سعاد العطار عراقية تنسج الحلم الأسطوري

السبت 2016/10/22
سعاد العطار رسامة تحولت إلى طائر يحلق في المجهول

تونس- كان معرضها الشخصي الذي أقامته في العام 1965، والمصحوب بفيض موهبتها البكر، أول معرض يقام لفنانة في بغداد، مدينتها الأثيرة، التي غادرتها تماما في منتصف سبعينات القرن الماضي، لتعيش منذ ذلك الزمن في العاصمة لندن. ولتغدو مدينتها الأولى تلك، بعد هجرتها عنها، حلما تنتظر الإمساك به، وتعاود تمثيله في لوحاتها. وستغدو كل لوحة بعد رحيلها، نافذة تطل منها على ذلك الفقدان العصيّ. فقدان تكرر للمرة الثانية حينما اغتيلت شقيقتها الصغرى الفنانة ليلى العطار، إثر قصف أميركي لبغداد بصواريخ باليستية في العام 1993، سقط أحدها على بيتها. بعد أن شغلت منصب مدير عام في وزارة الثقافة، ومديرة لمركز صدام للفنون. تذكر سعاد أن أول رسم لصورة شخصية “بورتريه” رسمته وهي طفلة، كان لشقيقتها الراحلة.

تستحضر سعاد العطار شجنها هذا في صورة أسطورة خاصة. تنسجها على وقع حنينها إلى عالم بكر مفعم بموجوداته الأولى، أشجار مثمرة، نخيل شاخص على شكل ما تخيّله النحات الأشوري في جدارياته، طيور صغيرة محلقة، استعارة لطيور الجنة، وأخرى، مختلفة، أكبر حجما تـعانق النساء، خيول وطواويس تتبختر، عشاق يضطجعون في حدائق حاشدة بالزهـور، كائـنات مجنّحة توصف بالبراق، عـالم يتشكل من كائنات كأنها تسللت من رقـيم طـيني لملـحمة سـومـرية، أو من إحدى حكايات ألف ليلة وليلة الجامحة بحرية سردها. يؤطّر تلك المفردات فضاء ضبابي باعث على مشهدية توحي بالغرابة والحلم.

نخيل آشوري شاخص

في ذاكرتها، يشخص أيضاً، ذلك التعليق الذي أخبرها به الشاعر السوري نزار قباني “إن عمرك هو 6 آلاف عام”. في إشارة إلى تاريخ حضارتها العراقية التي تجاهر بالانتماء لها، والتي ستستدعيها في أعمالها بزخم شديد التخيل يحضر على هيئة أشكال وكائنات ومفردات تصويرية منسوجة من مادة عالم فريد، وغرائبي في خصوصيته، وكأنها تطال بشغفها هذا فضاءات عالم موغل في الماضي البعيد.

في ستينات القرن الماضي، تولّعت سعاد برسوم تظهر المرأة في عاداتها اليومية، بسمة بغدادية توحي بالمباشرة، كانت مثل هذه الصور الرمزية قريبة وفي متناول خيالها الأنثوي. وهو أيضا نتاج اهتمام فني ترحل من خمسينات القرن العشرين، الذي كرسته تجارب فناني جماعة الرواد وجماعة بغداد للفن الحديث، عبر اهتمامهما بالأثر الاجتماعي الراسخ في ملامح تلك المدينة الناشئة بحداثتها.

نساء يحملن أطفالهن وهن يتجولن في الأسواق، هؤلاء نسوة سعاد العطار، فتاة تغزل وجدات يجلسن بسكون بالقرب من موقد الشاي. ألفة مشاهد تكرست في المحترف الفني العراقي وقتئذ، بأثر هيمنة موضوع المكان المحلي، بوصفه هوية في اللوحة

ترسم سعاد نساء يحملن أطفالهن وهن يتجوّلن في الأسواق، فتاة تغزل، أو جدات يجلسن بسكون بالقرب من موقد الشاي. ألفة مشاهد تكرّست في المحترف الفني العراقي وقتئذ، بأثر هيمنة موضوع المكان المحلي، بوصفه هوية في اللوحة، والذي استحضره الفنانون الرواد وتمثلوه بصياغات تشكيلية مختلفة في أعمالهم.

