سطور في رثاء الكاتب النوبلي غابرييل غارسيا ماركيز

الأحد 2014/05/25
ماركيز مر بما هو أقسى وأغرب مما مر به الجنرال اورليانو من انتصارات وانكسارات

يجوزُ أن يكونَ الصَّنمُ، وأن يكونَ النصُّ المنقوشُ، وأن تكونَ اللوحةُ والنَّغْمةُ ورسوماتُ الكهوفِ، أبقى من حياةِ الفردِ الممتدَّةِ بين بابيْن، أو – إن شِئتْم – بين مَغيبَيْن، أو – لو توخَّينا الواقعيّةَ العجيبةَ – الممتدّةِ بين رَمْشتيْن.

لكن غابرييل يفتحُ البابَ على كلَّ الاحتمالاتِ، خصوصاً حين يعيشُ مئةَ عامٍ من العزلةِ المكثَّفةِ والمزدحمةِ بالتاريخ والأجناسِ والألوان، ويجعلُ من المستنقعِ وبيوتِ التنكِ والتبغِ الرخيصِ ونباتات المَوْز، ملحمةَ الحياةِ على الأرض.

يجوزُ، في هذا الهامشِ الضيِّقِ من الاحتمالات، أن يتسفَّعَ غابرييل، الطفلُ الكولومبيُّ المتمرِّدُ، بأشعةِ شمسِ الاستواء أو قربَ الاستواء، أو يكتويَ بنار الثلجِ على قمةٍ في “الأنديز".

يجوزُ أن يتقلَّدَ أدواتِ السحر من يدَي جدِّهِ العقيد، المقطوعِ من خشبِ الغابةِ المَطَريَّةِ وقعرِ الأمازون.

يجوزُ أن يعيشَ داخلَ الأسطورةِ، وأن يجعلَ جدَّتَه “ميناً” فانوساً يستخرجُ منهُ الشياطينَ والمَرَدةَ، وأن يدفعَهم إلى الواقعِ المُحاصَرِ بالعادي، وأن يأخذَ العاديَّ في رحلةٍ إلى السماءِ والأزمنةِ السحيقة.

يجوزُ أن يبعثَ جدَّتهُ في شخصِ “أورسولا”، لتصمدَ في مجزرة الموْزِ وحرب الألفِ يومٍ وكي تعيشَ بين دفاتِ الكتاب، ألفَ عام من الزحمَة.


يجوز ويجوز


يجوزُ، في هذا العالم الذي يرسمُهُ غابرييل، أن يشقَّ الطفلُ، حينما تتقدّمُ الحياةُ، طريقاً للعشقِ وسطَ مناطِقِ الحمّى والماءِ الآسنِ المتعرِّجِ مثلَ أفاعي الأساطير، والملاريا المتبرّجة بالأحمرِ والأصفر، والكوليرا التي تمتصُّ كلَّ ما فينا، ما عدا الحبَّ. فيصيرُ العشقُ بين والديْهَ، المصابِ بوعكةِ الزَّواج، عشقاً أبدياً غيرَ مُبذَّرٍ بين عاشقيْنِ ينعمانِ بالحرمانِ من الزوجيّة.

ويجوزُ، في هذا الهامش، الرفيعِ كالخيطِ، من الاحتمالات، أن يخرجَ الطفلُ المسفَّعُ، من قفصِ التهميشِ والاستلابِ والعَوَزِ، ليلْعَنَ البطرياركَ في عُقرِ قصْرِهِ المبنيِّ من الجماجمِ والمشدودِ بجدائلِ الصبايا، وأن يعفِّنَهُ بيديْه الصغيرتين، ليتساقطَ الامبراطورُ قطعةً قطعةً، ظفراً ظفراً، مِنخراً منخراً، خصيةً خصيةً، على وقعِ خُطى الديدان.


