سطوة الجيش تعطل حلول الأزمة الجزائرية

موجة إقالات جديدة في المؤسسة العسكرية تطال قادة النواحي العسكرية ونوابهم واستخلافهم بضباط جدد.
الأربعاء 2019/07/24
رفض شعبي لتحكم الجيش

الجزائر - أمام مضي المؤسسة العسكرية الجزائرية قدما في تنفيذ مقاربتها الدستورية للخروج من الأزمة السياسية، عبر فتح حوار سياسي يفضي إلى تنظيم انتخابات رئاسية قريبا، تبقى الجبهة المقابلة مصممة على إيجاد بدائل أخرى تتواءم مع طموحات الحراك الشعبي، وتقلص من نفوذ العسكر في المشهد الجديد.

وقدم الوزير والدبلوماسي السابق أحمد طالب الإبراهيمي، عدة شروط من أجل تلبية دعوة إدارة الحوار السياسي ضمن الـ13 شخصية وطنية التي اقترحها منتدى التغيير المدني، واضعا مسألة اتخاذ تدابير التهدئة والطمأنة، ممرين حاسمين لإنجاح أي حوار، في إشارة إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وفتح العمل السياسي والإعلامي.

وتقاسمت العديد من الشخصيات المقترحة لإدارة الحوار الأفكار التي طرحها الثلاثاء الإبراهيمي، وهو ما يشكل حرجا للسلطة، بعدما عبر في وقت سابق رئيس الدولة المؤقت والممدد له عبدالقادر بن صالح، عن تفاؤله واستعداده للانخراط في المسعى الذي فتحه منتدى التغيير المدني.

ويتواجد عشرات الموقوفين وعلى رأسهم ضابط جيش التحرير الرائد لخضر بورقعة، في سجون السلطة منذ عدة أسابيع، على خلفية تهم تتصل بالمشاركة في الحراك الشعبي وانتقاد المؤسسة العسكرية، وعلى رأسها قائد الأركان الجنرال أحمد قايد صالح.

ولا تزال ما يعرف بسلطة الأمر الواقع (الحكومة + الرئاسة) مدعومة من طرف الجيش، مصممة على المقاربة القائلة بحل الأزمة في إطار الدستور، ورفض أي مسعى للذهاب إلى مرحلة انتقالية، رغم الفراغ المؤسساتي الذي تعيشه البلاد، ولاسيما منذ نهاية المهلة القانونية للرئيس المؤقت من أجل تنظيم انتخابات رئاسية في التاسع من يوليو الجاري.

ويرى معارضون لنهج المؤسسة العسكرية، أن تمسك الجيش بالدستور، هو تجاوز للدستور في حد ذاته، قياسا بتجاوز الأزمة للدستور نفسه، وبالفراغ المؤسساتي الحاصل، وبالخرق المتكرر لبنوده من طرف السلطة نفسها، خاصة في ما يتصل بالقرارات المنسوبة لعبدالقادر بن صالح، والمتعلقة بالتعيينات والإعفاءات في مناصب ومسؤوليات الدولة.

وكان العدد الأخير من الجريدة الرسمية للبلاد، قد كشف عن تنحيات جديدة في المؤسسة العسكرية، حيث أحيل عدد من الجنرالات على التقاعد، ويتعلق الأمر بقادة النواحي العسكرية ونوابهم، واستخلافهم بضباط جدد.

وتندرج العملية في سياق يحف به الغموض، في ظل الحديث عن عملية تطهير واسعة داخل الجيش من طرف قيادة الأركان، للتخلص من الضباط والعناصر المشكوك في ولائها للقيادة وعلى رأسها الجنرال قايد صالح.

وبدأت العملية في الخامس من يوليو الجاري، المصادف لذكرى الاستقلال الوطني، حيث أعلن حينها عن بداية حركة داخل الجيش، تم بموجبها ترقية نحو 50 ضابطا إلى رتبة جنرال، وإحالة المئات من الأولوية والضباط الآخرين (سامين ومتوسطين) على التقاعد.

