سعدالله آغا القلعة موسوعي يخدم الأغاني على نهج الأصفهاني

السبت 2018/02/03
سعدالله آغا القلعة وزير وعالم رقميات وباحث وعازف يواصل مشروعه النهضوي

لا يقدم الزمن كثيرين ممن يمتلكون مواهب عديدة واهتمامات ثرية يعملون فيها جهدهم وأبحاثهم مهما كانت صعبة ومعقدة. شخصيات امتلكت نواصي العلم والفن والإدارة، بفضل جوانب خاصة كتلك الجوانب التي انطوت عليها شخصية سعدالله آغا القلعة السوري.

كثيرون قالوا إن توليه حقيبة السياحة وزيراً، سيقتل فيه الأبعاد التي أحبوها، ويخمد جذوة الطاقات الهائلة التي ظهرت في برامجه وأبحاثه. لكن آغا القلعة برهن على أن للإبداع آفاقا لا حدود لها، واستمر رغم مضي سنوات طويلة على ابتعاده عن الموسيقى التي عشقها وتولع بها بحكم ولادته في مدينة الموسيقى والطرب.

ابن فؤاد رجائي آغا القلعة، طبيب الأسنان والباحث الذي قدم أبحاثا موسيقية هامة، وأسس على نفقته معهد حلب الموسيقي، ولد في حلب عام 1950، وكان صاحب توجه فني وعلمي مبكر. درس الموسيقى في ذات المعهد الذي أسسه والده، ثم صار مدرسا فيه. وبالتوازي درس الهندسة المدنية في جامعة حلب، ثم أوفد إلى فرنسا ونال درجة الدكتوراه منها، ليعود مدرسا في كلية الهندسة بجامعة دمشق.

في مدرجات جامعة دمشق العتيقة درّس آغا القلعة لطلابه مقررات عديدة، كبرمجة الكومبيوتر والإحصاء وحسابات الشبكات وبناء الخرائط، مقدما العديد من الكتب مثل “البرمجة ومعالجة المعلومات” و“الجيوديزيا”.

وبفضل اهتمامه المبكر بالتكنولوجيا والإنترنت، كان آغا القلعة أحد مؤسسي الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية، قبل أن يجري تكليفه بالوزارة في العام 2001. استمر في منصبه ذاك مدة عشر سنوات، قدم خلالها العديد من الأعمال، مثل “أطلس سورية السياحي” وصدر باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، وهو كتاب يتضمن الخرائط السياحية التفصيلية لسوريا، إضافة إلى فهارس أبجدية كاملة، ونصوص حول أهم المواقع السياحية والأثرية.

قدم آغا القلعة كذلك “أطلس دمشق السياحي” وهو كتاب يضم خارطة سياحية تفصيلية للعاصمة، وخارطة أخرى لدمشق القديمة، مع نص كامل عن تطور المدينة عبر التاريخ، مدعم بالفهارس والصور، إضافة إلى مجموعة خرائط باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية.

مشروع آغا القلعة الجديد

ألف المشاهدون السوريون والعرب منذ العام 1985 مشاهدة برامج آغا القلعة التلفزيونية التي انصبت على الموسيقى العربية، والتي أظهر فيها أسلوبا جديدا ومتميزا في تقديم مادة تحليلية موسيقية، معتمدا على أحدث نظم التقانة والكومبيوتر.

كانت أبحاثه شديدة الغرابة، لأنها تستعمل التقنية في معالجة الفن، وهو ما لم تعتده الذهنية العربية حينها. لكنه وصل إلى أماكن في التحليل والتصنيف لم يسبقه إليها أحد، وحقق من خلال العديد من البرامج التي بثتها العشرات من القنوات التلفزيونية العربية الكثير من الشهرة التي جعلته أحد أعلام النقد الموسيقي العربي.

ومؤخرا أطلق آغا القلعة مسابقة “الملحنين الواعدين” على شبكة الإنترنت، وقد بلغ عدد المشاركين فيها حتى اللحظة 60 ملحنا من أنحاء العالم العربي. في هذه المسابقة يحاول الباحث الموسوعي أن يتجه بهؤلاء الملحنين الموهوبين نحو تحقيق نهضة موسيقية عربية جديدة.

