سعادة الرسم

الرسم يعيد إنتاج حياة ممكنة هذا صحيح غير أن الصحيح أيضا أنه يهب تلك الحياة معنى خالدا، لذلك بقيت فلورا جميلة وفاتنة.
الاثنين 2018/03/05
فلورا امرأة كل العصور

الرسامون فاتحون، لقد رأيت في “ناشيونال بورتريه غاليري” بلندن صورة شخصية لفلورا للرسام ريجارد ويلسون، امرأة عاشت في القرن السادس عشر، لا تزال تلك الصورة تمثل لمن يراها حدثا استثنائيا، يحبها المرء ما إن يراها، يحب اللوحة والمرأة معا.
لقد أنجز الرسام فتحا، من خلاله يمكننا أن ننتقل من عالمنا الواقعي الزائل إلى عالم أبدي لا يزول، بدليل أن فلورا لا تزال حية، يتمنى المرء لو أنه رآها وهي تطل من شرفتها لينعم برقة ظهورها.
شخصيا لديّ الكثير من الجمل التي يمكن أن أقولها لفلورا إن التقيتها، لقد وقفت أمام صورتها كمَن يهذي، لم تكن فلورا بالنسبة لي امرأة ميتة، لقد وهبها الرسم حياة أشبه باللغز الذي تنطوي عليه فكرة الخلق.
أعاد الرسام خلقها لتكون امرأة كل العصور، فلورا لا تزال جميلة وغضة ونضرة وشهية ويافعة كما رآها الرسام، وهذا ما يفعله الرسم الحقيقي، إنه يفتح الباب على حياة مجاورة، حياة لم نعشها غير أنها تظل دائما ممكنة.
هناك حياة أخرى تقع في مكان، لا يعرف الطريق إليه سوى الرسامين، تلك الحياة لا تفنى عناصرها ولا تُستهلك، كل لحظة من لحظاتها هي بمثابة باب ينفتح على الخلود، وهو ما يجب على الرسامين أن يدركوا من خلاله قيمة الفعل الذي يمارسونه.
الرسم يعيد إنتاج حياة ممكنة، هذا صحيح غير أن الصحيح أيضا أنه يهب تلك الحياة معنى خالدا، لذلك بقيت فلورا جميلة وفاتنة ونضرة كما لو أنها بعد خمسة قرون لا تزال تقف في انتظار مَن يقول لها “أحبك”، ولقد قلتها لها ما إن وقعت عيني عليها.
لقد سمعت فلورا تلك الجملة ملايين المرات، غير أن وقفتها توحي كما لو أنها لم تسمعها، كل شخص يقف أمام فلورا يعتقد أن تلك المرأة خُلقت من أجله، تُسعد فلورا لأنها تتجدّد في كل لحظة نظر، لقد وهبها الرسم صفة المرأة الخالدة فكثر عشاقها.. يا لسعادتها.

16