سعادة الأسرة تبدأ من توفير المنزل اللائق

المجتمعات العربية تواجه تحديا خطيرا يتعلق بضمان عيش الناس في مساكن آمنة.
السبت 2020/09/26
البيت أمن وسكينة لا مجرد مهجع للنوم

يتعدى مفهوم السكن مجرد كونه مهجعا للنوم أو مجموعة من الجدران يأوي إليها الناس أثناء فترات الأزمات، وبقدر ما توليه الأسرة عناية فإنه يعطيها إحساسا بالراحة والاستقرار النفسي، لكن الطريقة الفعالة التي تضفي فارقا على طريقة معيشة الناس، تكمن في تركيزهم على الأشخاص الذين يعيشون داخل المنزل.

تؤثر المنازل غير الصالحة للسكن على جودة حياة العديد من الأسر الفقيرة، وتتسبب في الكثير من المشاكل الصحية والنفسية لها، واتخذت هذه المشاكل أسوأ أشكالها في ظل تفشي فايروس كورونا المستجد، بعدما أصبح الناس يقضون جانبا كبيرا من الوقت في منازلهم.

وما لبث خبراء الصحة يحذرون منذ عدة شهور من أن الظروف المعيشية السيئة السائدة في المجتمعات الفقيرة قد تؤدي إلى تفشي الوباء بشكل سريع.

وشدد الخبراء على أهمية الحق في السكن اللائق، كعامل مهم في تحقيق السعادة وتحسين الصحة، بعد أن كشفت الأبحاث الحديثة عن وجود صلة قوية بين ارتفاع معدلات الوفاة المبكرة والمناطق المكتظة بالسكان.

وتواجه المجتمعات العربية اليوم، تحدياً خطيرا في ما يتعلق بضمان وصول الناس إلى مساكن آمنة وبأسعار معقولة، وتحسين بيئة الأحياء الفقيرة والعشوائية، ونظم التخطيط والإدارة الحضريين.

وفي ظل الحجر المنزلي الهادف لاحتواء وباء كورونا، تعيش الملايين من الأسر العربية في منازل صغيرة المساحة، وتفتقر إلى أبسط المقومات الصحية والخدمات الأساسيّة التي تلعب دورا في الحد من تفشّي الفايروس وتمنحهم الإحساس بالطمأنينة.

وسلطت الشهور الطويلة التي غيّرت فيها الأسر عاداتها ونمط حياتها خلال تطبيق تدابير الإغلاق، الضوء على مفهوم “البيت الصحي والآمن” وأهمية مثل هذه الفضاءات الإيجابية، التي تعد أمرًا حيويًا لصحة جيدة، إضافة إلى تعزيز جهود الدول في الحماية من خطر فايروس كورونا.

وحذر خبراء الصحة من أن أوضاع بعض المنازل قد تجعلها أشبه بـ”مزارع” لتكاثر الفايروس، بسبب عدم وجود مياه نظيفة وخدمات النظافة ودورات المياه، والصرف الصحي.

ويكتسب هذا الأمر أهمية بالغة في النسبة للدول العربية، فهي المنطقة الأكثر معاناة من انعدام الأمن المائي في العالم، حيث يوجد بها نحو 14 بلدا من البلدان العشرين الأكثر معاناة من ندرة المياه في العالم، ولا يتجاوز نصيب الفرد من المياه المتجددة فيها 12 في المئة فقط من الحصة المتوسط للمواطن عالميا، بحسب ما أكدت منظمة الأمم المتحدة في تقرير لها.

 وازداد انعدام الأمن المائي بسبب تصاعد الصراعات في ليبيا وسوريا والعراق واليمن، ففي سوريا، على سبيل المثال، لا يحصل حوالي 70 في المئة من السكان السوريين على مياه الشرب المأمونة بصورة منتظمة بسبب تدمير البنية الأساسية وانقطاع المياه بشكل متزايد.

الملايين من الأسر العربية تعيش في منازل صغيرة المساحة، وتفتقر إلى أبسط المقومات الصحية والخدمات الأساسية

ويتطلب ضمان حصول الجميع على مياه الشرب المأمونة وبأسعار مقبولة بحلول عام 2030 زيادة الاستثمارات في البنية التحتية، وتوفير مرافق الصرف الصحي، وتشجيع النظافة الصحية على جميع المستويات.

