"سعدي – جوهر" تسحب البساط الإعلامي من "المتحدة" في مصر

قرب "سعدي – جوهر" من مؤسسات اقتصادية يساعد في تمويل محتواها الجيد.
الأربعاء 2021/05/26
إخراج موكب المومياوات رفع رصيد "سعدي – جوهر"

بدأت ملامح التغيير المنتظر في المشهد الإعلامي المصري بالاعتماد على الخبرات والمهنيين والوجوه التي تستطيع إحداث فارق وخلخلة جمود العلاقة بين الجمهور والمنابر الإعلامية، وتتجه الأنظار نحو شركة “سعدي – جوهر” بعد نجاحها في التسويق والإنتاج الضخم لأنشطة وفعاليات رئاسية، في ظل الاستياء المتزايد من “الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية” المهيمنة على المشهد تماما.

القاهرة - كشفت مصادر إعلامية لـ”العرب” أن هناك تغييرات تحظى بتأييد دوائر سياسية في أسلوب ونمط إدارة المشهدين الإعلامي والدرامي في مصر الفترة المقبلة بالاعتماد على وجوه يمكنها صناعة الفارق وجذب الجمهور وتوسيع دائرة المنافسة بين شركات متخصصة لها خبرات طويلة في المجالات الفنية والإعلامية والإعلانية لتحجيم خسائر المؤسسات التابعة للحكومة.

وتلتقي هذه المعلومات مع أنباء قوية انتشرت اليومين الماضيين، ولم يتم نفيها رسميا، عن وجود نية لدى دوائر رسمية بالتوجه نحو خبرات جديدة في المشهد الإعلامي بالتزامن مع تذمر جماهيري من عدم تحقيق “الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية” التي تنبثق عنها شركة “سينرجي” المسؤولة عن الإنتاج الفني المردود المطلوب منها في موسم رمضان الدرامي.

واعتاد الجمهور أن يطالع إشادة صحافية وتلفزيونية تستمر لأيام لتجميل صورة شركة “سينرجي” بعد انتهاء موسم رمضان، وهو ما لم يحدث هذا العام، وكأن هناك توجيهات صدرت بعدم إثارة الغاضبين على إخفاقات الشركة في أداء رسالتها.

ويدور في الكواليس حديث حول نية دوائر صناعة القرار الإعلامي لتوسيع دائرة الاعتماد على شركة “ميديا هب” المعروفة بـ”سعدي – جوهر”، وهما المخرج المصري محمد السعدي، وشريكه رجل الأعمال إيهاب جوهر، والتي بدأت نشاطها في مصر قبل نحو 26 عاما، ونجحت في حفظ مكانتها بسوق الإعلانات.

وأكدت المصادر لـ”العرب” أن العلاقة القوية بين “سعدي – جوهر” ومؤسسة الرئاسة تشير إلى أنها الأقرب لتكون لها الكلمة العليا في المشهدين الإعلامي والدرامي الفترة المقبلة، خاصة أن الشركة تركت انطباعات إيجابية للغاية عند الدوائر مهمة بالدولة بعد نجاحها في التسويق والإنتاج الضخم لأنشطة وفعاليات رئاسية.

ولدى “سعدي – جوهر” رصيد وفير عند الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي شخصيا، حيث كانت الشركة مسؤولة عن حملته الانتخابية عندما أعلن ترشحه للرئاسة لأول مرة عام 2014، وبعدها تم اختيارها لتكون المعنية بتقديم المحتوى الإعلاني للرئاسة وما يرتبط بجولات السيسي ونقل وإخراج فعاليات مؤتمرات الشباب.

