو فيلاسكيز.

وتغتني المجموعة أيضا بلوحات مثيرة بدراميتها مثل لوحة “تعذيب القديس لاورانتيوس” لخوسي ريبيرا، وخطف زيوس متمثلا في صقر لغانيمادس لرمبرانت فان راين ودافيد، ورأس جالوت لليونيلو سبادا.

تحضر لوحات الطبيعة الميتة، منتهى الحياة والجمال فارضة قوة الإتقان والإبداع فيها، موقعة بأسماء أبراهام مينيون وإرنست ستوفن ودانييل سيخرس وغيرهم.

والمجموعة ككل تشهد بأن درسدن التي عرفت حرب السنوات السبع في القرن الثامن عشر والحرب العالمية الثانية، تطل بميراثها وكأنها لم تكن يوما مثل اليسوع ذي التاج الشوكي، لغيدو ريني تتطلع متعبة إلى السماء، وكأنّها كانت دوما راضية مرتاحة بكنز الإبداع الإنساني الذي جمعته، وفي هذا أمل لمدن كثيرة تحزن اليوم بشرف، ولا يجب أن تيأس من قدوم غد يمسح الحزن عنها، ويقرأ الجمال فيها.

16