لكن عدم توفر المياه النظيفة، لا يمثل مصدر القلق الوحيد، إذ حذرت دراسة مغربية من المشاكل الصحية المرتبطة بالسكن، خصوصاً بالنسبة للأسر التي تعيش في منازل مزدحمة.

ونبهت المندوبية السامية للتخطيط، وهي مؤسسة للأبحاث الحكومية في المغرب، في دراسة لها حملت عنوان “مقاربة جيو ديمغرافية لمخاطر التعرض لكوفيد – 19″، إلى أن “خطر العدوى بالفايروس قد يكون أعلى في الجهات التي يعيش فيها السكان في (المساكن المكتظة)، حيث يكون فيها عدد الغرف غير كاف بالنظر لحجم الأسرة”.

واعتبرت المندوبية أن المسكن المكتظ هو الذي “تقيم فيه أسرة تضم ثلاثة أشخاص أو أكثر في الغرفة الواحدة”، مشيرة إلى أن “عدد الأسر التي تعيش في هذه الوضعية يقدر بما يزيد عن مليون أسرة في المغرب”.

وذكرت المندوبية أن داخل تلك المدن “تشكل فئات سكن المدينة العتيقة والسكن الاقتصادي والاجتماعي، إضافة إلى مدن الصفيح، مجالات خصبة لخطر انتشار العدوى سواء من حيث الكثافة السكانية أو اكتظاظ المساكن”.

ومنذ وقت ليس بالقصير، دأب الخبراء في التأكيد على أهمية البيوت على نحو يجعلها تبعث في قاطنيها أقصى قدر ممكن من التفاؤل بفعل حرص أصحابها على تهيئتها على نحو يجعلها تشعرهم بالسعادة، وينعمون وهم فيها بالضوء والهواء النقي والإطلالة الرائعة، من جهة أخرى.

وعكف باحثون أميركيون على رصد علاقة البيئة السكنية المحيطة بالعائلات والعناصر الأساسية المؤثرة في أداء العائلة مثل الاستجابة الفعّالة، والتعبير العاطفي والقبول وصناعة القرار.

كما استطلع الباحثون آراء الأطفال والآباء والأمهات بشأن أداء العائلة داخل المنزل، وتحديد مستوى الموافقة على جُمل مثل “أشعر بضغوط داخل منزلي” أو “يشعر أفراد العائلة بقبول وضعهم”، ومن ثم وضع الباحثون هذه الإجابات في سياق معين في مقابل متغيرات كمساحات منازل العائلة، ومستوى الدخل، وعدد الغرف وعدد أفراد العائلة.

وتوصل الباحثون بشكل عام إلى أن هناك علاقة بالفعل تربط بين العائلات الأكثر سعادة وزيادة المساحة المخصصة لكل شخص.

بيد أن ما أثار دهشة الباحثين كان شعور الأسر بأن المساحة المتوفرة في المنزل، أي حجم المساحة بالنسبة لعدد الأفراد، وما إذا كان هناك شعور بالضغط الشديد أو التباعد، لها تأثير كبير على العلاقات بين أفراد الأسرة.

ويعتقد عالم الاجتماع الألماني مارك برادي أن إجراءات الإغلاق المرتبطة بتفشي وباء كورونا، أجبرت البشر على أن ينظروا إلى منازلهم من منظور جديد، وكأنهم “يعيدون دراسة وفحص علاقة قديمة”.

لكنه يرى أيضا أن المشكلات المتعلقة بمدى جودة الحياة في تلك الشقق الضيقة- والتي أُلقي الضوء عليها في فترة الحجر الصحي – ستُثار في المستقبل جنبا إلى جنب، مع مشاعر القلق العام التي تسود المجتمع، بشأن الوضع في سوق الإسكان.

وتثير الفجوة الكبيرة والآخذة في الاتساع بين المعايير التي وضعتها الأمم المتحدة بشأن الحق في السكن وحقائق الحياة اليومية لمئات الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم الكثير من التساؤلات والشك.

من جهة أخرى، فإذا كان فايروس كورونا قد أماط اللثام عن الجوانب الأكثر سلبية المتعلقة بالإقامة في مساكن ذات جودة رديئة؛ فإنه أظهر كذلك أفضل ما في هذه التجربة، فالمقاطع المصورة، التي تم تداولها بين الناس على منصات التواصل الاجتماعي، أثناء فترة الإغلاق أدت في الأساس إلى تعزيز روح التماسك الاجتماعي، أكثر من أي شيء آخر.

21