سعدالله ونوس مسرحي يعترف بهزيمة جيله

الأحد 2015/08/09
ونوس توقع أن يحوّل الاستبداد مستشفيات سوريا إلى ثكنات

أيقونة المسرح السوري، صاحب “الملك هو الملك” و”الفيل يا ملك الزمان” و”الأيام المخمورة” وعشرات غيرها، حمل مشروعاً فكرياً تنويرياً مع رغبة بتغيير العالم، منطلقاً من موقف نقدي واع وعميق لمشكلات الأمة العربية ومؤسساتها السياسية والأمنية وبُناها الاجتماعية، كان “متشائلاً” بطريقته لكنه لم ييأس من إمكانية التغيير، وظل يسبر الماضي بحثاً عن تجارب ناجحة يمكن أن تساعد من يعيش في الحاضر على التغيير.

المسرحي الراحل سعدالله ونوس، استلهم نصوصه المسرحية من التراث العربي، ونبش في تحالفات السلطة والجلادين والمال ورجال الدين ضد الشعوب ومصيرها، وبحث عن شخصياته في القصور والسجون والأسواق والمواخير، ملوك ووزراء ورجال دين وبائعات هوى، واستفاد من مؤرخين يُراقبون ويُعلّقون داخل مسرحياته دون أن يتدخلوا في مجراها.

قدّم إضافة نوعية للفكر والأدب العربيين، وأغناهما بإبداعات مسرحية إنسانية سياسية وفكرية، دافع فيها عن قيم الحرية والديمقراطية والإنسانية والعدالة الاجتماعية، وأعاد دراسة أحداث تاريخية لتعرية الحاضر ونقد الواقع المعيش، واقتراح أفكاراً وقيماً تجعل الإنسان أكثر حرية ووعياً.

ابن البؤس والحرمان

سعدالله ونوس ولد في العام 1941 وعاش حتى العام 1997، من سكان ريف طرطوس الساحلية، من أسرة فقيرة عاشت سنوات وصفها ونوس بأنها “سنوات بؤس وجوع وحرمان”، حصل على منحة لدراسة الصحافة في القاهرة وأنهاها عام 1963 ثم عاد إلى دمشق.

عمل سعدالله في وزارة الثقافة مديراً للهيئة العامة للمسرح والموسيقى، وسافر إلى فرنسا ليدرس فنون المسرح في جامعة السوربون، وبعد عودته عام 1968 أسس مع شريكه وصديقه المسرحي الراحل فواز الساجر فرقة المسرح التجريبي بهدف تقديم مسرح وثائقي يساهم في اكتشاف مشاكل المجتمع وفهمها ويدعو إلى الإصلاح والتغيير، كما عمل مع مجموعة من المتحمسين للمسرح على إقامة مهرجان دمشق المسرحي عام 1969، والذي توقف بعد دورته الثامنة عام 1978 بسبب الأحوال السياسية الصعبة التي شهدتها المنطقة، ومنها الحرب الأهلية في لبنان، والقطيعة العربية مع مصر.

عمل على التوازي مديراً لمسرح القباني الذي تشرف عليه وزارة الثقافة ورئيساً للقسم الثقافي في صحيفة السفير اللبنانية، وساهم في إنشاء المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق ودرّس فيه، وكان رئيس تحرير لمجلة الحياة المسرحية التي تصدرها الوزارة أيضاً.

وكان أول مسرحي عربي يقوم بكتابة الرسالة الدولية في اليوم العالمي للمسرح “1996”، وتم تكريمه في أكثر من مهرجان من أهمها مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي ومهرجان قرطاج، وتسلم جائزة سلطان العويس الثقافية عن المسرح “1997”.

من أولى مسرحياته القصيرة “ميدوزا تحدق في الحياة” و”فصد الدم” عام 1963، و”مأساة بائع الدبس الفقير” عام 1964، وآخرها “منمنمات تاريخية” وبين تلك وتلك عشرات المسرحيات الأخرى من أهمها “سهرة مع أبي خليل القباني” و”حفلة سمر من أجل 5 حزيران” و”مغامرة رأس المملوك جابر” و”طقوس الإشارات والتحولات” و”الملك هو الملك” و”الفيل يا ملك الزمان” وغيرها.

