سعادة للبيع.. حلم زائف لا تشتريه بطاقة الائتمان

هل يمكن أن نشتري السعادة بالمال؟ هذا السؤال لا يزال من دون إجابة ومحل جدل حتى الآن، وحتى مع ظهور ما يسمى بمواقع السعادة الرقمية، في الفترة الأخيرة، فلا يزال حلم شراء السعادة بالمال بعيد المنال.
الاثنين 2017/11/20
لا يمكن شراء السعادة بالمال

ظهرت مواقع إلكترونية تبيع السعادة المؤقتة من خلال منح المشتري أصواتا تتكون من النغمات الموسيقية التي تؤلف خصيصا لتنشيط مراكز النشوة في المخ، وهذه النغمات مكتوبة بطريقة تجعلها تؤثر على خلايا معينة في الدماغ تأثيرا وقتيا ينتهي بمجرد استماعها للمرة الأولى، حيث تحفز خلايا المخ لإفراز هرمونات السعادة، ولكن لفترة محددة لا تتجدد، إلا بعد أن يتم شراء نغمات جديدة مقابل مبلغ مالي جديد يدفعه المستمع خصما من بطاقة الائتمان الخاصة به عبر حساب بنكي مؤمن على الإنترنت.

هذا النوع الجديد من الشعور بالسعادة أو النشوة الرقمية التي تباع بالمال، ولو لفترة مؤقتة، تشبه طريقة بيع المخدرات لتحقيق شعور مؤقت بالنشوة لمن يتناولها.

الدراسات الأخيرة التي أجريت حول السعادة أثبتت أن الحياة السعيدة ترتبط بالسمة الثابتة الشخصية، وليس للمال أي دخل فيها، وهذه السمة التي تميز الأشخاص السعداء تنقسم بدورها إلى أربعة ثوابت، وفي مقدمة هذه الثوابت تقدير الذات.

لم يكن المؤشر الأمثل للسعادة هنا و الرضا عن الحياة الأسرية أو الصداقه أو الدخل المادي، بل كان الرضا عن النفس الذي ينبع من داخل الإنسان، برضا الإنسان عن نفسه وعن سلوكه في الحياة بشكل عام طالما أنه يشعر براحة الضمير وهنا يبدأ الاحساس الحقيقي بالسعادة.

لم يكن المؤشر الأمثل للسعادة الرضا عن الحياة الأسرية أو الدخل المادي بل كان الرضا عن النفس الذي ينبع من داخل الإنسان

أما العامل الثاني من عوامل تحقيق السعادة في الحياة فهو التفاؤل، وهو أن ينظر الإنسان دائما إلى النصف الممتلئ من الكأس، فالذين ينظرون إلى الأشياء ويفسرونها دائما تفسيرا تشاؤميا هم أكثر الناس عجزا عن تحقيق أمنياتهم، وعلى ذلك فتفادي الإحباط والتفكير الإيجابي يمثلان أحد أهم البواعث على السعادة.

أما العامل الثالث فهو الانبساطية، ومعناها أن يكون من طبيعة الإنسان اتسام سلوكه مع الآخرين بأنه سلوك ودي ومنفتح، بما يحقق له الاندماج الاجتماعي، فيتحقق للإنسان الاندماج مع الناس مما يشكل عاملا هاما في تحقيق السعادة.

ورابع هذه العوامل القدرة على التحكم في النفس، فالشعور القوي عند المرء بالقدرة على السيطرة لمقدرات حياته يعتبر مؤشرا يعوّل عليه للمشاعر الإيجابية بالحياة السعيدة أكثر من أي شروط موضوعية أخرى للحياة.

حبوب السعادة

ويشير الخبير النفسي في مصر، سعيد إسماعيل، إلى أنواع من الأدوية التي عرفت باسم “حبوب السعادة” في إشارة إلى أن تأثيرها يشبه تأثير هذه الموسيقى التي تحقق النشوة والسعادة الرقمية من دون أن تدرج في جداول الأدوية المخدرة، وهذه الحبوب التي يمكن لأي شخص أن يشتريها تحتوي مواد طبية ترفع في المخ البشري مركبا طبيا اسمه “خمسة هـ. ت.”.

وحقيقة الأمر فالذين يصابون بالاكتئاب تنتابهم جميعا حالة من الهبوط في معدل ما يسمي “السيروتونين” في مناطق محددة بالمخ، تؤثر على المدار الخارجي الذي يتحكم في الأعصاب، في إشارة إلى أن مسألة الحصول على السعادة من خلال إنفاق المال أو حتى كسبه واكتنازه هي مسألة نسبية بين البشر، وتضيف أننا إذا عقدنا مقارنه بين شخصين أحدهما يملك المال ولا يعمل، وآخر لا يملكه ويسعى إليه بطريقة صحيحة فإن المجتمع يلفظ الأول وبالتالي فمن الممكن أن يشعر بالتعاسة رغم امتلاكه للمال.

الشعور بالذات يمنح الإنسان الاستقرار النفسي والاجتماعي وليس المال تحديدا هو السبب في ذلك وإنما السعي في طلبه

فهذه المعدلات إذا انخفضت أصابت الإنسان بالكآبة ويعتبر البروزاك مساعدا يمدهم بـ”خمسة هـ. ت.” وترجع شهرة البروزاك إلى الكتاب الذي نشر عن حياة الأميرة ديانا والذي يكشف أن الأميرة اعتمدت على البروزاك، لتخطي الفترة التي مرت بها قبل الطلاق، لكننا يجب ألا نأخذ الأمر بهذا المفهوم المادي وحده، فالدواء مازال عاجزاأمام حالات شديدة يعتمد علاجها فقط على الطب النفسي.

تقدير الذات

وفي رأي أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس، فكري عبدالعزيز، أن الشعور بالذات هو أقصر عنوان يمكن أن نصل من خلاله إلى السعادة المنشودة، معتبرا أن المال ليس ضمن طرق الوصول إلى السعادة، مؤكدا أن هذا الشعور الإنساني بالذات يمنح الإنسان الاستقرار النفسي والاجتماعي وليس المال تحديدا هو السبب في ذلك وإنما السعي في طلبه، فشعور الإنسان أنه مازال قادرا على الإنتاج وأنه مطلوب من المحيطين يكون سببا من أسباب سعادته.

ويروي الدكتور فكري واقعة حدثت معه حيث يقول “قصدني شخص مسن عند الخروج من أحد المؤتمرات لأقوم بتوصيله إلى منزله، فوجدت أنه يقطن بحي حلوان وكنا من مدينة نصر ثم اتضح لي بعد ذلك أنه يقطع كل هذه المسافة يوميا إلى عمله فقط لشعوره أنه مرغوب فيه من المحيطين، رغم قلة راتبه الذي يتقاضاه، فالسعادة إذن ليست في المال وإنما في الإحساس بالتواجد.

ويرى سعيد إسماعيل أستاذ أصول التربية بجامعة عين شمس أن المال قيمة مادية، ولكن أن يكون لك دور اجتماعي في الحياة، فهذا يعني تحقيق القيمة الإنسانية التي تشعرك بالفعل بالسعادة، معتبرا أنه لا يمكن شراء السعادة بالمال، في إشارة إلى أن ما قد يظهر من صيحات للحصول على السعادة عبر دفع الأموال من خلال شبكة الإنترنت في ما يسمى بالسعادة الرقمية قد يشبه طريقة الحصول على لحظات مؤقتة من النشوة عن طريق شراء المخدرات لكنها لا يمكن أن تكون طريقة حقيقية للوصول إلى السعادة المتوازنة.

21