سطوة حزب الله على الساحة اللبنانية ستزداد بعد خروجه مهزوما من سوريا

يشرح الصحافي والكاتب علي الأمين، في حوار مع “العرب”، أسباب إحياء مصطلح شيعة السفارة في هذه اللحظة، وربطه بسلسلة من العناوين التخوينية الإلغائية. يتناول تحولات المناخ الشيعي من الإيمان بالانتصار إلى التأكد من استحالته. يعرض للشجاعة الاستثنائية التي أبدتها آمال شمص. ويفصّل الأسباب التي لازالت تسمح لحزب الله بالسيطرة على القرار الشيعي.
الأحد 2015/06/21
علي الأمين: نريد لبنان الدولة الحامية لتنوعنا والناظمة لاجتماعنا السياسي

علي الأمين صحافي وكاتب شيعي لبناني، أي أنه صانع أفكار. هذا ما يفسر عداء الحزب الإلهي له وتخوينه. التفكير عنده يعني الخروج عن دائرة الولاء المطلق التي تشكل بنية الحزب وروحه، والشكل الأعلى الناظم لعلاقته مع جمهوره ومع الولي الفقيه.

قال علي الأمين في تجمّع جرى مؤخرا في ساحة رياض الصلح اعتراضا على المنطق التكفيري التخويني لحزب الله “طلباتنا وطموحاتنا بسيطة، نريد تطبيق الدستور، واحترام القانون، وتقديم الانتماء إلى لبنان على كل انتماء آخر، نريده وطنا نهائيا واحدا حرا عربيا، يؤمن بالديمقراطية والحداثة. نريد لبنان الدولة الحامية لتنوعنا والناظمة لاجتماعنا السياسي. تلك ثوابت الرؤية الشيعية التاريخية، وتلك هي خيارات قياداتها التاريخية”.

تهديد الصامتين

* في أي سياق تضع عملية إحياء مصطلح شيعة السفارة في لحظة اتخذ فيها الأميركيون قرارا بوقف الدعم المالي للمشاريع التي كانوا يمولونها، والتي لم تكن تصب في خانة دعم ظهور تيار شيعي مناهض لحزب الله، العملية التخوينية الشرسة ماذا تقول في هذه اللحظة؟

* حسن نصرالله فتح الموضوع حين أشار إلى ما أسماه “شيعة السفارة”. لم يحدد من هم ولكن نفهم من سياق الكلام أن هذا التعبير يشمل كل شيعي يختلف معه في موضوع الأزمة السورية والقتال في سوريا.

السفارة الأميركية في لبنان ليست مختصة باللقاء مع الشيعة المعارضين للحزب، بل تمارس نشاطا عاما، وتلتقي بالجميع في إطار علني ليس فيه شيء من السرية. ونفهم من كلام نصرالله أنه حريص على إدراج من يخالفونه في الرأي في إطار يضم ثلاثة عناوين هي التخوين والعمالة والغباء.

ونحن نرى أن هذا المنطق يأتي في سياق التهديد، ويفصح عن نزعة إلغائية تطال كل معترض. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن هذا الخطاب ليس موجّها للفريق المعترض علنيا وبوضوح، بل هو موجه كذلك لمن هم في موقع المتردد الذي يشمل الصامتين الذين يوافقونه جزئيا في لحظة بات ينتشر فيها شعور عام أن الحزب لم يعد يستطيع عمليا الترويج لانتصار في سوريا بل انتقل من الهجوم إلى الدفاع. وهذا الأمر بات ملحوظا في ما صدر عن الحزب من بيانات مؤخرا من قبيل خطاب الدفاع عن جرود عرسال أو المناطق اللبنانية.

وهذا تحول ملحوظ فبعد أن كان الحديث يتناول تحرير حلب لم يعد الحديث يتجاوز منطق الدفاع عن القلمون وبعض المناطق الحدودية اللبنانية. ويتوقع نصرالله في ظل هذه التطورات أن يبادر بعض من كان صامتا إلى النطق وإطلاق مواقف لا تعجبه. من هنا يبدو تهديد شيعة السفارة بمثابة إنذار لتلك الفئة المترددة والصامتة التي تملك موقفا ضمنيا مغايرا لمواقفه وتنتظر الفرصة لإعلانه. وفي تقديري التهديد ليس موجها لمعارضيه المباشرين بقدر ما هو موجه لفئة مرشحة لإعلان اعتراضها في المرحلة المقبلة.