كان جلّ الجيل الستيني في القرن الماضي من فناني العراق، الموعودين بالتجريب بعد ذلك، قد انطلقوا من تلك البدايات، لكنهم سيتمرّدون على تلك الموضوعات بعد سنوات من إعدادهم الفني، وتشكيل جماعات فنية تنم عناوينها عن أدوار مغايرة للفنان ومهمات رافضة في العمل الفني، مثل جماعة “الرؤية الجديدة” و”جماعة المجددين”. وحدها سعاد العطار المنتمية لذلك الجيل، أبقت على تمثيلات خبرتها الأولى. كانت انتقالاتها في العمل الفني صبورة ووئيدة، وتحولاتها المصاحبة تحدثها بدواعي هناءة إلهامها الخاص ووفق انشغالات بموضوعات تستجدّ لديها. مرة في صورة مدينة لا تظهر منها سوى عمارة في طورها إلى التلاشي مؤلفة من أقواس وأبواب ونوافذ، ومرة ثانية في حدائق فردوسية خالية إلا من نباتات مخلّقة ومزهوّة بتنويعات لونها الحيادي.

لم تمارس التجريد، ولم تدّع رؤية غريبة عنها بدواعي التجديد والتجريب والتعالق مع اتجاهات الحداثة المكرسة. هي نفسها في لوحاتها، تختبر عاطفتها الأولى على شكل مشاهد مستقلة بحساسيتها، وانغمارها في ابتكار أمكنة تسكنها الوداعة وتجلّيات أحلام عاطفية حميمة. تصف سعاد بأن طبيعة مرجعيتها الجمالية في العمل الفني تتشكل بفعل استحضارها لأطياف بلدها الأصلي “طيف التراث والتاريخ وطيف الفضاءات الجميلة التي ترقد في العراق”.

تجاربها الأخيرة يهيمن عليها حضور للمرأة البراق، للجسد المجنح، بقايا من صفات لإلهة الحب عشتار، أو لحارس أسطوري في معبد آشوري

ولدت في العام 1942، وحصلت على دبلوم رسم من كاليفورنيا عام 1960، تخرجت في كلية البنات عام 1964، لتتمّ دراستها باختصاص فن الحفر في كلية ويمبلدون للفنون والكلية المركزية للفن والتصميم بلندن. سعاد العطار من أوائل الفنانين العرب الذين شاركوا في المعرض السنوي للأكاديمية الملكية للفنون. أقامت العشرات من المعارض الشخصية في بلدان عربية وأجنبية، وتحصلت على العديد من الجوائز منها، في بينالي لندن، القاهرة، البرازيل، مالطا.

الهجرة عن المكان

هي أيضا، من أوائل الفنانات العراقيات مع، نزيهة سليم، نزيهة رشيد، وداد الأرفة لي، حياة جميل حافظ، نهى الراضي، عبلة العزاوي، ليلى العطار، بتول الفكيكي، اللائي عززن حضورهن منذ ستينات القرن الماضي، في معارض جماعية للفن العراقي كانت تقام في بغداد وتعرض في دول أخرى. لكنها تميزت عنهن بتشييد رؤية خاصة لم تماثلها تجارب الفنانات من جيلها.