وبدأ الاعتماد على الشركة بشكل أكبر في تقديم المحتوى الدعائي للفعاليات المرتبطة بمؤسسات سيادية مثل الجيش والشرطة، ما سهل على مسؤوليها قراءة ما وراء السطور وتقديم أنفسهم لدوائر صناعة القرار بشكل مبتكر، في حين كان الرئيس السيسي دائم التذمر والامتعاض من المحتوى الفني والسياسة الإعلامية التي تتبعها أغلب المنابر الصحافية والتلفزيونية الملوكة للشركة المتحدة.

خلخة الجمود

نجحت شركة “سعدي – جوهر” في خلخلة الجمود الذي كان يعتري علاقة الرئيس السيسي عندما جرى اختيارها من جانب مؤسسة الرئاسة لتكون مسؤولة عن نقل حواره الإنساني والاجتماعي للشارع بطريقة الفضفضة المتبادلة، وكان يحمل اسم “حديث الرئيس”، ونجح الحوار في ترميم الكثير من الشروخ.

ويرى مراقبون أن ملامح التغيير في المشهد الإعلامي بدأت باعتماد الحكومة على “سعدي – جوهر” في الإشراف الكامل على إنتاج وإخراج موكب المومياوات الملكية في أبريل الماضي، ونجحت الشركة في نقل أحداثه بطريقة مبهرة دفعت الجمهور المحلي ووسائل الإعلام العالمية للإشادة والثناء على الدولة عموما، وجرى استخدام تقنيات عالمية أظهرت وجود إمكانيات مدفونة لدى الشركة.

وعلى قدر ما سوّقت الحكومة لنفسها ونجحت في اقتناص إشادة كثيرين بعد الحدث، لكنها تعرضت لانتقادات مضاعفة بعدما أظهر أسلوب الإنتاج والإخراج في حادث موكب المومياوات أن مصر لديها كفاءات غير مستغلة، وأن الحكومة عندما تسند المهام لجهات مختصة تجد مشهدا فنيا وإعلاميا فريدا بدلا من الفوضى الملحوظة.

ولاحقا جرى إسناد مهمة إنتاج وإخراج آخر مشاهد الجزء الثاني من مسلسل “الاختيار 2″، وهي أغنية “احنا مش (ليس) بتوع حداد” التي جرى تصويرها في ميدان التحرير، لـ”سعدي – جوهر”، رغم أن المسلسل برمته من إنتاج شركة سينرجي، وهذه كانت رسالة واضحة بوجود بوادر تغيير مرتقبة لتوسيع الاعتماد على وجوه جديدة بدلا من تلك التي تحتكر المشهد منذ أربع سنوات.

وقال عمرو قورة المنتج الفني والإعلامي إن “أي تغيير في المشهد الإعلامي سيكون صحيّا مهما بلغت مظاهره، فلن يكون هناك أسوأ من الوضع الراهن، فليس من المعقول أن الذي يقوم بالإنتاج هو من يحدد المحطة التي تقوم ببث المحتوى، ويقرر السعر، ويشتري من نفسه، ليبيع إلى نفسه، هذه دعوة للفساد”.

ولفت إلى أن “سعدي – جوهر” أصبحت لها مجموعة نقاط استثنائية عند الدولة منذ حدث نقل المومياوات الملكية مقابل ارتفاع منسوب التذمر على الأداء الدرامي والإعلامي للشركة المتحدة التي تهيمن على المشهد، لأن الاعتماد على المقربين فقط يؤدي إلى فشل المهمة ويضعف الرسالة التي تصل للناس، ويغيّب المنافسة ويؤدي للسيطرة والاحتكار ما يضاعف من صعوبة إنتاج خطاب إعلامي مقبول.

وترتبط التغييرات المرتقبة بعدة شواهد، أبرزها أن الشركة المتحدة التي تهيمن على المشهدين الفني والإعلامي، سوف تترك خلفها علامات استفهام كثيرة بشأن الخسائر التي ما زالت تتعرض لها المؤسسات الصحافية والتلفزيونية التي سيطرت عليها وصارت تابعة للحكومة، ولم تستطع من خلال الإنتاج الدرامي الضخم في رمضان أو الإعلانات التي تهيمن على الشاشة أن تجذب شرائح جديدة من الجمهور.