حزب الله ليس حزبا أيديولوجيا وعقائديا ومذهبيا فقط، بل هو حزب مصالح أيضا، فعلى الأقل هناك مئة ألف راتب شهري يدفعها الحزب

شجاعة آمال شمص الاستثنائية

* احتل الاعتداء على الأختين شمص واجهة الأحداث مؤخرا خاصة بعد الشجاعة التي أبدتها آمال شمص حين تحدثت علنا عما أصابها، كنت قد نشرت في “جنوبية” مقالا يفيد بأن الحزب أوقف توظيف النساء في مؤسساته، ما مشكلة حزب الله مع الصوت النسائي؟ وما الجديد الذي يطرحه الأعداء على آمال شمص؟

* ما حدث مع آمال شمص ليس حادثا استثنائيا، بل هو حادث قد تكرر كثيرا دون شك، ولكن الجديد أن هناك امرأة اسمها آمال شمص قررت عدم السكوت. لا شك أن حزب الله يستفيد من خبراته الأمنية العالية في تطويع المجتمع وضبط أيّ حالة تفلّت. يستخدم كذلك التعبئة الدينية والسطوة العسكرية والتجييش المذهبي من أجل قمع أيّ صوت معترض. لا شك أن خصوصية آمال شمص هي أنها شخصية جريئة وشجاعة، وقد أصرت على الظهور وعدم السكوت عمّا جرى معها. هناك حوادث كثيرة مشابهة قد جرت ولكن دون أن يتجرّأ أحد على الظهور في الإعلام خوفا من ردة فعل الحزب.

نحيا في لبنان حاليا، وربما في المنطقة، نعيش وسط بيئة مذهبية وهذا ما يزيد من إحكام قبضة الفئة التي تسيطر على كل طائفة وتجعلها تتصرف وكأنّها تمتلك سلطة مطلقة. هذا ينشئ خوفا في داخل كل طائفة، يقوم على فكرة أن كلفة الاعتراض على السلوك السيئ هي أكثر من كلفة تحمّل الأخطاء نفسها.

حزب المصالح

* لماذا لا يزال حزب الله ممسكا بناصية القرار الشيعي؟

* ليس مستغربا أن يكون حزب الله لا يزال ممسكا بناصية القرار الشيعي. هناك عدة عناصر تساعد في هذا الصدد. لا يزال الحزب مستفيدا من صورته كحزب مقاومة، إضافة إلى أن الحزب يتغذى من التطرف في الجهة المقابلة. ظهور داعش وغيرها يقوّي نفوذه ويدعم حضوره في الوسط الشيعي، ليس لأنه تعبير عن مطلب عام، بل لأنه يمثل نوعا من الحماية. يضاف إلى ذلك فكرة غياب الدولة وعدم قدرتها على حماية المواطنين.

المواطن الشيعي حين يستدعي عناصر القوة التي يرى أنها قادرة على حمايته فإنه يجدها عند حزب الله وليس عند الدولة. لا يجد الشيعة في الدولة ضمانة، هذا مع العلم أن حصة الشيعة في الدولة تمرّ عبر حزب الله.

كذلك فإن حزب الله هو الحزب الوحيد في لبنان الذي يملك شرعية وجود السلاح بين يديه. هو الوحيد الذي لديه مؤسسات وسجون وأجهزة أمنية وسلطة. كل هذا يشكل عنصر قوة لا يمكن للطائفة الشيعية تجاهله.

حزب الله ليس حزبا أيديولوجيا وعقائديا ومذهبيا فقط بل هو حزب مصالح أيضا، فعلى الأقل هناك مئة ألف راتب يدفعها الحزب شهريا. هذا المعطى إذا ما أضفنا إليه ما تقدم سابقا، يرسم لنا صورة واضحة عن أسباب استمرار سيطرة الحزب على القرار الشيعي، وخاصة في ظل مؤشرات تقول إن المنطقة ذاهبة في اتجاه حرب مذهبية تذوب إزاءها عناصر الهوية الوطنية.

