سطوة الأساطير والمرويات الإسرائيلية على الكتاب الغربيين

السبت 2014/12/27
بورخيس يخضع لتأثيرات التوراة دون أية محاولة للتأمل في ما يغفله من حقائق

ما يدعو للاستغراب والدهشة، هذه السطوة التي تمارسها الأساطير التوراتية والمرويات التاريخية الإسرائيلية على وعي شخصيات غربية وأميركية لاتينية مشهورة، مثل القاص والشاعر خورخي لويس بورخيس، أو السينمائي والكاتب والرحالة البلجيكي جاك كاليبو، الذي يبدأ التاريخ عنده من سفر التكوين وسردياته حول تاريخ الشعب اليهودي، ترى هذه الشخصيات في هذا الشعب شعبا استثنائيا، وفي تاريخه ملحمة بطولية.

لا يكتفي هذا الوعي المستلب بالتعارض مع السياق العام لحالة العداء التي وسمت علاقة المسيحية الغربية مع اليهودية تاريخيا، بل هو يغالي في تمجيده وارتهانه للمرويات التاريخية التي تقدّمها التوراة باعتبارها حقائق تاريخية يحاول أصحابها قراءة تاريخ الشرق القديم في ضوئها، على الرغم من غياب الدليل التاريخي الذي تقدّمه الحفريات في المناطق التي تتحدّث التوراة عنها، وفي مقدمتها أرض فلسطين.

في هذا السياق يجدر بنا التوقف عند كتابين أحدهما للمخرج السينمائي والكاتب جاك كاليبو، يحمل عنوان “مذاهب وملل وأساطير في الشرقين الأدنى والأوسط”، وثانيهما ديوان شعر لخورخي بورخيس أسماه “مديح الظل”. يتقاطع هذان الكتابان رغم اختلاف لغتهما في الارتهان إلى تلك المرويات والفتنة بها وتمجيد شعبها، وهو ما يتعارض مع عنوان الكتاب الأول الذي يدل على التداخل القائم بين الأسطورة ومعتقدات المذاهب والملل، التي يحاول اقتفاء أثرها والتعرف إلى معتقداتها وطقوسها في أماكن توزعها المختلفة في هذا الشرق الغريب. لذلك فإن الكاتب ما إن يقف على أرض الرافدين ويتطلع نحو آثار بابل حتى يستحضر تاريخ الشعب اليهودي وهجرته غير المفهومة من هناك، دون أن يرى ما يذكره بشيء آخر من تاريخ الشعوب التي أقامت حضارتها على هذه الأرض.

كاليبو كاتب أصابه وهم الأساطير بالعمى


التاريخ المزور


هذا الانحياز الواضح للتاريخ اليهودي كما ترويه التوراة يعلنه الكاتب منذ الكلمات الأولى للمقدمة التي وضعها لكتابه، وكأنها فاتحة الأشياء التي يبدأ معها كل شيء.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل كان البحث عن يهوه يحتاج إلى هذه الرحلة الطويلة، والمشاق الجسيمة التي عانى منها، لكي يصل إلى هذه المعرفة التي يعتبرها المقدمة التي قادته إلى اكتشاف الإله؟ إن الجواب تقدمه وقائع التاريخ القديم لحضارات وشعوب المنطقة، التي عرفت التوحيد كمصر الفرعونية عندما لجأت إلى توحيد إلهي الشمال والجنوب، الأمر الذي يجعل هذه المعرفة المجتزأة للتاريخ تقيم قطيعتها مع السياق العام لتاريخ حضارات شعوب المنطقة. لهذا يقوم الكاتب بالتلاعب في العلاقة بين التاريخ والأسطورة عندما يرى فيها بداية للتاريخ الذي حرر التاريخ من سطوة الأسطورة.

يقوم الكاتب والرحالة بليّ عنق التاريخ لكي يؤكد صحة مقولته حول الدور الذي لعبته التوراة والتلمود على صعيد التأريخ وتحريره من تأثير الأسطورة عليه. وللتأكيد على مصداقية هذا التاريخ يتخذ من المكتشفات الأثرية في مملكة ماري كما جرت ترجمتها، دليلا من بعض علماء اللغات القديمة على صحة الوقائع التاريخية التي تقدمها التوراة، في حين قام علماء آخرون بدحض تلك الترجمات وما تضمنته من تحريفات للقول بصحة ما تتحدث عنه التوراة من وقائع كما يفعل كاليبو تماما.

قارئ هذا الكتاب لا يجد تفسيرا منطقيا لمحاولة الكاتب افتتاح الكتاب بالحديث عن تاريخ اليهود كما ترويه أسفار التوراة، إذ يأتي هذا التمهيد نافرا ومن خارج السياق إلا إذا أراد الكاتب التأكيد على أن التاريخ الحقيقي للشرقين الأدنى والأوسط، كما يسميهما، قد بدأ مع هجرة إبراهيم الخليل من أور، وهو ما يتعارض مع محتوى الكتاب الذي يبحث في المذاهب والملل التي لا تزال تحافظ على وجودها الخاص والمعزول، في بعض الأحيان، في هذه المنطقة كالإيزيديين والنساطرة والموارنة والدروز والسامريين اليهود والمتصوفة الإسلاميين والشيعة.

