سطوة النص.. فصل الأزهر عن السلطة السياسية

الاثنين 2016/04/18
تسييس الدين وتديين السياسة

القاهرة - تكمن قوة الدين في أنه قوة نفسية واجتماعية يمكن أن تطوّع في المجال السياسي، فيصبح الحاكم مقدسا لأنه يملك سلطة الدين والسياسة معا. لكن الكاتبة المصرية نسمة عبدالعزيز تنبّه إلى خطورة هذه الوضعية، في كتابها “سطوة النص: خطاب الأزهر وأزمة الحكم”، وتؤكد على أن استقلالية المؤسسة الدينية عن السلطة السياسية تعدّ أبرز آلية لفصل إيجابي بين الدين والسياسة في سياق بناء المواطنة المصرية السليمة.

“إلى الساعين نحو تقويض أوجه السلطة المهيمنة، تلك التي تُسيء إلى عقول البشر وتستخف بإرادتهم.. إلى أصحاب الصوت النشاز في كل وقت وعصر”. هذا ما كتبته مؤلفة كتاب “سطوة النص: خطاب الأزهر وأزمة الحكم” الطبيبة والكاتبة والتشكيلية المصرية نسمة عبدالعزيز كإهداء لجمهور قرائها وذلك حثا لهم على إعمال العقل والتفكير في الخطاب الذي يتلقونه من السياسيين خاصة، ومن دعاة الخلط بين الدين والسياسة في مصر.

الموضوع الأساسي للكتاب يكمن في محوره الأول الذي يتناول قضية تحديد الهوية وكشف طبيعة العلاقات مع السلطة من خلال تحليل خطاب المؤسسات الدينية الرسمية في مصر وأثرها في الجماهير، خاصة خطاب مؤسسة الأزهر.

كتاب “سطوة النص” كان في الأصل دراسة تقدمت بها المؤلفة لنيل درجة الماجستير في علم الاجتماع وكانت تقع في أكثر من 296 صفحة، لكنها اضطرت بعد خلاف مع المشرف بشأن حساسية الموضوع وحساسية المرحلة التي تمر بها مصر إلى سحب الرسالة والتنازل عن الدرجة العلمية تجنبا لصراع “لا طائل ولا فائدة من ورائه” حسب تصريح نسمة عبدالعزيز مكتفية بتسجيل موقفها في هذا الكتاب.

وتؤكد الكاتبة أن الهدف من كتابها يكمن في البحث عن مكان التسلط داخل الخطاب الديني المصري، “وهو تسلط متأت من المشروعية التي يأخذها رجل الدين المشرف على المؤسسة من تعيينه من قبل السلطة السياسية”، مؤكدة أن حالة “توحد عفوية” تنتاب شيخ الأزهر بمجرد تعيينه، حيث يصبح شيخ الأزهر يمثل كامل المؤسسة وكامل المؤسسة تتلخص في شيخها. وتضرب الكاتبة هنا مثلا بما كان من الشيخ الراحل محمد سيد طنطاوي -شيخ الأزهر السابق- عندما لجأ في إحدى معاركه مع الصحافة إلى القضاء متهما رئيس تحرير صحيفة مشهورة بسب الأزهر وقذفه وقوله “لقد سبني وما دام سبني فقد سب المؤسسة كلها”.

هذه الثنائية بين الديني والسياسي في ما يتعلق بمشيخة الأزهر، أبرز المؤسسات الدينية المصرية، تعكس الدمج التاريخي في الوجدان والهوية المصرية بين المجال الديني الإسلامي والمجال السياسي، الأمر الذي من شأنه أن يخلق لبسا دائما بين العمل السياسي والحكومي بما فيه من تدبير للشأن العام والخطاب الديني الصادر عن الأزهر والذي يتدخل أيضا في المجال السياسي.

وقد أعطت الكاتبة نسمة عبدالعزيز أمثلة عن تحول الخطاب الديني للأزهر حسب الوضعية السياسية في البلاد وعلاقات السلطة، لأن السلطة تعتبر في أصل شرعية شيخ الأزهر، لذلك فالأزهر يتأثر بالوضع السياسي، من ذلك تغير موقف الشيخ أحمد الطيب من الإخوان المسلمين بسرعة بعد إعلان وزير الدفاع آنذاك عبدالفتاح السيسي طلب الدعم الشعبي للتدخل والمسك بزمام الأمور، بعد أن كان الأزهر يدعو إلى التفاوض والحوار.

ما تريد الكاتبة المصرية إيصاله من خلال بحثها السوسيولوجي هو ضرورة استقلال مؤسسة الأزهر عن السلطة السياسية حتى يكون لدور المؤسسة معنى في تعديل الحياة الدينية والسياسية معا في مصر في الاتجاه الإيجابي. فحين يخرج الأزهر من دائرة هيمنة السلطة سوف يكون له تأثير كبير على درجة منع التداخل بين ما هو ديني وما هو سياسي، وتقول الكاتبة نسمة عبدالعزيز “استقلال الأزهر بوابة لتحجيم دور القوى الدينية للعب في المجال السياسي”.

6