تراث كبير من المؤلفات والدراسات يسجل لآغا القلعة، كبرنامجه "العرب والموسيقى" و"كتاب الأغاني الثاني" وغيره من الأعمال

لآغا القلعة العديد من المؤلفات والدراسات الموسيقية من بينها برنامجه “العرب والموسيقى” الذي حقق ثلاثمئة ساعة تلفزيونية، و”كتاب الأغاني الثاني”، على نهج كتاب “الأغاني” للأصفهاني، والذي أنجز منه برامج “عبدالوهاب مرآة عصره”، و”أسمهان”، و”فريد الأطرش”، و”نهج الأغاني”. كما قدم أبحاثا موسيقية منها “نظرية الأجناس الموسيقية المتداخلة” المقدم لمؤتمر القاهرة للموسيقى العربية عام 1992.

وكذلك “الموسيقى العربية وعلاقتها بالحاسب الإلكتروني” في مؤتمر القاهرة عام 1996، و”المعالجة بالموسيقى عند العرب”، وبحث “التجريب في مسرحة الموسيقى العربية عند سيد درويش”، ودراسة “مستقبل الموسيقى العربية” التي ألقيت في البحرين خلال فعاليات يوم الموسيقى العالمي 1994، و”الموسيقى في بلاد الشام “، و”أثر الصورة في تطور الأغنية العربية السينمائية”، وأخيرا محاضرته “نحو استراتيجية قومية لموسيقى عربية مستدامة في ظل التحولات التكنولوجية والإعلامية التي يشهدها العالم”.

“العرب” التقت آغا القلعة وسألته عن زمن ما بعد عصر النهضة الموسيقية العربية الحديثة، التي انتهت منذ ما يقارب الأربعين عاما. إذ بعد رحيل معظم صناعها في مصر وغيرها، دخلت الموسيقى والغناء العربي مرحلة “لا إبداع” حقيقية في معظمها، بل وصلت أحيانا إلى درجة الإسفاف خاصة بدخول العامل البصري في الفيديو كليب الذي أوصل الموسيقى العربية إلى الهاوية. وضمن هذا الوضع الكارثي، أي آفاق يراها آغا القلعة لمسابقة الملحنين الواعدين التي أعلن عنها؟

يقول الباحث المخضرم لـ“العرب” إن مسابقة الملحنين الواعدين “جزء من مشروع متكامل، يسعى للتأسيس لنهضة موسيقية عربية جديدة، عملت عليه منذ سنوات طويلة، من خلال برامجي التلفزيونية عن الموسيقى العربية التي عُرضت في ذلك الوقت على أغلب المحطات التلفزيونية العربية. وقد سعيت فيها، وقتها، لكشف مكامن الإبداع كما تطورت في عصر النهضة الموسيقية العربية التي شهدناها في القرن العشرين”.

يضيف آغا القلعة “كنت أتابع العمل على هذا المشروع خلال السنوات الأخيرة، مستفيدا من تطور وسائل التواصل الاجتماعي، ومنطلقا من أن الفضائيات العربية أثبتت في السنوات الأخيرة أن العالم العربي لا يفتقر إلى الأصوات الشابة الجميلة التي تستطيع أداء أصعب أغاني التراث الموسيقي العربي، في يسر وسلاسة، ومن أن هذا الواقع أثبت

بالمقابل أيضا أن تلك الأصوات سرعان ما تغيب في مسالك الألحان المسطحة، إذ تفتقد الملحنين والمؤلفين الواعدين، القادرين على توظيفها، للتأسيس لنهضة موسيقية عربية جديدة”.

يؤمن آغا القلعة بأنه لا يمكن التأسيس لأي نهضة من خلال الأصوات فقط، لأن الأصوات التي يهتم الجميع بإبرازها لا تصنع الإبداع بل تحرضه، شريطة أن يكون موجودا، ولذلك كما يقول “فإننا نلاحظ أن الأصوات سرعان ما تختفي، إذ تفتقد المبدع الذي يقدمها في الحلة المناسبة، وتفتقد توفر مجموعة من الملحنين الموهوبين، لكي تحرض تلك الأصوات تنافسهم. ونحن لو تتبعنا فترة النهضة الموسيقية العربية في القرن العشرين لوجدنا مثلا أن أم كلثوم وأسمهان وفيروز وعبدالحليم، على سبيل المثال، حرضوا مع غيرهم من الأصوات تنافس الملحنين المبدعين. ولكن تنافس محمد عبدالوهاب ورياض السنباطي وفريد الأطرش ومحمد القصبجي وزكريا أحمد وبليغ حمدي ومحمد الموجي وغيرهم، هو الذي أسهم في ولادة النهضة الموسيقية، استنادا إلى تراث أسهم صباح فخري مثلا في حفظه وتقديمه بصورة معاصرة”.

