سطوة الرئيس والشيخ والجنرال تتراجع لصالح أقوياء اليمن الجدد

تأتي الذكرى الـ26 لتوحيد شمال اليمن وجنوبه، في خضم أحداث عاصفة بالبلاد، تهدّد لا فقط بعودة الوضع إلى ما قبل حرب 1990، بل وربما إلى دويلات صغيرة، ضمن واقع جديد ساهم في تدمير التحالف الثلاثي الذي حكم اليمن لثلاثة عقود، وأضعف كلا من الرئيس والشيخ والجنرال معا لكنه لم يقض عليهم بشكل كلي بقدر ما سلبهم بعض نفوذهم لصالح قوى أخرى صاعدة.
الثلاثاء 2016/05/24
إلى أين نسير

صنعاء – انخرطت، في العام 2011، مراكز القوى العتيدة التي تقاسمت حكم اليمن منذ العام 1962 في أشبه ما يكون بعملية تدمير ذاتي كنتيجة مباشرة لصراع أقوياء الأمس وظهور جيل جديد أكثر تطلعا واندفاعا وأقل براغماتية. ويتهم البعض الرئيس السابق علي عبدالله صالح بأنه سعى في السنوات الأخيرة من حكمه للإخلال باتفاق غير مكتوب ظل يتقاسم بموجبه السلطة والثروة مع أقوياء آخرين ساهموا في صعوده للحكم في17 يوليو 1978 عندما حاصر بالدبابات اجتماعا لمجلس الرئاسة كان يناقش انتخاب خليفة للرئيس أحمد الغشمي المقتول بحقيبة دبلوماسية ملغومة بعثها له نظيره الجنوبي.

حاصر الضابط المتطلع القادم من وسط اجتماعي لم يكن له في السلطة نصيب ومعه أقران من أبناء منطقته مجلس الرئاسة بالدبابات، كما يقول معاصرون شهدوا الواقعة، ودخل بكفنه على يده، وهو ذات الكفن الذي كان سيرتديه كل من يقف حجر عثرة أمام طموحات الضابط سريع الغضب. لقد دخل علي عبدالله صالح الاجتماع ضابطا عاديا ليخرج الرئيس السادس لليمن الجمهوري.

ترويض مراكز القوى

بعد قيام الثورة اليمنية ضد الحكم الإمامي الملكي في العام 1962 تشارك “الضباط الأحرار” الذين قاموا بالثورة السلطة مع شيوخ أبرز القبائل مثل حاشد وبكيل، وهي الشراكة التي لم تخل من صراعات مريرة بين الضباط وشيوخ القبائل، الأمر الذي دفع في مرحلة ما الشيوخ للتسلل إلى الجيش من خلال أبنائهم الذين انخرطوا في السلك العسكري وهو ما بلغ ذروته من خلال وصول أبناء شيوخ بيت أبو لحوم إلى مراكز هامة في الجيش في عهد الرئيس الإرياني قبل أن ينقلب عليه الحمدي ويتخلص من نفوذ القبيلة الذي تسلل إلى مؤسسة الجيش.

استمرت هذه المعادلة المقلقة في الصراع وانعكست بشكل كبير على استقرار اليمن السياسي والاقتصادي حتى العام 1987 عندما أصبح علي عبدالله صالح رئيسا وتمكن من خلق معادلة جديدة للقوة قائمة على الشراكة بين الشيخ والرئيس عبر عنها شيخ قبيلة حاشد ذات مرة عندما عبر عن علاقته بالرئيس صالح بالقول “أنا شيخه وهو رئيسي”.

كانت الوصفة السحرية التي استطاع بها علي عبدالله صالح أن يستمر كل هذه الفترة في الحكم هي معرفته الدقيقة بمراكز القوى الموجودة أو التي ظهرت خلال فترة حكمه، وعلى رأسها سلطة القبيلة التي كان يمثلها الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر الذي يعترف في مذكراته بأنه شارك في صراعات انتهت بإقالة رئيسين واغتيال آخر.