أبقت العطار فعل الرسم حاضرا بقوة في لوحاتها، ولجهة عناصره الأساسية التي تستدعيها الدربة والاحتراف. ثمة خط يعيّن حدود المفردات التصويرية والأشكال، سواء كانت زخرفية مجردة أو تشخيصية على قدر من التحوير، بأثر خبرتها في فن الحفر، فيما ستكون الألوان متدرّجة في تناغمها، وهي غالبا أحادية توحي بصفة من الحلمية التي تحتوي فضاء لوحاتها، أو ستستعين بترف لوني في إنجاز لوحات تشابه منمنمة عباسية. كانت تكويناتها ومفرداتها التشكيلية على الرغم ممّا تدعيه من خفة إلا أنها تؤسس لسطح تصويري يتمتع بصلابة الرؤية.

كتب عنها الأديب الراحل جبرا إبراهيم جبرا “كان البستان لفترة ما موضوعها المفضل: فكانت أوراق الأشجار الكثيفة توحي بترف فردوس شخصي، حيث الطيور لها وجوه نساء، ولكن سرعان ما تحول البستان إلى غابة هوجاء، تندلع أشجارها باللهيب. وحتى المدينة تحولت إلى ضرب من الغابة”. ما بعد ثمانينات القرن العشرين، طورت سعاد نموذجها الفني القائم على الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، المولعة بحساسية زخرفية، وتفاصيل صغيرة، تقربها للمنمنمة العربية الإسلامية، باستخدامها للحس التزييني ووفرة الأشكال النباتية، أوضاع يكون فيها الرجل ملاصقا لوجود المرأة. تنبئ لوحاتها تلك عن ولع بالحكاية وعن سرد تقوم به الأشكال لقصص توصّف غموض إلهام شخصي، وحيث المشهد التصويري هو بمثابة تفسير لأحداثها. أعمالها تلك كانت تتيح، أيضا، حرية تصورها وتأويل موضوعتها من قبل المتلقي.

الأديب والناقد الراحل جبرا إبراهيم جبرا كتب عن العطار يقول "كان البستان لفترة ما موضوعها المفضل: فكانت أوراق الأشجار الكثيفة توحي بترف فردوس شخصي، حيث الطيور لها وجوه نساء، ولكن سرعان ما تحول البستان إلى غابة هوجاء، تندلع أشجارها باللهيب. وحتى المدينة تحولت إلى ضرب من الغابة"

الشكل العاطفي

في لوحتها “غنّ لها حتى تنام الكلمات” التي حمل عنوانها بيتا شعريا، ثمة مشهد لعاشقين يضطجعان في فضاء شديد العتمة تحف به نباتات خضراء مختلفة. يستدعي هذا العمل تمثل عشتار في عالمها السفلي، لكنه يحيل أيضا إلى تخيل حكاية تحتفي بموضوعة حب بين رجل وامرأة. عبر هذا الانشداد العاطفي الذي تصرّح به سعاد العطار، في أنها رغبت دوما بأن تعبّر “عن ذلك الخيط الخفي الذي يتعدى مستوى الغرائز الإنسانية تلك العلاقة التي تربط المرأة بالرجل منذ قديم الأزل”.

مثل تلك الأشكال العاطفية ستعيد تكرارها على نحو تغيب فيه تعينات المكان وترفه اللوني. موضوع ستختفي فيه الحكاية، إلاّ من وجود جسد رجل يلتحم مع جسد الأنثى في فضاء مجرد، خال، إلا من تناغمات لون أحادي، يتدرج بين ضوء وعتمة. وجود دائم تصنعه تداعيات ما هو وجداني وذاتي، متسما بالسكينة والصمت. في تجاربها الأخيرة، سيكون ثمة حضور للمرأة البرّاق، للجسد المجنّح، بقايا من صفات لإلهة الحب عشتار، أو الحارس الأسطوري لمعبد أشوري. ذلك الهائم في غمامات من الضباب، يحدق إليه وجه وحيد لرجل. وكأن الحلم لدى الفنانة لم يعد فكرة بل بات بذاته جسدا طائرا يحلق في فضاء غريب ومجهول.

لم تعلم سعاد العطار أن حلمها هذا لا يكمن في أرض أخرى، بل هو ذاته ماثل في المكان الذي غادرته.

13