سعاد مردم بك ترسم الواقع الأليم بعيون حالمة

استضافت قاعة “الزمالك للفنون” في القاهرة معرضا لأعمال الفنانة السورية سعاد مردم بك تحت عنوان “خلينا نحكي”، والذي ضم مجموعة كبيرة من أعمال الفنانة المرسومة على مساحات متفاوتة الأحجام، حيث اختزلت مردم بك ملامح فضفاضة لعالم خيالي، مستعينة بمخزون الذاكرة البصرية وألوانها المنتقاة بعناية إلى جانب شخوصها التي تحتل الجانب الأكبر من مساحة الرسم.
الجمعة 2017/02/10
دمى الألم والأمل

تتميز أعمال سعاد مردم بك التي عرضت في قاعة “الزمالك للفنون” بالعاصمة المصرية القاهرة بنسق لوني خاص يمزج ما بين الألوان الصريحة والدرجات اللونية المحايدة، مع ميل إلى الدرجات البنيّة والرمادية، حيث تعطي الأولوية في أعمالها للمساحات المرسومة باللون الواحد، بعدها تتجه إلى إضافة الألوان الصريحة بدرجات تنتقيها بعناية.

تخط الفنانة السورية بالفرشاة وتؤلف تأثيرات قريبة الشبه بـ”تهشيرات” الجدران القديمة، وتستعين بأجزاء من الأقمشة الملونة لإضفاء نوع من الملمس على سطح العمل.

الوجوه في لوحات مردم بك تتميز بالعيون الواسعة ذات النظرة الحالمة والبشرة السمراء ذات الملامح الشرقية، كما تتسم تكويناتها بالاستخدام المتعمد والظاهر لتأثيرات الأقمشة الذي نراه في معظم الأعمال المعروضة.

تلف هذه الأقمشة الفضفاضة أجساد الشخوص المرسومة بزخارف هندسية و”تهشيرات” لونية، تتداخل مع ملامس الأسطح التي تجيد الفنانة توظيفها بمهارة.

كان اهتمام مردم بك في بداية مشوارها الفني متجها نحو رسم مشاهد الطبيعة الصامتة، ولها مجموعة من اللوحات المستوحاة من الرقص الصوفي رسمتها في فترة مبكرة، بعدها اتجهت إلى رسم البورتريه، ليحتل العنصر البشري لسنوات الجانب الأكبر من تركيب اللوحة لديها. والشخوص في لوحات مردم بك عادة ما تتمتع بحالة من السكون والروحانية في ملامح عذبة ورائقة وخالية من القلق والتوتر.

ومع ذلك، استحال هذا الهدوء الذي سيطر على أعمالها عبر تجاربها السابقة إلى حالة من الألم والحزن في عدد من اللوحات التي عرضتها تباعا في نفس القاعة على مدار سنوات، ففي تلك الأعمال استحضرت الفنانة مشاعرها الذاتية تجاه ما يحدث لوطنها (سوريا) من تمزق واقتتال، شاعرة بالأسى على ما وصل إليه الحال اليوم.

سعاد مردم بك: أميل في لوحاتي إلى مزج المشهد البصري بشيء من الفانتازيا

وكان الطفل السوري أكثر ما أثار ألمها في تلك الظروف الموجعة، لم ترسم سعاد أطفالا بين أنقاض المباني، كما لم تستدع صور الدمار والألم والصراخ التي تطل علينا عبر الشاشات في الليل والنهار، بل اتجهت إلى رسم مجموعة من الدُمى، وهي دُمى محطمة ومبتورة الأطراف، دُمى جريحة وممزقة.

كانت هذه الدمى بهيئتها تلك هي وسيلة الفنانة للتعبير عن مأساة وطنها، فحين يترك الطفل بيته الذي عاش فيه ويتحول إلى لاجئ ضمن الآلاف والملايين من اللاجئين يدع كل شيء وراءه: متعلقاته الخاصة، كتب الدراسة، أصدقاءه وجيرانه وألعابه المحببة.

هذه اللعب التي تركها الأطفال وراءهم تحولت في أعمال الفنانة سعاد مردم بك إلى كائنات شبه بشرية تشعر وتتألم وتحس بالوحدة وتفتقد أصحابها، وها هي تعود من جديد في معرضها الأخير “خلينا نحكي” أكثر تمسكا بأسلوبها الذي يمزج بين الواقع والخيال، وإن بدا خاليا من البهجة التي ميزت أعمالها الأولى.

ترسم مردم بك الشخوص في تشكيلات ثنائية وجماعية، وتبدو أكثر اهتماما بالتفاصيل والعلاقات البصرية بين المساحات اللونية، أشخاصها يتحركون في سكون، أو يجلسون في دلال ووهن، فتياتها ينثرن الحكايات، ويتبادلن النظرات، ويتطلعن إلى المستقبل بعين وجلة.

وعن تأثير إقامتها الطويلة في مصر على أعمالها، تقول مردم بك “أزعم أن لي طريقة في توظيف هذا التأثر بشكل غير مباشر أو صريح، أنا أحاول التعمق أكثر في ما وراء الصور والأشكال حتى لا أقع في شبهة الترجمة الحرفية أو المباشرة للواقع، وأسلوبي الذي أتبعه يساعدني على هذا الأمر، فلا أستطيع أن أحيل أي من العناصر الموجودة في أعمالي إلى زمان أو مكان مُحدَّديْن، فهي تمثل مزيجا من كل مشاهداتي البصرية وثقافتي ومعرفتي وحتى أحلامي وأوهامي أيضا”.

وحول تأثير دراستها للفلسفة على أعمالها، تقول الفنانة “أنا لا أزعم أن هناك بعدا فلسفيا في أعمالي التي أرسمها، هناك فقط الموسيقى وعلاقة متكاملة بنيت على دراسة الفكرة وكيفية معالجتها بالخط والتكوين والألوان المستخدمة، أنا هنا أحاول فقط التعبير عن هذا العصر والمحيط الذي أعيش فيه، فهو على ما أعتقد يمثل الهم الأكبر للفنان، لكني أيضا أميل إلى مزج المشهد البصري في اللوحة بشيء من الفانتازيا، وهو ما يضفي عليه نوعا من الغموض أحيانا”.

17