سعدون جابر يغني ويتلبسه الخوف من المجهول

السبت 2013/08/17
صوت أرخ لتاريخ من الحنين

بغداد- أعادت قنوات فضائية عربية أخيرا بث أغاني سفير الغناء العراقي الفنان سعدون جابر بعد أكثر من عشرين عاما على طوق التعتيم الذي فرض على الإبداع العراقي، في حلقة ارتبط فيها السياسي بالفني!

ويبدو سعدون جابر الذي أرّخ بصوته لتاريخ من الحب والتساؤلات سفيرا فنيا بامتياز لموسيقى بلاده بعد ناظم الغزالي، فلم يكتف بنقل الغناء العراقي إلى أقصى صحراء المغرب العربي، منذ ثمانينات القرن الماضي، بل تفاعل مع الحس الخليجي والعربي في الغناء.

من ينسى مثلا "تسرق النوم مني" قصيدة حمد الشرقاوي وألحان يوسف المهنا، أو لحن عبدالرب إدريس لقصيدة الأمير بدر بن عبدالمحسن "أنا معك" و "رفعت الصوت" و"خوان مثل الزمن" اللتان لحنهما يوسف المهنا، أو قصيدة الأمير خالد الفيصل "ستل جناحه". كان يمتزج في كل تلك الأغاني الحس الخليجي بالروح العراقية الحزينة التي مثلها سعدون جابر في أدائه.

ومازالت الأصوات الشابة تعيد أغنية "بياع كلام" تلك الأغنية التي ابتكرت الحس الفني الخليجي بنص كتبه الشاعر الراحل فايق عبدالجليل ولحنها عبدالله الراشد، وأذيب في طور "المحمداوي" الريفي العراقي. كانت أغنية خليجية بامتياز وبطعم ريفي جنوبي عراقي.

سعدون جابر سافر بغنائه إلى المغرب العربي في تونس وليبيا والمغرب وحتى موريتانيا، الجمهور هناك يعيد أغنياته القديمة بحس ممزوج بالحنين، ولنا أن نتخيل أن إذاعة طرابلس الليبية أو صفاقس التونسية تبث أغنية "ما أرضى دمعة وي الكحل" وهي تعود إلى بدايات تجربة سعدون جابر، وهناك جيل عربي يتذكر مثل هذه الأغنية ويعيد الاستماع إليها.

وغنى بعدها لعبد الرحمن الأبنودي وألحان جمال سلامة وبليغ حمدي، في وقت لم تكن الفضائيات العربية تروّج للفنان، ولم تكن ثورة الاتصالات والإنترنت قد انطلقت بعد.


لا تشغلني الألقاب


أليس بعد هذا يصبح سعدون جابر سفيرا بامتياز لفن بلاده؟ لكن الأمر لا يبدو له كذلك! هكذا قال لـ"العرب" "لم أغن يوما من أجل لقب أو منصب، وجدت نفسي أغني دون أن أدري، وحتى هذه اللحظة أجد نفسي في الغناء والموسيقى بأوضح صورة وأحسن حال من أي موقع آخر، أما الألقاب فهي تجارة فنية يلجأ إليها من بارت تجارته ومن غادرته الشهرة والنجومية وحب الناس، يذهب ليشتري لقبا ضانا أنه سيعيده إلى مجده القديم، وأنا لا أفكر بهذه الألقاب ولا تشغلني أبدا".

ومع أنه جزء من المشهد الإبداعي العراقي الذي عانى من طوق الحصار الأعمى منذ عام 1990، إلا أن سعدون جابر لا يرى فنه مستهدفا، بل يرى أن التعتيم شمل كل نواحي الإبداع في العراق، ومنذ أكثر من عشرين عاما ولا زال مستمرا.

ويوضح الفنان الذي أشتهر عربيا بأغنية "ياطيور الطايرة" التي لحنها كوكب حمزة، بأنه لا نرى اليوم على خارطة الإبداع العربي شعرا عراقيا إلا ضمن ما يراه الآخر وما يريد تصوره، ولا نرى أغنية عراقية إلا ضمن ما يريده الآخر، وحتى الأسماء يتم اختيارها وفق مشيئة الآخر، وليس تعبيرا عن قيمة فنية عراقية مخلصة. ويؤكد بقوله "لا نرى اليوم سينما أو مسرحاً عراقيا إلا ضمن مواصفات ترضي منظمي أي نشاط للفن العراقي في الخارج.

ولكن في الآونة الأخيرة قامت الكويت بعرض أغاني عراقية ضمن برامجها التلفزيونية والإذاعية وهي خطوة شجاعة وأخوية سوف تقرب بين الشعبين العراقي والكويتي وتزيل الكثير من الأحقاد وتقرّب الناس لبعضها والدنيا لا تبقى على حال واحدة".

واليوم يبدو صوت سعدون جابر وهو في العقد الستيني من عمره، مفعما بالتعبيرية والآداء المميز، وكأنه ينمو كلما تصاعد العمر، فأعاد ببراعة فنية آداء المقام العراقي بأصعب أطواره. ومن يستمع إلى أغنية "مسلم، ياجواد" من مقام "المخالف" الصعب المران، يكتشف قيمة صوته بهذا العمر، ثم أدائه لقصيدة شاعر العراق عبدالرزاق عبدالواحد "صبر أيوب" وألحان الفنان الراحل طالب القره غولي، يكتشف القوة المتصاعدة في حنجرته، وها هو اليوم يكتشف مساحات جديدة بصوته عندما يكمل لحن قصيدة المتنبي "بأي حال عدت ياعيد" بعد أن بدأها الفنان القره غولي قبل رحيله، ويؤديها بحس معاصر وكأنها ظل لحال البلاد التي لم تكفكف الدموع من مآقيها.


