سعاد خليل: المسرح الليبي يعيش أسوأ حالاته

الفنانة المسرحية الليبية ترى أن مسرحيات المنصات الرقمية ليست مسرحا.
الأربعاء 2020/11/25
المسرح لا يموت

المسرح فن جماعي يحتاج إلى تضافر الجهود بين القائمين على إنجاز العرض وسط الركح وخارجه، كما يتطلب أيضا بنية تحتية ومناخا من الحرية. وبغياب عنصر من هذه العناصر يبدو إنجاز عمل مسرحي أمرا بالغ الصعوبة. وهو ما يعانيه المسرحيون الليبيون في ظل الوضع المضطرب. “العرب” كان لها هذا الحوار مع المسرحية الليبية سعاد خليل حول واقع الفن الرابع في ليبيا.

سعاد خليل، فنانة مسرحية ليبية بدأت حياتها الفنية منذ ما يزيد عن 40 عاما. لها العديد من الأعمال في التلفزيون والراديو، إلا أن المسرح هو عشقها الأبدي كما تصفه.

تمنحها المونودراما مساحة أكبر لإظهار إمكانياتها كفنانة مسرحية. تقول “أنا عاشقة للمسرح بكل مناهجه ومدارسه ولكني تعمقت في المونودراما وأتقنها. فهي تجعلني أقدم كل الشخصيات في شخصيتي. أنا المسؤولة عن إيصال الفكرة والحوار والجسد والإيماءات وتعابير الوجه، لذلك من يقوم بأداء المونودراما يجب أن تكون لديه مقدرة عالية في الأداء والحضور القوي على الخشبة حتى يتمكن من السيطرة على الجمهور، ليتابعه دون ملل وبكل تركيز. الفنان هنا هو من يملك الخشبة”.

تجارب صعبة

تجيد سعاد خليل تقديم أدوارها المسرحية ببراعة، وهو ما تؤكده في جل أعمالها المسرحية التي نذكر منها: حنين الليل، طاجين ليلة صيف، طاحن هدوب الليل، اللعب على حجم الصدفة.

وتشير الفنانة إلى أن هناك علاقة وطيدة بين الفن والكتابة، والترجمة إضافة إلى القراءة، لافتة إلى أن المسرح يعني لها الكثير وتصفه بعشقها الأبدي الذي من خلاله تمارس طقوسها وتجسد معاناتها وما تحب، فهو الملاذ الدائم ومنه أحبت الكتابة وتعمقت كثيرا في القراءة لإيمانها أن الفنان يجب أن يكون مطلعا وملمّا بكل الاتجاهات الفكرية والفلسفية، فالمعرفة والاطلاع وتعميق الثقافة تزيد من إيضاح الرؤية. كل هذا يعطي فوائد للفنان في مجاله. بمعنى أن تكون هناك تغذية فكرية ثقافية فنية منها يستوعب الفنان ماهية رسالته.

وتتابع خليل “الكتابة جاءت بعد المسرح وهي متصلة اتصالا كليا بالترجمة. بداية كنت أترجم المقالات والدراسات وكلها في المجال الثقافي الذي يزيد من معرفتي المسرحية بالدرجة الأولى ثم أصبحت أبحث في الفكرة والموضوع الذي علي أن كتبه، ثم أنشره في الصحف والمجلات”.

المسرح عرض حي يكون فيه الممثل في مواجهة جمهوره الذي يشعر به ويتفاعل معه خلال العرض

وتضيف “أما الترجمة فهي حالة خاصة بها تزداد معرفتي بأدب الآخر. الترجمة بحد ذاتها فن. أرى نفسي عاشقة فن بكل تفاصيله من إبداع في الفرجة والتميز في الترجمة، لأني أمنحها من ذاتي وروحي وأسلوبي الخاص في الكتابة، إذن الكتابة والترجمة لهما علاقة بتكويني الذهني والثقافي. وباختصار المسرح يمنحني الاستقرارالنفسي والترجمة تطلعني على معاناة الآخر والكتابة تهبني التنفس والإفصاح، إضافة إلى القراءة. لا يمكنني فصل الفن عن القراءة والكتابة والترجمة”.

في مسرحية “عمتي ونيسة” وظفت الفنانة خرافة أم بسيسي كنوع من الرمز لما يحدث في ليبيا من نزوح وحرب وفقد. إن كان توظيف الموروث الشعبي هو التأكيد على هوية مسرحنا الليبي، تقول “مسرحية ‘عمتي ونيسة‘ قدمتها العام 2015، في أصعب الظروف التي مرت بها مدينة بنغازي من قتل وتهجير ونزوح وهنا أحيي الكاتب المسرحي أحمد إبراهيم الذي كتب هذا العمل مخصوصا لي، وأنا قدمت الدور بكل ما في نفسي من حزن وقهر ومعايشة للأحداث الصعبة، من جانب آخر تم توظيف خرافة أم بسيسي، وهي حدوتة شعبية من التراث الليبي، مع الحبكة والخط الدرامي للمسرحية. ومع الأسف المسرحية لم تنل نصيبها في العروض، فقد عرضت ثلاث مرات فقط”.