اشتهرت مسرحياته بالنقد السياسي والاجتماعي للواقع العربي الراهن، وانتقد فيها الأنظمة السياسية العربية، والمفكرين العرب الذين يتملقون للسلطة، وكان من أوائل من طرح فكرة “تسييس المسرح” كبديل عن المسرح السياسي.

بعد عودته إلى دمشق من فرنسا أواخر الستينات يبدأ سعدالله ونوس مع شريكه وصديقه المسرحي الراحل فواز الساجر بتأسيس فرقة المسرح التجريبي بهدف تقديم مسرح وثائقي يساهم في اكتشاف مشاكل المجتمع وفهمها ويدعو إلى الإصلاح والتغيير

من التجريد إلى التجريب

لم يؤمن ونوس بالقوالب الجامدة للمسرح، كان مرناً يبحث دائماً عن وسائل أنجع لتطوير علاقة مسرحه بالمتفرج، وكرّس معارفه الفكرية لهذه الغاية، وطوِّر وجدِّد في الكتابة المسرحية، ووفق النقّاد، مرّت تجربته بأربع مراحل، كل مرحلة استندت إلى رؤية فكرية وسياسية جديدة.

الأولى مرحلة “المسرح الذهني الوجودي”، حيث كتب مسرحيات تصلح للقراءة لا للتجسيد على خشبة المسرح، توجه بها للقارئ لا للمتفرج، مثل “مأساة بائع الدبس الفقير”، “المقهى الزجاجي”، “لعبة الدبابيس”، “ميدوزا تحدق في الحياة” وغيرها، وتميزت مسرحياته هذه بالاندفاع نحو التجريد والإغراق في الرمزية، ربما بسبب التأثير غير المباشر للقمع والخوف الذين كانت تعيشهما بلده.

المرحلة الثانية “مرحلة التجريب” أتت بعد سفره إلى باريس، عندما كان المسرح الأوروبي في بداية تخلّيه عن أدواته التقليدية، فالتقى هناك برواد اتجاهات الحداثة في المسرح الأوربي ولم يجاريهم بل أخذ بنصيحة المخرج الفرنسي جان ماري سيرو الذي قال له “من الخطأ الفادح أن تبنوا مسارح على الطريقة الأوروبية، بوسعكم أنتم بالذات أن تساعدوا التجربة المسرحية على الخروج من الأشكال المتجمدة التي وصلت إليها في أوروبا”، فبدأ ونوس يستمد مضامين مسرحياته من التراث الشعبي العربي، واكتشف بأن المسرح أداة تغيير قوية وليس أداة ترفيه فقط، فخاض غمار المسرح السياسي دون أن يتخلى عن جماليات النص، وكتب “حفلة سمر من أجل 5 حزيران” و”الفيل يا ملك الزمان” و”مغامرة رأس المملوك جابر” و”الملك هو الملك”، وكلها تستحضر التراث والتاريخ وتأخذ بالأشكال المسرحية الجديدة وعلى رأسها الارتجال والجماعية وإشراك الجمهور في الحوار، وحقق الحوار الحي والمرتجل بين الخشبة والصالة، فكان كل عرض تجربة جديدة غير مكررة، فشكّل عبر مسرحه هذا قفزة نوعية في المسرح العربي.

المرحلة الثالثة كانت “مرحلة الخيبة والصمت”، حيث توقف ونوس عن الكتابة نحو عقد، منذ عام 1979 وحتى 1989، لم يكتب فيها شيئاً بسبب توالي الخيبات والهزائم العربية، وكانت سنوات للتأمل والمراجعة للذات وللتجربة، وإعادة لمحاكمة القناعات والأفكار ونقاط الضعف.

أما المرحلة الأخيرة فكانت “مرحلة العطاء”، حيث انساب قلمه في كتابة مسرحيات متتالية على الرغم من تفشّي المرض القاتل في جسده وسباقه مع الموت، مسرحيات قال عنها النقاد إنها جديدة ومدهشة وفريدة في تركيبتها الفنية ومناخاتها الأخّاذة، رحلات في المحرمات العربية، فمنذ عام 92 وحتى وفاته عام 97 كتب “هوامش ثقافية”، “منمنمات تاريخية”، “يوم من زماننا”، “طقوس الإشارات والتحولات”، “أحلام شقية”، “ملحمة السراب”، “الأيام المخمورة”، و”رحلة في مجاهل موت عابر”.