كل هذا لا يعني أن البيئة الشيعية لا تشهد تغيّرا في الخطاب يتمثل في الانتقال من فكرة تقول “إننا قادرون على فعل ما نريد” وخطاب الانتصارات الدائمة إلى ما أطلق عليه بالتعبير العامي “صفنة”. لم تعد الروح الانتصارية قائمة كما كانت، فبعد التيقّن من استحالة الانتصار في سوريا بات السؤال حول مآلات الأمور مطروحا. هناك تساؤلات في الوسط الشيعي ولكنها لا ترقى إلى مصاف الاختراقات في ظل بروز التطرف.

علي الأمين: نريد لبنان الدولة الحامية لتنوعنا والناظمة لاجتماعنا السياسي

الهزيمة الخارجية والتشدد الداخلي

* تؤكد، وعلى العكس من النظرة السائدة، أن سطوة حزب الله على الساحة اللبنانية ستزداد بعد خروجه مهزوما من سوريا؟ ما هي العناصر التي بنيت عليها تحليلك هذا؟

* حزب الله هو أقرب إلى جيش أكثر منه إلى حزب سياسي. هو حزب أمني عسكري أكثر من كونه حزبا سياسيا. وكل الجيوش التي تذهب إلى الخارج وتنهزم تسعى إلى اتخاذ إجراءات تحول دون استثمار هزيمتها الخارجية في الداخل، وتحاول أن تعوّض هذه الهزيمة بالمزيد من محاولات فرض السطوة في الداخل.

أنا متأكد أن الحزب سيكون أكثر تشدّدا وشراسة مع أيّ صوت يعارضه في الداخل. لا أتحدث عن الشيعة وحسب بل عن الوضع اللبناني بشكل العام. لن يتساهل مع أيّ محاولة لمحاصرته أو تقزيمه ودفعه للتحول إلى حزب سياسي. هذا المنطق سيترجم ربما عبر خطوات عسكرية تطلق رسالة مفادها أن أيّ معارضة له ستكون مكلفة، وهذا سبب من أسباب بقاء نوع من التماسك الداخلي.

انقلاب في شبكة التحالفات

* كيف سيدافع حزب الله عن دوره وهل يمكن للجيش اللبناني تسلم زمام الأمور إذا ما تمّت تسوية ما؟

* سيدافع حزب الله عن دوره وعن حجمه بكل ما أوتي من قوة وهذا قد يستدعي إجراء انقلاب في شبكة تحالفاته.

الاتفاق الإيراني الأميركي في حال تمّ لا بدّ أن يشتمل على نوع من الحصانة لحزب الله، ما يتطلّب سلسلة من الإجراءات تتصل بالموضوع الإسرائيلي. أحد مصادر قوة حزب الله ودوره، وتأثيره، ونظرة الخارج إليه، يرتبط بدوره على الحدود الجنوبية للبنان، لأنه شئنا أم أبينا يمثل نوعا من الحماية لهذه الحدود. وهو يستطيع من خلال ذلك التخاطب مع الأميركيين والإسرائيليين والقول إنه في حال انسحب من هذه الحدود، فإن الأمور ستذهب إلى حالة من الفوضى.

ومن الممكن أن يستلم الجيش زمام الأمور في حال تمت تسوية كبرى في المنطقة تتصل بشكل خاص بالأزمة السورية. الجيش اللبناني يتحضر للحظة تتم فيها تسوية كبرى لا تبدو قريبة. ساعتها سيقال إن هناك قوة عسكرية رسمية جاهزة لحماية الحدود. لا أرى هذه اللحظة قريبة.

أرى أن تداعيات دخول حزب الله في الحرب السورية كبيرة للغاية، فإلى جانب المخاطر العسكرية هناك خطر أكبر يتمثل في أن مناطق الوجود الشيعي في البقاع الشمالي أو في الجنوب ارتبطت تاريخيا وخلال فترة طويلة من عمر المنطقة بعلاقات أسرية واقتصادية واجتماعية وحتى سياسية مع سوريا. هناك الآن شرخ كبير حصل بين أهل هذه المناطق وبين السوريين، وهذا من شأنه أن يتسبب بشرخ في الطائفة الشيعية التي ستجد نفسها محاصرة بالأعداء.

هناك ثقب في الضمير الشيعي بات موجودا، ولا يستطيع الحزب إغلاقه حتى في وسط من أيّدوه في مشاركته في الحرب السورية. هناك وعي يقول إن ما حدث في سوريا هو أمر يقرره الشعب السوري، كما أن حجم تدخل إيران وحزب الله الهائل أسس لحقد وكراهية لا يمكن تجاهلهما.