وترى سعاد خليل أن توظيف التراث الشفهي والشعبي في المسرح مهم جدا. تقول “نحن نملك إرثا ثقافيا كبيرا يمكننا الاعتماد عليه في أعمالنا وعلينا العودة إلى حقولنا الخصبة في تراثنا الأدبي والشعبي وتوظيفها لتشكل هويتنا الحقيقية وإدخالها إلى العمل المسرحي ليحقق انطلاقته بشكل جديد، فما يحمله هذا التراث الفني من أهم عوامل الوحدة والاتصال الذي لا ينقطع أي ربط الماضي بالحاضر. هنا لا أقصد أن ننغلق على الذات وإنما من أجل التواصل مع الآخر ومن أجل النبش والحفر لإثبات هويتنا مع الحرص على عدم انقطاع المسرح عن العصر، ولكن علينا ألا نفصل الحاضر عن الماضي والحداثي عن التراثي حتى يخرج مسرحنا من أزمته. أزمة النص على الأقل”.

المسرح الليبي

Thumbnail

تصف سعاد خليل المشهد المسرحي الليبي في ظل الظروف المعيشية والسياسية المعقدة بالصعب، تقول “رغم ما طرح من الحلول لتقديم العروض المسرحية من خلال المنصات الرقمية إلا أنني أعتبر ذلك ليس مسرحا، فالمسرح هو العرض، هو الممثل ومواجهة جمهوره الذي يشعر به ويتفاعل معه في سماء العرض. وهذا شعور يشعر به الفنان على الخشبة بعيدا عن البدائل، ومهما بلغت التقنية فلن تصل إلى لحظة الاندماج الكلي للاثنين”.

وتضيف “في بنغازي لدينا إصرار كامل رغم الظروف القاسية التي نمر بها على تقديم أعمال جديدة حتى لا يموت المسرح فهو يحتضر في ظل إغراءات التلفزيون وعدم توفر المناخ والظروف. من فترة قصيرة اختتمت التظاهرة المسرحية السابعة لكليات جامعة بنغازي وكنت ضمن لجنة التحكيم كل هذا في ظل هذه الظروف التي نعيشها، زد عليها عدم وجود مسرح للعرض ما ساهم في ركود الحركة المسرحية، فالمسارح حاليا باستثناء المسرح الشعبي كلها غير مهيأة للعروض من جميع النواحي”.

وتؤكد خليل أن أزمة الفرق الليبية متشابهة، حيث هناك أزمة مقر، وأزمة دعم، وأزمة نص، وأزمة مناخ مناسب للعمل، وأزمة دورات تكوينية، وأزمة كليات، وأزمة تقنيات، أزمة مسؤولين لا يعون أهمية المسرح. والأهم أزمة وطن مستقر وآمن حتى يستطيع الفنان أن يعمل دون التفكير في احتياجاته ومتطلباته الحياتية.

وبحسب الفنانة فالمسرح الليبي لا يختلف عن الإنسان الليبي البسيط الذي لم ينتعش أو يعش الحياة المناسبة في وطنه. فمنذ بداياته وهو يعيش أسوأ حالاته، بدليل أنه لم يتم إنشاء أكاديميات أو كليات أو معاهد خاصة بهذا النوع من الفنون، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، وهي حالة تعتبرها عامة، المسرح دائما نقيض للسلطة وهنا تعني المسرح بأهدافه الكبيرة وتقصد المسرح الهادف الذي يقدم النقد اللاذع والمناقشة الساخنة فهو دائما محارب وخصوصا في وطننا العربي.

نسألها: هل عاش المسرح الليبي عصرا ذهبيا؟ فتقول “كان المسرح ولا يزال في آخر اهتمامات الجهات المسؤولة. ربما في فترة سابقة عاش بعض النشاط الذي لم يستمر كون كل المسؤولين الذين تداولوا على السلطة لا يدركون أهمية المسرح واحتياجات المواطن لهذا النوع من الفنون”.

ونسأل سعاد خليل إن كان يمكن اعتبار مسرحية “وطن” (1908) لمحمد قدري المحامي الانطلاقة الحقيقية للمسرح الليبي؟ فتجيبنا “عام 1908، عرضت مسرحية ‘وطن’ وكانت بمناسبة إضراب عمال الميناء على إنزال حمولة الباخرة النمساوية نظرا إلى ضم جمهوريتي البوسنة والهرسك الإسلاميتين إلى الإمبراطورية النمساوية هذه المعلومة المتوفرة فقط، المخرج محمد قدري هو محام جزائري الأصل من مواليد طرابلس والكاتب الشاعر محمد نامق كمال وهو شاعر تركي كبير والنص كتب باللغة التركية والممثلون هم اليوز باشا خيري وسترببير خانم. بهذا أعتقد أن العرض ليس ليبيا، وآسفة على قول هذا، فأنا أعتبر المسرح الليبي بدأ ما بين عام 1928 و1930،على يد  محمد عبدالهادي. أما إذا كنا نريد أن نذكر العروض المسرحية الوافدة فهي كثيرة ولكن ليست ليبية”.

15