وجابه بمسرحياته التهميش الممنهج للثقافة بشكل عام وللمسرح بشكل خاص، وعرّى الحاضر من خلال الماضي دون أن يُقدّم تاريخاً، كما حاكى الواقع الحياتي اليومي والمعيشي، وكشف الفساد السياسي والأمني والديني والاجتماعي، وتغنّى بمعاني الحرية وكسر قيود الاستبداد العقلي والسياسي، وانتصر لقيم الخير والحق والجمال رغم قسوة الواقع، وأثار حفيظة رجال السلطة والأمن ورجال الدين، فمنعت دول كتبه ومنعت أخرى عرض أعماله.

الوصية والثورة
في عام 1997 توقف قلبه عن الخفقان عن عمر 56 عاماً بعد صراع استمر خمس سنوات مع السرطان، أبدى خلالها إصراراً عنيداً على إبعاد شبح الموت إلى حين إنجاز مشاريع مسرحية فكرية، ووُصِف رحيله بالمأساة الثقافية.

في وصيّته لابنته ديما “وجيلها” كتب “ليس في نيتي أن أقدم لكم أيّ وصية، أولاً لأني لا أملك هذه الوصية. ثانياً لأن أيّ وصية لا تبلورها التجربة والمعاناة هي نوع من اللغو والإنشاء. وكثيراً ما حلمنا أننا سنترك لكم زمناً جميلاً ووطناً مزدهراً.

لكن علينا أن نعترف ودون حياء أننا هزمنا وأننا لم نترك إلا خراباً وبلاداً متداعية”.

رحل ونوس قبل أن تبدأ الثورة السورية، بل قبل أن تبدأ كل الثورات العربية، ولا يعرف أحد كيف كان يمكن أن يكون موقفه منها.

استشراف المأساة

عمل ونوس في بيروت لكنه لم يتخل عن مسرح أبو خليل القباني في دمشق، وظل ينوس بين المدينتين، يكتب مسرحيات يستنطق فيها الحاضر ويحاسبه بأبطال الماضي، واسترجع بطريقته قادة عسكريين وفلاسفة وشعراء وعلماء اجتماع.

كان انتقائياً في اختيار أصدقائه، قائمة لا تنتهي من اليساريين والقوميين والعروبيين، الفنانين والإعلاميين والمفكرين، وكان معهم هادئاً يميل إلى الصمت، مستمعاً جيّداً يستوعب عصبية رفاقه وشكواهم الدائمة من الوضع السياسي في سوريا، يبتسم ويغرق في رحلة تفكير عميق.

تحدى أصحاب القرار، وانتقد عماهم عن رؤية الفقر والحاجة، ولم يسكت عن فسادهم وسرقاتهم، رفض الواقع العربي، وتمرّد على آليات النهضة، متأثراً بالنزعة القومية والتقدمية والاشتراكية، ووجد في المسرح وسيلة أكثر التصاقاً بالشعوب وبه، وسيلة أكثر تمرّداً وغرابة وثورية من الإعلام الذي عمل به، وصار المسرح هاجسه وقدره، وصارت مسرحياته ساحة لجداله الفكري وميداناً لصراع أفكاره.

لم يكن الرجل عرّافاً، بل ربما شخصاً بعيد النظر، أو قارئاً جيداً للتاريخ، أو عارفاً بخفايا بيت النظام، فقد توقّع ما يمكن أن يقوم به رجال النظام، وقال لأصدقائه بوقت مبكّر “إنهم” سيهدمون بيوتنا فوق رؤوسنا، ستُحرق الأشجار وتغور الأنهار، ستُدمّر السدود وتُنسف شبكات الكهرباء، لتعم العتمة ونُسحب إلى الجاهلية من رؤوسنا، سيغتالون حقول القمح، سيطلقون النار على الأحصنة ويرمون الخراف للذئاب، سيكسرون المصابيح لتسود العتمة، سيحوّلون المدارس إلى مقابر ويجعلون الجامعات سجوناً والمستشفيات ثكنات” وهو سيناريو جرى بشكل شبه حرفي بعد أن قرر الشعب أن يثور على ظلم مزّقه وأهدر كرامته ودمّر حاضره.