سياسة تجاهل الأسئلة المخيفة

* بات واضحا أن الانتقام من حزب الله ومن يؤيده هو عنوان أيّ شرعية في سوريا الجديدة، كيف يواجه حزب الله هذا الأمر؟ وكيف يتعامل معه خاصة أنه يبدو مع كل لحظة السيناريو الأكثر أرجحية وواقعية؟

* هذا من الأسئلة المخيفة والمقلقة التي يحاول الحزب الهروب منها عبر الهروب إلى الأمام، والمزيد من استخدام الشعارات المذهبية والتقوقع، والتركيز على فكرة أن السلاح هو الحماية. هناك جرح كبير، وهناك خوف من التفكير بتداعيات الانغماس في الدم السوري. هناك محاولة لاعتبار هذا السؤال غير موجود ليس لأنه غير موجود فعليا، ولكن لأنه لا أحد يستطيع الإجابة عليه حاليا.

الاتفاق الإيراني الأميركي في حال تم لا بد أن يشتمل على نوع من الحصانة لحزب الله، ما يتطلب سلسلة من الإجراءات تتصل بالموضوع الإسرائيلي

يستعمل حزب الله في مخاطبة جمهوره عناوين التخويف من التكفيريين، ولكنه لا يعي أنه ليس مهمّا إقناع جمهوره بهذا الأمر بل إقناع السوريين. نحن في لبنان أسرى القبضة الإيرانية، وحزب الله ليس سوى تنظيم أنشأته إيران وركّبته ليكون أداة طيعة في يدها، وكل مشروع ولاية الفقيه قام على أساس الولاء الأعمى.

حزب الله يتحمل مسؤولية كبيرة ولكن ربما من الظلم تحميله كامل المسؤولية. أنا لازلت أعتقد أنه لو ترك القرار لحزب الله ومن فيه من ناس لما كان قرار الذهاب إلى سوريا قد اتخذ، ولكن القرار كان أكبر منه. الحزب الذي بُني كي يكون أداة طيعة وعلى فهم يرى الصحيح في اتباع منطق الطاعة، لم يكن قادرا على امتلاك زمام أمره، واتخاذ قرار يخالف الأوامر الإيرانية.

مصير الأقليات

* كيف تنظر إلى مصير الأقليات في المنطقة وخاصة في ظل سيادة منطق عام يضعها في موقع غير متجانس مع التركيبة العامة للأغلبية، ويفصل قضيتها عن قضية الأكثرية، ويضفي عليها خصوصية تتنافى مع حقائق التاريخ والجغرافيا؟

* ما قام به وليد جنبلاط في الآونة الأخيرة يقدّم نموذجا إيجابيا حول طريقة التعاطي في هذا الشأن. لاحظنا أنه حين قتل مجموعة من الدروز في قرية عين لوزة وهي جريمة مدانة ومرفوضة لم يتم وضع الأمور في سياق صحيح. من قتل من الدروز لا يكاد يذكر مقابل من قتل من المكونات الأخرى والذي بلغ عشرات الآلاف. التعامل بمنطق الأقليات يفترض وكأن هؤلاء هم مجموعات لا تنتمي إلى المنطقة ولا إلى نسيجها، وكأنهم يأتون من سياق غريب عن سوريا، وكأن المشكلة في سوريا مستقلة عنهم ولا دور لهم فيها.

كل ذلك يقال لطرح فكرة مفادها أن الأقليات في خطر، ولكن هذا لا يجب أن يعمينا عن واقع يقول إن الأكثريات في خطر كذلك. ليس هناك من أضرار ومخاطر تتعرض لها الأقليات في حين تحيا الأكثريات في أمان. إذا لجأنا إلى حساب النسب، وأحصينا عدد من قتل ومن هجّر وتضرر من السنة، لوجدنا أن النسبة أعلى من مثيلتها في أوساط الأقليات. إذا حسبنا أنه تم تهجير ما بين 50 إلى 60 بالمئة من المسيحيين فإنه قد تم كذلك تهجير 50 أو 60 بالمئة من السنة.