الشيخ الأحمر خلف مركزين من مراكز القوى كان يسيطر عليهما وهما القبيلة والإخوان المسلمون

إلى جانب شيوخ القبائل، الذين كان الشيخ الأحمر بمثابة أيقونة لهم، برز عدد من الضباط الذين ساهموا في إيصال علي عبدالله صالح للحكم وكان لهم دور بعد ذلك في قمع أي محاولات للإطاحة به. وجل هؤلاء الضباط من أبناء منطقته سنحان وكانت لهم أيقونتهم الخاصة أيضا والتي تمثلت في الجنرال علي محسن الأحمر الذي اعترف في لقاءات لاحقة بعد العام 2011 بأنه كان شريكا في حكم اليمن لثلاثة عقود بل إنه وصف نفسه من باب المماحكة السياسية حينها بأنه كان الرجل الأول في اليمن في فترة حكم علي عبدالله صالح وليس الرجل الثاني كما يشاع.

خلال الفترة من العام 1978 إلى 2011 كان الرئيس علي عبد الله صالح إلى جانب الشيخ الأحمر وما يمثّله من نفوذ قبلي والضابط علي محسن الأحمر الذي استطاع أن يحتوي الكثير من رموز المؤسسة العسكرية ورجال اليمن الأقوياء في شمال اليمن. فيما كانت التيارات الدينية التي تعمل في الخفاء تحاول إيصال صوتها من خلال الانضواء تحت أحد رموز القوة الثلاثة.

أصبح الشيخ الأحمر رئيسا لحزب التجمع اليمني للإصلاح الذي كان خليطا من شيوخ قبائل وسلفيين وإخوان مسلمين. وكان الحزب في الجنوب القوة الوحيدة المسيطرة على البلاد بعد أن تم القضاء على رموز القبيلة، وأيضا بعد الصراع داخل الحزب الاشتراكي اليمني بصفته مركز القوة في جنوب اليمن.

وقد أفضى الصراع إلى التخلص من أقوى رجال الجنوب دفعة واحدة بعد أن قام الرئيس علي ناصر محمد في اجتماع كان مخصصا للمكتب السياسي (أعلى سلطة حزبية في الجنوب) بتصفية خصومه المجتمعين جسديا، حيث قتل عبدالفتاح إسماعيل وعلي عنتر وعلي شايع هادي ونجا علي سالم البيض الذي قاد حربا دامية ضد المناصرين لعلي ناصر محمد الذي هزم في نهاية المطاف وغادر مع أعداد كبيرة من أنصاره إلى شمال اليمن.

وبمقتل الأقوياء في الحزب الاشتراكي اليمني ظهر أقوياء جدد كانوا الأكثر ضعفا في المرحلة السابقة وهم علي سالم البيض الذي أصبح رئيسا وحيدر أبوبكر العطاس وياسين سعيد نعمان الذين ذهبوا إلى الوحدة في العام 1990 مع الشمال الذي تسيطر عليه مراكز القوى الأكثر تماسكا وهو ما تسبب لاحقا في نشوء صراع جديد أفضى إلى حرب صيف 1994 عقب إعلان البيض الانفصال، قبل أن تجتاح القوات الشمالية عدن في السابع من يوليو من العام ذاته.

صعود الأحزاب

بعد العام 1990، نالت الأحزاب من سطوة مراكز القوى التقليدية إلى حد كبير على الرغم من أنها ظلت تحت السيطرة نظرا لتماسك رموز القوة في شمال اليمن والذين امتد نفوذهم جنوبا بعد الفراغ الذي خلّفه الحزب عقب حرب 94.

أطلق الشيخ الأحمر أنجاله والتيارات الإسلامية التي كانت في قبضته حتى ذلك الوقت، فيما أرخى علي محسن العنان للمتململين في صفوف الجيش الذين شعروا أن عبدالله صالح يسعى للتخلص منهم قريبا، فتزايدت أعباؤه الأمنية والسياسية والاقتصادية وبلغت ذروتها في 2011 عندما اتحد كل خصومه وحلفاؤه في آن واحد، مطالبين بتنحيته عن السلطة.