أجمل أغنياتي لم تأت بعد


يفسر الفنان العراقي هذا التصاعد بصوته بالقول "نحن نعرف وفقاً للعلوم والطبيعة البشرية أنه كلما تقدم الإنسان في العمر كلما مال صوته وسمعه ونظره وقواه إلى الانخفاض، لكنني أشعر الآن أن صوتي أكثر نضوجا وقدرة على الغناء، وكأني بدأت الآن، وأن أغنياتي التي لم أغنّها حتى الآن ستكون أجمل، كما أشعر أن أجمل أغنياتي لم تأت بعد… ففي داخلي أغنيات لو قدمتها ستكون أجمل مما مضى…".

ويرى أنه ليس طارئا على أداء المقام العراقي، فسبق وأن عمل مع الموسيقار العراقي الراحل محمد القبانجي 13 عاما صحبة الفنانين فاضل عواد وعارف محسن وسعدي حميد، وتمرست مسامعه بأداء المقام العراقي من أداء القبانجي وناظم الغزالي.

ويستذكر بقوله "حين كنت أجتمع مع الفنان محمد القبانجي في حفل ما لا أستطيع الغناء بعده لأنه يسيطر على مسامعي بقدرته الأدائية العظيمة، لذلك كنت أغني قبله كي لا أضيع بعده في الغناء.

وحين أنتجت مسلسل السفير ناظم الغزالي غنيت 28 أغنية ومقاما وباقتدار حتى إن الناقد المرحوم عادل الهاشمي خرج من الأستوديو باكيا وقال لي لقد ظلمتك لمدة 20 عاما وسأنصفك إن شاء الله، إنه تحدّ فعلا أن تغني مقاما مدنياً وأنت من بيئة ريفية". وهكذا يفسر سعدون جابر ذلك بأنه يعرف ماذا يغني، ولا يقترب من الغناء الذي لا يتفوق به.


أغاني البيئات


فعلى مدار تجربته التي انطلقت منذ بداية سبعينات القرن الماضي أسس لصوته بمساعدة الملحن كوكب حمزة الذي قدم له "الطيور الطايرة" و"القنطرة بعيدة" وبدعم من محمد سعيد الصحاف الذي كان مدير الإذاعة والتلفزيون آنذاك.

وبعدها انطلق بأغان أرخت لتاريخ من الحنين في المسامع العراقية مثل "افيش" و"عيني عيني" "تلولحي" "سندباد" "الصفصاف" و"نجوى" وهي أغان يمكن تصنيفها ضمن أغاني البيئات التي تجمع الحس الريفي بالمدينة.

بعدها جرب أداء فنون البادية وقدم "سويحلي" و"العتابه" وذهب شمالا وقدم شيئا من فنون الموصل الغنائية وراح جنوبا وقدم لأول مرة "المحمداوي" ولا زلت متعجبا كيف لم يغن مطربو الريف الأوائل حضيري أبو عزيز وداخل حسن وناصر حكيم وغيرهم هذا اللون الغنائي الرائع.

انطلق سعدون جابر مع جيل فني عراقي صاغ قلائد الغناء الفضية على مدار عقد السبعينات من القرن الماضي، فألحان محمد جواد أموري وطالب القره غولي وفاروق هلال ومحسن فرحان لأصوات فؤاد سالم وحسين نعمة وياس خضر وفاضل عواد، تكاد تؤرخ بحس تعبيري لمساحة فنية متجددة، لكن أبناء هذا الجيل عاش خيبة مريرة لاحقا، ولم يتواصل مع جمهوره، وارتكز على ماضيه وراح يردده والبعض الآخر ترك الغناء نهائيا.

ويعزو سعدون جابر ذلك إلى صعوبة ما مرّ على العراق خلال ثلاثين عاما، كان الوهن واضحا على الفرد العراقي، فكيف لا يظهر على الفنان وهو يجاهد من أجل العيش وليس من أجل الإبداع، يتوق إلى الأمان ويضحي بالغناء، ولا إبداع دون أمن وحرية.

وفي اعتراف خص به "العرب" يقول سفير الغناء العراقي إنه يغني ويتلبسه الخوف من المجهول، لكنه لا يستطيع التوقف، لأن ثمة شعورا متصاعدا في داخله يمنحه الثقة، ويعبر عن شعوره بالخوف من الناس الذين يحبهم، ويتساءل "كيف أخاف من أغني له وأحبه؟".

ويبدو أن إصراره على الغناء متأتّ من الثقة في صوته، أو شيء من كل هذا "أنا لا أعيش من دون الغناء وإن كان هو السبب الذي جعلني أستغني عن الوظيفة لكنني لا أتصور نفسي أي شي آخر غير المغنّي، الغناء هو الهواء الذي استنشقه وبدونه لا حياة". مع كل ما مر عليه يثق هذا الفنان بالمستقبل ويعتقد أن الأيام القادمة ستكون أجمل من الماضية.

ولا يشعر بالندم كونه اختار الغناء طريقا لحياته، بل يشعر برضى تام لكونه على قدر كبير من الاحترام والتقدير في بلده والوطن العربي والعالم، ويعبر عن فخره أمام شعبه وأولاده وأقاربه وأصدقائه بأنه كان فنانهم الذي لم يخذلهم وسعى إلى رفع رؤوسهم عاليا فنا وخلقا.

15