التطرف يتغذى من التطرف الآخر

* حالة تورط حزب الله في سوريا وما تبعها من انهيار لصورته ومكانته انعكست سلبا على تيار المستقبل الذي بات جزء كبير من جمهوره يعتبره تيارا علمانيا ليبراليا ويطالبه باتخاذ مواقف أكثر تشددا كيف تنظر إلى هذه الظاهرة؟

* كل خطاب متطرف لا يمكنه أن يحيا إلا في ظلّ خطاب متطرف مقابل. لا يمكن أن يكون هناك حالة تطرف تدعى حزب الله ولا ينشأ في مقابلها تطرف في الجهة الأخرى. تاليا لا يمكن لنموذج مثل تيار المستقبل يتبنى الاعتدال إلا أن يضعف لأن خصمه ليس محصورا في البيئة الأخرى، بل بات موجودا داخل البيئة الحاضنة له. نموذج داعش هو من يقوى في ظل صعود التطرف، وليس نموذج تيار المستقبل، ولذا فإنه من الطبيعي في ظل اتخاذ الأمور طابعا مذهبيا ظهور نماذج مماثلة لحزب الله في الوسط السني تستطيع أن تخاطبه بلغته. هذان النموذجان قابلان للعيش في ظل انتشار الكراهية والتخوين وإلغاء الآخر.

التطرف إذا ما أمعنا النظر في أعماق مقومات الوجدان السني والوجدان الشيعي لا زال منبوذا. لذلك نجد أن التطرف يحتاج دائما إلى تبريرات كأن يقال إن التطرف في فئة ما عائد إلى الخوف من الذبح والأذى، أو أنه ردة فعل على تطرف آخر.

يجب لفت النظر الى أن جذور الاعتدال، وقبول التنوع، والميل إلى التعايش والتسويات قائمة في قلب الاجتماع اللبناني. من هنا يمكننا التأكيد على أن ما يحصل في هذه اللحظة هو الطارئ والعابر والاستثنائي، وليس الأصيل والعميق ولا يمثل القاعدة في السلوك التاريخي، وفي تاريخ العلاقات بين السنة والشيعة. العنصر الخارجي هو المؤسس لهذه الظاهرة التي نعيشها اليوم، والتي لا يمكن اعتبارها الابن الشرعي لمشكلاتنا وواقعنا، بل إنه مسقط على لبنان.

السلوك الإيراني الذي اعتمد في المنطقة العربية وفي لبنان وفي سوريا كان له الدور الأساسي في خلق هذه المشكلة. لا ننكر وجود مشكلات في المنطقة العربية، ولكن حين تذهب الأمور إلى هذه الصيغة التي نحيا تداعياتها حاليا، فلاشك في وجود شيء فوق طبيعي دفع الأمور إلى تجاوز واقع مجتمعاتنا، وواقع تاريخنا إلى السير في اتجاه معاكس للمسار الطبيعي والتاريخي لها.

ضبط إيقاع في لبنان

* هل ترى أنه لا زال هناك قرار دولي يمنع انزلاق الوضع في لبنان إلى الفوضى الشاملة؟

* حتى الآن هناك حرص ألاّ تذهب الأمور في لبنان إلى مسار مواجهات وتصادم. هذا عائد، إضافة إلى توفر معطيات دولية وإقليمية تدفع في هذا الاتجاه، إلى توفر عوامل ذاتية، إذ أن حزب الله يجد نفسه مشغولا في هذه الفترة بمسار الأمور ميدانيا في سوريا وبمصير الأسد. تاليا ليس من مصلحته أن يكون منهمكا في صراع وقتال في الساحة التي ينطلق منها. لذا لا أجد أن حزب الله يريد حاليا افتعال مشكلة في لبنان. الأطراف الأخرى كذلك لها مصلحة في استمرار السلام وذلك عائد إلى أنها ليست ميليشيات.

الفرق بين المشروعين المتصارعين في البلد يكمن تحديدا في هذه الزاوية. حزب الله لم ينشأ بوصفه حزبا سياسيا، بل بوصفه حزبا عسكريا، والسياسة أتت لاحقا كصيغة تجميلية. الأطراف الأخرى في البلد لم تتكون بوصفها قوى عسكرية، لذا فإن من مصلحتها عدم الدخول في حرب مع طرف مسلح، بل جر الصراع إلى ساحة السياسة. هذا يؤمّن درجة ما من استقرار الأحوال في لبنان.

6