ولفت بيان الجيش إلى أن العملية ستبقى مفتوحة إلى غاية الفاتح من شهر نوفمبر القادم، المصادف لذكرى اندلاع ثورة التحرير، وهو ما يعني أن قيادة الأركان بصدد إعادة تشكيل بشري لمفاصل وأوردة المؤسسة، بشكل يتماشى مع توجهات سحب البساط وعزل نظام بوتفليقة عن أذرعه والموالين له تماما.

وبذلك تبقى تطورات المشهد السياسي الداخلي متصلة بالترتيبات التي يديرها قائد أركان الجيش، من أجل التفرد بالسلطة والتخلص من خصومه في نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، رغم ما تنطوي عليه المسألة من انتقادات شديدة ومخاطر فشل في ظل عدم تفاعل القوى الحية والوازنة في المجتمع مع توجهات العسكر.

طالب الإبراهيمي يضع التهدئة والطمأنة، ممرين حاسمين لإنجاح أي حوار في إشارة إلى ضرورة إطلاق سراح سجناء الرأي

وذكر في هذا الشأن الوزير والدبلوماسي السابق أحمد طالب الإبراهيمي “لقد ورد اسمي، دون استشارتي، ضمن قائمة أسماء مقترحة لتشكيل لجنة تتولى الإشراف على إطلاق وتنظيم حوار وطني يخرج البلاد من الانسداد السياسي الذي تتخبط فيه منذ إلغاء العهدة الخامسة”.

وتابع “وإذ أشكر كل من منحني ثقته، لأقدر هذا الاعتراف الصريح بصحة الموقف الذي لم أحد عنه أبدا منذ أن دعوت إلى الحوار والمصالحة الوطنية، لتجنب تكرار انفجار المأساة الوطنية في التسعينات، وما زلت به متمسكا، فإنني أنوه لبعض المسائل الضرورية لإنجاح الحوار”.

ولفت الإبراهيمي إلى أن “لجنة الحوار المزمع تشكيلها، لن يكون دورها مجديا في هذه المرحلة، إلا إذا كانت مستقلة في تسييرها وحرة وسيدة في قراراتها حتى تساعد في بناء توافق وطني، حول أفضل صيغة لتجسيد مطالب الحراك الشعبي في التغيير الجذري، في كنف الحفاظ على الدولة بالروح الجامعة لبيان أول نوفمبر”.

وشدد على أن “أي مسعى جدي يبذل اليوم لاختصار المسافة إلى بر الأمان والتخلص النهائي من ممارسات الفساد والاستبداد، لا بد أن ينطلق من التسليم بوجود أزمة ثقة عميقة متفاقمة بين الشعب وحكامه أدت إلى قطيعة 22 فبراير الماضي، وأن هذه القطيعة خلقت ولاسيما في أوساط الشباب وعيا لا يقبل بالحلول الترقيعية أو بأنصاف الحلول”.

وأكد الإبراهيمي، انحيازه للحراك الشعبي بالقول “أؤكد من جديد وقوفي الدائم إلى جانب الحراك الشعبي، وأدعو مكوناته إلى الاستمرار على هذا الطريق بالسلوك السلمي المعهود، وبمزيد من اليقظة حفاظا على مكسبها الأساسي المتمثل في وحدة صف الحراك إلى غاية تحقيق أهدافه المشروعة المعلنة”.

ولم تحظ مبادرة منتدى التغيير المدني، بإجماع الرأي العام الجزائري، بسبب الاختلالات التي انطوت عليها منذ الإعلان عن ميلادها، فضلا عن ردود فعل بعض الشخصيات التي تم اقتراحها لتشكيل لجنة إدارة الحوار السياسي، حيث أبدى كل من كريم يونس، ناصر جابي، جميلة بوحيرد ومقداد سيفي، تحفظات على المسعى، وشددوا على ضرورة مبادرة السلطة باتخاذ إجراءات تهدئة لطمأنة الشارع واستعادة الثقة قبل الشروع في أي حوار.

4