سعدي الكعبي رسام الكائنات التي تسافر إلى الغد

التشكيلي العراقي سيّد كائناته فهو يرى بعيون الموتى ما لا تتمكن عيون الأحياء من رؤيته.
الأحد 2019/10/13
رسام يفكر حين الرسم بنزاهة كائناته

حين يمزج الفنان أسلوبه والتقنية التي يستعمل من خلالها مواده في التعبير عن إخلاصه لبيئته المحلية فإنه يصل إلى نتائج جمالية، يحق له من خلالها أن يكون على يقين من أنه لم يعد أسير ما تعلمه من تجارب الآخرين أو فنون الأمم الأخرى وصارت تجربته بمثابة عنوان لما يمكن أن يٌسمى بالفن الوطني.

يرى بعيون الموتى

ذلك ما يجعل الفنان العراقي سعدي الكعبي ينظر إلى تجربته بقدر عال من الاعتزاز، وهو ما دفع لجان التحكيم في الكثير من الملتقيات الفنية العالمية التي اشترك فيها إلى أن تنظر إلى أعماله باعتبارها ذات خصوصية تنبعث من داخلها فكان “حاصد جوائز” لم يظهر في تاريخ الفن العراقي الحديث مثيل له في ذلك المجال.

تمثل الكعبي بيئته الصحراوية من خلال أسلوبه الذي كان استلهاما للصمت العميق البليغ في قدرته على الإلهام ومن خلال تقنيته التي كان الرمل المادة الأساسية فيها. ذلك ما جعل كائناته، مجهولة الهوية كما لو أنها تنبعث من سراب. إنها كائنات محتملة لا علاقة لها بالواقع.   

وليس من اليسير الحكم على تلك الكائنات من جهة وجودها العبثي فهي تحضر مثقلة بالأسئلة. أسئلة تتعلق بالوجود اللانهائي. ذلك ما يعد إرثا شخصيا بالنسبة لابن مدينة تضم أكبر مقبرة في العراق.

الكعبي يرى بعيون الموتى ما لا تتمكن عيون الأحياء من رؤيته.  ولأن الكعبي هو سيد كائناته فقد رافقته في مختلف مراحل حياته. فالفنان الذي بدأ انطباعيا ووصل بتجربته الفنية إلى حافات التجريد كان حريصا على أن يطور تجربته من داخلها هو ما وهبه وقتا طويلا للإنصات إلى أصوات كائناته التي هي أصوات الصمت.

سيد الجمال بقلته

فن الكعبي هو خلاصة لقاء منسجم بين التجريد والتجسيد
فن الكعبي هو خلاصة لقاء منسجم بين التجريد والتجسيد

قبل سنوات وفي آخر مرة التقيته بعمان حدثني بشغف عن حديقة بيته في مهجره في الولايات المتحدة وحين التقط في عيني نوعا من الأسى صمت وقال لي “أعرف يا صديقي أنها ليست بجمال الصحراء”. كنت أعرف أنه يتسلى في مهجره مع كائناته مثلما يفعل الأطفال. 

ولد الكعبي في النجف عام 1937. تخرج من معهد الفنون الجميلة عام 1960. انضم إلى “جماعة الانطباعيين” وهي الجماعة التي تأسست في الخمسينات وتزعمها الفنان الرائد حافظ الدروبي. درس الرسم في المملكة العربية السعودية بضع سنوات. وعمل في مجال “الديكور المسرحي” وصمم خلفيات لعدد من المسرحيات العراقية. ترأس جمعية الفنانين التشكيليين، وأقام معارض شخصية في بغداد والكويت وبيروت وكاليفورنيا كما شارك في بينالات فنية ونال الجائزة الذهبية في عدد منها “بينالي دكا” “بينالي الكويت” مهرجان “سور مير” في فرنسا. أسس نادي الفنون التشكيلية العراقي. ونفذ جداريات في عدد من الأماكن العامة بالعاصمة العراقية.

ظهوره في العقد الستيني لم يدفعه إلى الانخراط في الجماعات الفنية الستينية وظل مخلصا لمعلمه وصديقه حافظ الدروبي. 

يتميز عالم الكعبي بتقشفه وزهده واختزاله بما أغنى قدرته على أن يثبت أن القليل يمكنه أن يخلق جمالا كثيرا. غير أنه من المؤكد أيضا أن الكعبي الذي لا يظهر شغفه بالألوان علنا ينتج عالما خفي الألوان، يتسلل بهدوء وخفة إلى العين من غير أن يمارس أي ضغوط صاخبة عليها. فهو يعالج أصباغه بسرية لكي لا تتحدى اللون الأساس الذي يجعلها قريبة من عالم الصحراء. ولأنه أضفى حساسية من نوع خاص على السطح من خلال ملمسه الخشن فقد كان رائدا في مجال صناعة السطح بالاستعانة بمادة مستعارة من الطبيعة هي الرمل وهي المادة التي فُتن بسحر تجلياتها البصرية. يعيده الرمل إلى مدينة طفولته النجف التي تطل على الصحراء وإلى السنوات التي قضاها في الجزيرة العربية. يقف الكعبي في أسلوبه بين التجسيد والتجريد. فهو لا ينظر إلى كائناته باعتباره رساما تشخيصيا يحرص على إظهارها في حدود صفاتها الواقعية، كما أنه من جهة أخرى ليس رساما تجريديا خالصا يسعى إلى الوصول إلى طريقة في النظر تستمد قوتها من موجز الأشياء المرئية.