بينما كان يجدر بالكاتب أن يقيم دراسة مقارنة بين الأدب والمعتقدات والطقوس اليهودية وأدب ومعتقدات وطقوس الشعوب التي عاشت بين ظهرانيها، بغية معرفة عملية التزوير والانتحال التي قام بها اليهود لثقافات تلك الحضارات والشعوب وليس العكس، كما يحاول أن يؤكده بناء على مكتشفات مدينة نوزي الأشورية.

يتضمن ديوان مديح الظل لبورخيس (ترجمة محمد أبوالعطا) قصيدتين خصصهما الشاعر لتمجيد إسرائيل وتاريخها، كما يرويه العهد القديم، الذي يجعل منه أبا الزمن والمخلص للدم والذاكرة البشرية من الضياع، وكذلك احتضار المصلوب الذي يشير فيه إلى قصة صلب المسيح.

بورخيس ينحاز بشكل أعمى إلى جانب العدوان


تمجيد إسرائيل


هذا الكتاب هو المرجع والأساس الذي يفسر كل شيء. تحمل القصيدة الأولى عنوان إلى إسرائيل، ما يعني أن بورخيس يهديها إلى إسرائيل التي يجدها تشكل روافد دمه الموغلة في القدم، بحيث يوحد بين دمه ودم إسرائيل، ويختصر الزمن في ما يقوله كتابها المقدس: “من سيخبرني؟ هل أنت يا إسرائيل/ في تيه روافد دمي الموغلة في القدم؟/ من سيخبرني بالأماكن التي/ جابها دمي ودمك؟”.

ثم يختمها بالقول: “سلاما إسرائيل/ تحفظين الله في أجيج معركتك/”. فعن أيّة معركة يتحدث بورخيس، هل هي معركتها ضد شعب فلسطين وضد التاريخ، كما تحاول الأيديولوجيا الصهيونية أن تستخدم القتل واغتصاب الأرض وسيلة لتحقيق ذلك؟

يتبدّى الرجل اليهودي عند بورخيس بوصفه الرجل الخالد، الذي انتصر على محاولات إفنائه والقضاء عليه، لأن وجه الربّ كما يرى “يحدس على سطح زجاجه المعقد والعسير”، أي أن حضور الله فيه معه، هو الذي يحميه من الضياع والموت رغم كل ما تعرض له من محاولات إبادة، دون أن يسأل عن الجانب الآخر من الحكاية والتي تفسر هذه المحاولات التي جعلت هذا الرجل عرضة للقتل والاعتداء. إن الانحياز الأعمى لخطاب الرجل اليهودي والسحر الذي يمارسه الكتاب المقدس “العهد القديم” عليه، يجعله مأخوذا بتلك السرديات وبالتالي عاجزا عن التأمل فيما يسكت عنه هذا التاريخ، وما يقوم به من تزوير تجعل شاعرا كبيرا مثل بورخيس يخضع لتأثيراته دون أية محاولة للتأمل في ما يغفله ويسكت عنه من حقائق. يقول بورخيس مستخدما هذا الحشد من الصور والاستدعاءات التي يقوم بها من التاريخ: “رجل هو الكتاب/ فم يسبح من الجحيم بعدالة السماء/ نائب أو طبيب أسنان كلم الله فوق جبل/ رجل حكم عليه أن يكون السبة، الرجس، اليهودي/ رجل رجم بالحجارة وأضرمت فيه النار وخنق في الأفران المميتة/ رجل يصرّ أن يكون خالدا/ وعاد الآن إلى معركته/”.

وإذا ما عرفنا أن القصيدتين كتبتا عام 1969 أي بعد عامين تقريبا على انتصار إسرائيل في حرب يونيو 1967 أدركنا المعنى المقصود بهذا الانتصار الذي يتحدث عنه بورخيس، وبالتالي عرفنا مدى الانحياز الأعمى إلى جانب العدوان الذي تمارسه إسرائيل باعتبارها انتصارا لفكرة الشعب المختار، وللرجل اليهودي الذي يصفه بكل الصفات الاستثنائية الخاصة، التي تستذكر ما تعرضه له من ويلات دون أن تستذكر ما ارتكبته من فظائع وجرائم بحق شعب، كل ذنبه أنه يرفض الاقتلاع من وطنه وتاريخه لكي تصبح الأسطورة حقيقة وتاريخا حقيقيا، كما يظهر ذلك جليا عند كاليبو وبورخيس المسكونين بأوهام الأساطير.

17