أبحاثه الموسيقية عديدة

استمرار توالد الألحان

الإبداع، كما يقول آغا القلعة، لا ينشأ بمفرده، وتوفر الأصوات ليس إلا “شرطا لازما غير كاف، كما نقول في الرياضيات”. ويبدو أن المسابقة التي طرحها آغا القلعة تبتعد عن الشكل الذي يقدم في القنوات الفضائية العربية اليوم، والتي تعنى ببرامج الهواة، كونها موجهة إلى الملحنين وليس إلى المغنين، وكذلك لعدم اهتمامه بطرحها من قبل قناة ما.

وعن هذا يقول “في البداية طرحت السؤال التالي: كيف يمكن أن نتأكد من وجود ملحنين ومؤلفين موسيقيين وعازفين شباب، مستلهمين إبداعات الكبار ومجددين من خلالها؟ وهل هناك من وسيلة لمقارنة نتاجهم في حال وجوده، مع عناصر الإبداع الموسيقي العربي، كما تطورت في عصر النهضة لاكتشاف مدى تحقيقه لاستدامتها؟”.

يجيب بنفسه على سؤاله “ركزت جهودي أولا على توفير نموذج مقارن أعرضه على صفحتي على موقع فيسبوك بشكل تلفزيوني يدمج الصوت والصورة، ويسمح للباحثين وللجمهور الذواق لاحقا باكتشاف مكامن الإبداع في الأعمال الغنائية والموسيقية الجديدة، وبقياس مدى اتساقها مع إبداع الكبار، وتطويرها له. وثانيا على إطلاق عملية استكشاف مزدوجة تؤدي إلى وضع ملحنين ومؤلفين وعازفين مميزين، مستلهمين لإبداعات الكبار، ومجددين من خلالها، ومغيَّبين لأسباب متنوعة، في دائرة الضوء، وتوجيههم بالتالي نحو التأسيس لنهضة موسيقية جديدة مأمولة”.

تؤدي عملية التفاعل مع الناس، وفقا لآغا القلعة، إلى استعادة الجمهور القادر على التمييز بين الغث والسمين، سواء أكان ذلك في الرصيد الموسيقي العربي أم في الأعمال المعاصرة، بعد أن أصبح هذا الجمهور هو الحكم في ما يراه أفضل وأكمل.

يشرح آغا القلعة آلية التحكيم من قبل الجمهور بالطريقة التالية “اعتمدت في تنفيذ المسابقة على صفحتي على موقع فيسبوك، بعد أن تجاوزت عتبة ربع مليون معجب ومتابع، يتزايدون يوميا، ونصفهم من الشباب، وبعد أن تمكن موقعي على الإنترنت من استقبال عشرات الآلاف من الزيارات شهريا، ما يؤكد اهتمام المجتمع العربي بتراثه الموسيقي، مستندا إلى أنني أرى أنه لا يمكن حصر الإبداع في زمان أو مكان، ولكن ما نفتقده هو الكشف عن هذه المو اهب”.

البحث عن داعمين نوعيين

انطلقت هذه المسابقة التي توظف الأساليب التكنولوجية الجديدة المعتمدة على النشر عبر شبكة الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي لاكتشاف هؤلاء الملحنين المغيَّبين وتشجيعهم، بغية وضعهم في دائرة الضوء.

أعمال التصفية الأولية انتهت وتم إعلان نتائجها، فيما تتابع مجريات المسابقة من خلال مرحلة تحضيرية توفر للملحنين مادة علمية تسهم في صقل معارفهم، وتركز على عناصر الإبداع التي أنتجتها فترة النهضة، ليجري الانتقال إلى مرحلة التسابق، والتي ستكون في ست مراحل، خصص لكل مرحلة قالب من قوالب الغناء العربي. وبالنتيجة، يضيف آغا القلعة “هذه ليست مسابقة فقط، وإنما تتضمن جهودا مكثفة لنقل المعرفة إلى الملحنين الواعدين ولصقل مواهبهم، علما بأن المسابقة تتضمن مشاركة للشعراء والأصوات التي ستشارك في تقديم الألحان الجديدة”.