يختزل الكعبي ما يراه على هيأة رموز تعيده إلى ما يتذكره. وهو مسعى يُقام على أساس مجرد. ذلك لأنه يستمد قوته من “المثال” الذي يجتهد في خلقه، مستخرجا دعائمه من تأثير قوتين. الذاكرة وملمس السطح. وحين يتعلق الأمر بالذاكرة فإن كل شيء يبدو قابلا لإعادة النظر وهو ما يعني الاعتراف بسلطة الوهم أما حين يتعلق بملمس السطح فإنه يعيدنا إلى حضور الأشياء باعتبارها وقائع تنهمك الحواس في التعرف عليها.

لذلك فإن فن الكعبي هو خلاصة لقاء منسجم بين التجريد والتجسيد. ذلك مثالي في استبعاد أي مسافة بين الأسلوبين. وهو ما يشجع على النظر إلى رسومه بطرق مختلفة وفق طريقة المتلقي في النظر إلى العمل الفني وما يرغب في رؤيته. فإن كان يميل إلى التجسيد فإنه سيرى تلك الكائنات كما لو أنها تحضر مغطاة بغبار سفرها الطويل وإن كان مولعا بالتجريد فإنه سيراها باعتبارها رموزا لأفكار قُدر له أن ينصت إلى صمتها.

ليست صدفة أن يقيم الكعبي معرضا في عمان “دار المشرق” بعنوان “خطاب الصمت”. ذلك لأن الصمت هو حيلته التي يمرر من خلالها أفكاره عن حياة عاشها بطريقة استثنائية. فهو على المستوى الشخصي كائن اجتماعي ناعم غير أنه في المقابل يمكن أن يقاوم بخشونة كل ما يعتقد أنه يخترق نزاهته الشخصية. رسام يفكر حين الرسم بنزاهة كائناته.

صانع الغربة في غربته

إنه يختزل ما يراه على هيأة رموز تعيده إلى ما يتذكره
إنه يختزل ما يراه على هيأة رموز تعيده إلى ما يتذكره

قيل عنه إنه رسام اللوحة الواحدة. بمعنى أن لوحاته تتشابه. وهو حكم غير صحيح. رهانه على الصحراء لم يكن خاسرا. ذلك لأن الصحراء ليست مكانا ضيقا. وهو ما أثبته من خلال لوحاته التي تعالج موضوعا واحدا. موضوعا لم يغادره منذ خمسين سنة.

قاوم الكعبي بطريقته الخاصة. لم يتغير إلا بما ينسجم معه مزاجه الثقافي. إنه شخص يضع خبرة حياته في خدمة فنه. لا تؤثر فيه الأمكنة الجديدة التي ينتقل إليها كثيرا وليس مطلوبا منه أن يفعل ذلك. فهو لا يغادر لحظة إلهام أبدية. وهي اللحظة التي تعرف من خلالها على الرسم باعتباره وسيطا سحريا بينه وبين العالم.  لقد رأى العالم ذات مرة جميلا. وهو في كل مرة يحاول الرسم يستعيد تلك اللحظة التي كان فيها العالم جميلا. لذلك نتعثر في رسومه بأحجار الاستفهام والحيرة وسوء الفهم والرغبة في أن يحدث شيء مختلف. فالرسام يقودنا إلى مناطق يعرف وحده أن العالم كان فيها جميلا وهو ما تستعرضه رسومه غير أنها لا تقوم بذلك إلا بعد أن تقنعنا بأن القبول بغربتنا هو الحل لمشكلاتنا الوجودية.

الكعبي يمارس من خلال رسومه تأثيرا وجوديا على متلقيي تلك الرسوم بحيث يجعلهم يصدقون بأنه عاش حياته كلها غريبا.

واليوم إذ يعيش الكعبي في بلاد أخرى، أظنه ينظر إلى غربته بطريقة أخرى. غير أن ما أنا على يقين منه أنه لن يكون غريبا عن أعماله. ذلك لأنه لم يسجل في تلك الأعمال فكرته عن العالم بقدر ما كان منهمكا في التفكير في غربته من خلالها. كانت حيلته لكي يستمر حيا. لقد حمل الصحراء معه باعتبارها سره الوحيد.

كائنات محتملة لا علاقة لها بالواقع
كائنات محتملة لا علاقة لها بالواقع

 

9