لم يدَّعِ الرجل أنه معارض شرس للنظام أو أنه مفكّر جهبذ، فهذا كله كان بعيداً عن تواضعه، ولم يتوهّم بحال المثقف العربي، وقال في رسالة شخصية “نحن المثقفين، سلطة ظل شاغلها الأساسي أن تصبح سلطة فعلية، أو أن تنال فتاتاً في السلطة الفعلية، إننا قفا النظام، ولسنا نقيضه أو بديله، ولهذا ليست لدينا طروحات جذرية، ولا آفاق مختلفة، والمراوغة تطبع عملنا وتشكل جوهر سلوكنا، يا للخيبة! ويا للحزن”.

كانت أعماله سبباً في وقوف الحكومة السورية موقفاً قاسياً منه حتى أنه مُنِع من الظهور في وسائل الإعلام السورية لفترة معينة، حتى أن ونوس قال في إحدى المقابلات التي أجراها بأن دمشق تقبلت بعض أعماله المسرحية على مضض، لا لشيء إلا لأن ذلك كان يشكل دعاية تساعد المسؤولين في إقناع الغرب بأن السوريين كانوا يتمتعون بحرية الرأي.

ونوس يستلهم نصوصه المسرحية من التراث العربي، وينبش في تحالفات السلطة والجلادين والمال ورجال الدين ضد الشعوب ومصائرها، باحثا عن شخصياته في القصور والسجون والأسواق والمواخير

لكن، بالرغم من موقف الحكومة السورية منه في تلك الفترة، إلا أنها ساعدته في الحصول على العلاج اللازم أثناء مرضه، كما سارعت إلى دعمه وترشيحه للحصول على جائزة نوبل في الآداب، لكنّ أصدقاءه يؤكدون على أنه رفض العرض الرسمي لإيفاده للعلاج في فرنسا، وأن صديقته نجاح العطار “الأديبة وليست المسؤولة الحكومية” هي التي أقنعته بقبول العرض، وأن ما دفعه لقبوله هو طمعه ببضعة أشهر إضافية من الحياة لإنجاز مسرحيات ومشاريع فكرية كان قد بدأها.

إشكاليات ونوس

قدّم ونوس تفسيرات شخصية لحِقب تاريخية ووقائع عاش العرب مرارة نتائجها، ففي “منمنمات تاريخية” ناقش حصار التتار لدمشق في عهد تيمورلنك، وانتقد موقف نخب المدينة السياسية والدينية والتجارية حيال هذا الغزو، وقال إنهم كرّسوا مفهوم الاستكانة للحفاظ على تفوقهم السياسي والمالي والاجتماعي، واتّهم فقهاء دمشق بمهادنة الغازي، كما وصف مواقف وآراء العلامة ابن خلدون بالاستسلامية والخانعة، والبالغة حد الخيانة، ويصوّره كمثقف للسلطة ينحاز للغازي لا المقاومة، ويقبل تحالف التجار ورجال الدين، وهو غير مألوف في كتب التاريخ التي تتغنى بنظريات ابن خلدون وإيجابياته دون أن تتطرق لمواقفه كإنسان، وهو ما أثار إشكالية، لكن النقاد قالوا إن الرجل لم يحاول تغيير حقائق التاريخ بل حاول من خلال مسرحيته أن يقول إن حرية الإنسان تبدأ بالبزوغ عند الإقرار بقدرته على الاجتهاد وعلى تجاوز ما عفا عليه الزمان.

إشكالية أخرى أخذها عليه النقاد والمثقفون هي عدم ثقته بالشعب، أو بالأصح تخوّفه من أيّ بديل عن النظام القائم، ففي مسرحية “الملك هو الملك” يروي قصة محاولة فقير القيام بانقلاب على الملك يمكّنه من الوصول إلى الحكم ليصبح أسوأ من سلفه، وفي حديث صحفي له قال “إذا كان الإنسان في بلادنا يرضع القمع مع حليب أمه، ويتغذى به، ويعيش تحت سطوته طفلاً ويافعاً وشاباً حتى النضج والكهولة والشيخوخة، فمن الطبيعي أن يتحول هذا المقموع إلى قامع مستتر”. لكن عدم ثقته بالبديل أو بالشعب يشفع له قوله في “الملك هو الملك” “ما من ملك يتخلى عن عرشه… إلا اقتلاعاً…”، وقوله في كلمة المسرح العالمي “إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ”.

8