الإبداع، كما يقول آغا القلعة، لا ينشأ بمفرده، وتوفر الأصوات ليس إلا "شرطا لازما غير كاف، كما نقول في الرياضيات" على حد وصفه

إن أي دراسة جادة للمراحل التي شهدها تشكل أي مركز إبداعي من مراكز الموسيقى العربية، وفقا لأبحاث آغا القلعة، تبين أن الإبداع لا ينجح فقط من خلال توفر المبدعين، إذ لا بد من التأسيس أيضا لمنظومة داعمة للإبداع. في فترة النهضة، كانت هناك شركات الأسطوانات وكان هناك مديرو برامج الإذاعة والأفلام السينمائية، وكلهم كان يسعى لاكتشاف المبدعين وتحريض تنافسهم.

كانت هناك شخصيات تدعم الفن والموسيقى، مثل أحمد شوقي وطلعت حرب في مصر، وفخري البارودي في سوريا، على سبيل المثال لا الحصر، كانت هي الرافع الأكبر للمواهب. كما كانت هناك معاهد موسيقية تهتم بالموسيقى العربية أساسا. لكن منظومة دعم الإبداع في ذهن آغا القلعة تتشكل من عناصر كثيرة لا بد من تجميعها وتنشيطها في المجتمع، دون أن ننسى أيضا دور الإعلام في عرض الأعمال الإبداعية، وفي توفير أدوات للجمهور، لكي يحكم بشكل أفضل على السوية الفنية للأعمال الغنائية والموسيقية العربية. إنها عملية معقدة ولكنها متكاملة، تجمع العناصر الأساسية في بوتقة واحدة؛ المبدعين والأصوات والجمهور والمنظومة الداعمة للإبداع. وإن تمكنا من تنفيذها، فإننا سنكون “قادرين فعلا على إطلاق نهضة موسيقية عربية جديدة” كما يطمح الأكاديمي البارز والوزير السابق.

وصية لم تنفذ

حازت أعمال آغا القلعة على العديد من الجوائز والتكريمات، فحصل برنامجه “عبدالوهاب مرآة عصره” على الكارتوش الفضي في مهرجان القاهرة للتلفزيون 1993. كما حاز بفضل تقديمه لبرنامج “أسمهان” على لقب أفضل مقدم برامج عربي، في استفتاء لمجلة الرياضة والشباب بدبي في يناير 1996، بينما حاز على الميدالية الذهبية لأفضل تقديم عن تقديمه لبرنامج “نهج الأغاني” في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون.

كذلك تم تكريمه في حفل افتتاح الدورة الثامنة لمؤتمر ومهرجان الموسيقى العربية في القاهرة أواخر التسعينات، وفي حفل افتتاح الدورة السابعة عشرة لمؤتمر ومهرجان الموسيقى العربية في القاهرة في نوفمبر 2008.

والمراقب لاهتمامات سعدالله آغا القلعة الأخيرة سيجد أن هموم العالم العربي لا تغيب عن بال الرجل، فها هو يجري بحثا معمقا لنشيد “موطني” الذي كتب كلماته الشاعر إبراهيم طوقان وينشره على صفحته وقناته على اليوتيوب. وليكتب بلغة الأستاذ المحببة الكلمات التالية “أتوقف اليوم عند نشيد موطني من كلمات الشاعر إبراهيم طوقان وألحان الأخوين فليفل. أدقق في الرسالة التي حمَّلها إياه ناظمه، وأسعى لتحديد السنة التي كتب ولحن خلالها، ومحرضات ذلك من الناحية الشعرية والسياسية، وعلاقة النص بإقامة الشاعر في بيروت طالبا في الجامعة الأميركية بين عامي 1923 و1929. وبحصول الشاعر على الإجازة في العلوم منها، وتواصله مع فنون الغرب نتيجة لذلك.. إنه برنامج عمل لوطن تحول بعد رحيل صاحبه المبكر، إلى وصية لم تنفذ!”.

12