غابرييل غابيتو


لم يكنْ وما كان ممكناً أن يكونَ صديقاً بالمعنى الواقعي. فقد دبَّ الشيبُ في شارِبِهِ ذي الطرازِ الإسبانيِّ أو العربي الشرق أوسطي، قبلَ أن نشبَّ على الطوقِ، قبلَ أن يشتدَّ عودُنا، قبلَ أن تنفتحَ عيونُ أبناءِ جيلنا على العالمِ البعيد، الذي جاءنا بَغتةً، وقبلَ أن ندركَ الفارقَ الصغيرَ بين بني الغبراءَ وبين المُتخَمين، والفرقَ الكبيرَ بين الأميركيتين.

لم يكن، ولا كانَ ممكناً، أن يكونَ غابيتو صديقاً. فقد كان مشغولاً بنا عنّا، في لقاءاتٍ بين أساطيرِه الواقعيةِ وبين الواقعِ الأسطوري المتمثلِ في تشي جيفارا، في غابات القصَبِ على أبوابِ هافانا.

لكنَّه، في ما عدا المُؤاكلة والمسامرة التي تشدُّ أربطةَ الصداقاتِ وترجئُ كشفَ الخيانات، كان غابرييل أكثرَ من صديقٍ لمئات الملايين. فلا مناصَ أمامنا، إذن، من تبنِّي الحكمة الموزونة والمقفّاة، عن خير رفيقٍ وخيرِ جليسٍ في الأَنام. أو أن غابرييل، بما نسجَهُ من خيوطٍ، حبراً على ورقٍ، وفَّرَ لنا بيتَ عنكبوتٍ رحيمٍ ومن نوعٍ خاص، يُغطي القاراتِ، ليقعَ في خيوطِهِ الأبيضُ والأسمرُ والأصفرُ والأحمرُ في شرَكِ الإنسانيةِ وتزاوجِ الثقافاتِ والحضارات.

لم تختلفْ حياةُ هذا الطفلِ الأسمر عن خيالاتِه. وهو القادمُ إلى هذا العصرِ، المتنقلِ بسرعةٍ نفاثةٍ من العصرِ الحديث إلى الحداثةِ إلى ما بعدَ الحداثة – هو القادمُ، على سطحِ قاربٍ عتيقٍ، كأنّهُ من سُلالاتِ طائرِ الرعد والأباتشي والمويسكا أو ما شئتَ من أسماءِ الهنودِ الحُمرِ، التي يشبهُ واحدُها بيتاً من الشعرِ الرومانسي، والتي تفوقُ الشعرَ شاعريةً. أو ربما هو قادمٌ من الفرائسِ السوداءِ التي اصطادها المستعمرُ في أحراشِ أفريقيا. أو هو منحَدِرٌ من بيتٍ مكلَّلِ الجدرانِ بالزهورِ الحوض- متوسطية في غرناطةَ أو قرطبةَ أو إشبيلية.

بل يبدو أن غابرييل مرَّ بما هو أقسى وأغربُ مما مرَّ به الجنرال أورليانو من انتصاراتٍ وانكساراتٍ، وأنه أحبتهُ النساءُ أكثرَ مما أحبتْ أركاديو الشَّبِقِ في سوقِ “ماكوندو”. ولعلَّهُ هو نفسُهُ الذي كان يكتبُ رسائل الحبِّ باسم العاشق، ويردُّ عليها باسم المعشوقة، فكانَ يكتبُ ويردُّ على نفسِه.

أقام ماركيز بصمت اليراعة وحبر اليراع مملكة من الخيال الواقعي عن واقع خيالي

كان غابرييل يدركُ عظمةَ بورخيس، جارِه في الزمان وفي المكان. غيرَ أنه لم يقتفِ أثرَه، ولا اقتفى طريقَ الحياةِ الظلِّ، والحياةِ الحُلمِ، والحياةِ الواقفة على الخيطِ الدقيقِ بين النومِ واليقظة، بين الخيالِ والخيال. انغمسَ غابرييل، الرجلُ البالغُ والناضجُ مثلَ تفاحةِ الجنِّ الصارخةِ بالأصفرِ والعَبَقِ، في الصَّخبِ المدوِّي، لكن دونِ التنازل عن عينيِّ الطفلِ. وكانَ يسألُ كلَّ يومٍ بهدوءٍ وخجلٍ، في حربِهِ على الظُّلمِ والظالمين: لماذا يمشي الملكُ عارياً؟