وتمتلك شركة “سعدي – جوهر” قاعدة علاقات قوية مع كبرى المؤسسات الاقتصادية والشركات العملاقة في الدولة، باعتبارها المشرفة على محتوياتها الإعلانية منذ فترة، أي يمكن توسيع الاعتماد على هذه الشركة لخبراتها الإعلامية والإعلانية والإنتاجية، ومكاسب ذلك ستكون متشعبة بين صناعة محتوى جذاب لجمهور ممتعض من الإعلام برمته، وتدبير مصادر تمويل من الإعلانات لجميع أنواع المحتوى الإعلامي.

عمر قورة: الأجهزة الحكومية المنوط بها رصد علاقة الجمهور بما يبثه الإعلام ترصد وبدقة كل ما يثار ويُكتب
عمر قورة: الأجهزة الحكومية المنوط بها رصد علاقة الجمهور بما يبثه الإعلام ترصد وبدقة كل ما يثار ويُكتب

غياب الإبداع

وتنامى الشعور لدى دوائر رسمية بأن الإبداع غائب عن الشاشة في البرامج الحوارية والمحتويات الفنية التي تنتجها الشركة المتحدة، وما زالت الدراما التي سبق وتذمر منها السيسي شخصيا حاضرة بقوة، مثل التي تروج للبلطجة والعنف والمخدرات وغياب سيادة القانون والحط من كرامة المرأة وتكريس ثقافة الاعتداء عليها.

وأمام الشاشة المغضوب عليها بسبب محتواها الفني والإعلامي، وجدت بعض الدوائر في التجربة الأولى للإنتاج الدرامي لـ”سعدي – جوهر” من خلال مسلسل “لعبة نيوتن” الذي حقق مشاهدات قياسية وناقش ضمن محاوره قضية بالغة الأهمية وفشل الإعلام في تفنيدها وهي الطلاق الشفهي وخطورته على المجتمع، أن الشركة التي ما زالت مهمشة على وقع الاحتكار الممارس من نظيرتها المتحدة هي التي تتناغم فكريا وسياسيا مع التوجهات الرسمية.

وأكد عمر قورة لـ”العرب” أن الأجهزة الحكومية المنوط بها رصد علاقة الجمهور بما يبثه الإعلام ترصد وبدقة كل ما يثار ويُكتب، والجديد أن الناس بدأت تُركز مع تصرفات الجهة المعنية بإدارة المشهد، وتعدد الأخطاء، وهذا إيجابي للغاية، ولو لم تحدث تغييرات واسعة سوف تكون هناك معايير أخرى حاكمة للمنظومة برمتها على مستوى المضمون والموضوعات والإنفاق وتقويض المجاملات في الإعلام.

ويعتقد متابعون أن التغيير المنتظر في المشهد الإعلامي لا يجب أن يقتصر على الأشخاص مع استمرار نفس السياسات، لأن ذلك يقود لتكريس إقصاء الخبرات والمهنيين والوجوه التي تستطيع إحداث الفارق وخلخلة جمود العلاقة بين الجمهور والمنابر الإعلامية، والأهم أن يكون هناك فصل بين الإنتاج الفني وإدارة المؤسسات الإعلامية وإسناد المهام للمتخصصين في كل مجال كمدخل لتحسين الصورة العامة.

ودعم عمرو قورة هذا الرأي بتأكيده أن “إسناد المهام الإعلامية لشخصيات متخصصة وتفهم عملها جيدا سوف تكون نتائجه عظيمة، لأن هؤلاء لن يقبلوا تنفيذ التعليمات الخاطئة أو تطبيق الأوامر الفوقية حفاظا على مناصبهم ولن يتمادوا في المدح وتجميل الصورة طوال الوقت كما تفعل بعض المنابر الإعلامية حاليا”.

18