الواقع الجديد، الذي نشأ بعد العام 2011، ساهم في تدمير التحالف الثلاثي الذي حكم اليمن لثلاثة عقود

ساهم الواقع الجديد، الذي نشأ بعد العام 2011، في تدمير التحالف الثلاثي الذي حكم اليمن لثلاثة عقود، وأضعف كلا من الرئيس والشيخ والجنرال معا لكنه لم يقض عليهم بشكل كلي بقدر ما سلبهم بعض نفوذهم لصالح قوى أخرى صاعدة.

توفي الشيخ الأحمر ولكنه خلف مركزين من مراكز القوى كان يسيطر عليهما وهما القبيلة والإخوان المسلمون فيما خرج السلفيون من تحت عباءة حزب الإصلاح ليشكلوا عدة أحزاب وتيارات خاصة بهم وخرج اللواء الأحمر ضعيفا إلا من تاريخ طويل من العلاقات، كما ملأ الحراك الجنوبي فراغ القوة في جنوب اليمن إلى جانب تنظيمات مسلحة مثل أنصار الشريعة (القاعدة) وداعش، غير أن الجنوب شهد بروز شخصيات تمتلك الكثير من الشعبية وقادرة على التأثير والقيادة بعد ذلك بقليل. وبرز في الشمال عبدالملك الحوثي الذي كان امتدادا لشقيقه حسين الحوثي. ويذهب الكثير من المحللين إلى أن ظهور الحوثيين منذ العام 2000 ترافق مع الصراع الخفي الذي بدأ يطفو على السطح بين الرئيس علي عبدالله صالح والجنرال علي محسن الأحمر والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، وهو ما أثّر على مسار الحروب الست ضد الحوثيين.

وكما داهمت الأحداث الأقوياء التقليديين سريعا لم يأت العام 2014 إلا والحوثيون هم القوة الأولى في شمال اليمن بعد أن ورثوا نفوذ القبيلة بل وحطموه في الكثير من الأحيان، كما قضوا على نفوذ الجنرال وحزب الإصلاح إلى حد كبير، انطلاقا مما اعتبروه حاضنتهم التاريخية وهو الأمر الذي لم يحققوه في جنوب اليمن مثلا وبعض المناطق ذات الأغلبية السنية مثل مأرب وتعز والبيضاء.

وفي الجنوب أفرز الحراك الجنوبي رموزا ضعيفة وظل علي سالم البيض يتصدر المشهد السياسي إلى جانب بعض القيادات مثل السياسي الحضرمي حسن باعوم، غير أن تطورات الأحداث – وخصوصا اقتحام الحوثيين للمحافظات الجنوبية ودخولهم عدن في مارس 2015 – تسببت في اندلاع مقاومة مسلحة كان السلفيون عمودها مع بعض أنصار الحراك الجنوبي.

وظهرت بذور مراكز قوى وأيقونات قوة جديدة أنبتتها الأحداث المتسارعة والحرب؛ ففي مأرب تحول المحافظ والشيخ القبلي سلطان العرادة إلى قائد شعبي وسياسي بارز بعد أن رفض تسليم المحافظة للحوثيين. وقاد المقاومين للتصدي لميليشيات الحوثي وقوات علي عبدالله صالح التي أخفقت في السيطرة على المحافظة الاستراتيجية وهو ما حدث في تعز؛ حيث تم تكريس اسم قائد المقاومة هناك الشيخ حمود المخلافي. وجنوبا أصبح القائد في الحراك الجنوبي عيدروس الزبيدي ومحافظ عدن الرجل الأول في معظم محافظات الجنوب، فيما برز اسم الشيخ القبلي ورئيس حلف قبائل حضرموت عمرو بن حبريش الذي عينه الرئيس عبدربه منصور هادي نائبا لرئيس السلطة المحلية في حضرموت. أما في المهرة أقصى شرق اليمن على الحدود مع عمان وفي جزيرة سقطرى فلم يخف السكان حنينهم لسلطنتهم القديمة ولسلطانهم بن عفرار الذي يبدو أنه في طريقه للعب دور مهم في حال استمرت تشظيات اليمن.

كاتب من اليمن
6