يجوزُ أن الصنمَ والنصَّ المنقوشَ واللوحةَ والصخرةَ أبقى من الإنسان العادي. لم يكن غابرييل غيرَ عاديٍّ، وإنما فوقَ عاديٍّ. كأنه حملَ جراحَ الهنودِ الحمرِ وأميركا اللاتينية المضمَّخمةِ بطعمِ إسبانيا والبرتغال، وآلامَ السمرِ المُصاَدرين بالأصفادِ إلى العالمِ الجديد، واحتراقَ الصُّفرِ بالذَرَّةِ ، وعرَقَ العمالِ المسفوكِ في المصنعِ ودمَهم المسفوك في مزارعِ الموْزِ والبنِّ.

كأنهُ كانَ يصرخُ بصوتِ أمعاءِ الفقراءِ التي تبحثُ عن حجرٍ يضغطُ عليها ليلغيَ خواءَها. لكنه لم يصرخْ، إلا بصمتٍ يعادلُ الصوتَ الصادرَ عن قُبلةِ القلَمِ الطويلةِ على خدِّ الدفتر.

كان غابرييل يرى أن البطرياركَ عارٍ، فوصفَهُ بما هو. ورأى الدودَ يأكلُ البطرياركَ، فلم يتيقَّنْ من موتِه، كأنَّ الدكتاتور يفقسُ من تلقاءِ نفسِه.

وأقامَ غابرييل، بصمتِ اليراعةِ وحِبرِ اليراعِ، مملكةً من الخيال الواقعيِّ، أو الواقعِ الخياليِّ. فلا العجائبيُّ عجائبيٌّ عندَه فوق اللزوم، ولا الواقعيُّ واقعيٌّ فوقَ اللزوم. وحينَ انصبَّت أنوارُ هوليوود ووضعتْه في عين عاصفةِ الذهبِ وبؤرةِ الضوء، لتحويل “عُزلتِه” إلى فيلمٍ، عرفَ كيفَ يرفضُ تقزيمَ العمالقةِ، وتحويلَ الملاحمِ المُفعَمةِ بالمعنى إلى تذاكرَ لدورِ السينما ومغامرةٍ يقومُ بأدائها نجمٌ أنيق.

هذا هو غابرييل، الطفلُ الكهل، الكهلُ الطفل. هذا هو غابرييل، الذي يستحقُّ اسماً يشبهُ بيت شعرٍ، من نظْمِ الهنود، مثل: “كفٌّ تطلقُ البرقَ في صيف الكاريبي” أو “ريشةُ الصقرِ التي تكتبُ شعراً على جبال الروكي ونثراً على جبال الأنديز".

لهذا وغيرِ هذا، يظلُّ غابرييل غارسيا ماركيز، أبقى من الصَّنمِ الرخاميِّ واللوحةِ المحفوظةِ في المُتحفِ والنقوشِ المحفورةِ منذ ما قبلَ التاريخ في ثنايا كولومبيا.

وها هو غابرييل يسافرُ إلى كلِّ الجهاتِ، على صهوةٍ غيمةٍ، على سقفِ أرضنا المكسوّةِ بصفحةٍ من الأزرقِ والرصاصِ والنجوم. فحين ترونَ خيطاً صغيراً من السحابِ، في مساءِ الغربِ أو الشرق، أو في سماءِ الشمالِ أو الجنوب، فاعلموا أنها توقيعٌ من هذا المسافرِ، على روايتهِ التي سوف تأتي.

دعوهُ الآن يستريح قليلاً، ليحكيَ قصَّتَه وقصَّتنا، لثيرفانتيس وبورخيس وسيمون بوليفار. دعوه يشكرُ وليام فوكنر وكافكا وفرجينيا وولف. دعوهُ يعانقُ جيفارا ويجمعُ أشلاءهُ،ودعوهُ يحتسي كأسا من عصيرِ البرتقالِ في بيارةِ لوركا.

16