"سعد البنات" كوميديا ومفارقات رومانسية مغربية

لاقت المسرحية الكوميدية “سعد البنات” التي قدمتها فرقة مسرح المدينة، للمخرج هشام الجباري، النجاح المتوقع لها في عرضها الجديد هذا العام. وتميزت المسرحية بموضوعها الرومانسي من بين عروض كوميدية أخرى كمسرحية “الساكن” للمخرج حسن هموش، و”العشق الكادي” للمخرج عمر الجدلي، و”لموسم” للمخرج عبداللطيف خمولي، و”مقامات بديع الزمان الهمذاني” للمخرج محمد زهير.
الخميس 2017/06/08
تبادل الأدوار يكشف خفايا الحب والتقاليد البالية

حصلت مسرحية “سعد البنات” للمخرج هشام الجباري على دعم وزارة الثقافة المغربية، وقدمت عروضا في مختلف المدن المغربية، حيث شارك في تمثيلها كل من الفنانين جميلة الهوني، ومريم الزعيمي، وجليلة التلمسي، وعبدالكبير الشداتي، وفريد الركراكي، وسعيد آيت باجا. وقدم السينوغرافيا رشيد الخطابي، وكان

تأثيثه لها مبدعاً وبسيطاً، سمح بحرية الحركة للممثلين، وأتاح للمشاهد رؤية بصرية وتَخْيِيلا كاملا لما يدور في المسرحية. وتولى الإنارة والصوت أشرف الجباري.

لعبة الحب

أعدت مسرحية “سعد البنات” عن مسرحية “أنت وزهرك” -أنت وحظك- لمحمد أحمد البصري، التي مثلت على المسرح بالمغرب لأول مرة في عام 1987. اقتبسها البصري بدوره من المسرحية الفرنسية الشهيرة “لعبة الحب والمصادفة” للكاتب الفرنسي بيار كارلي دو ماريفو (1688 ــ 1763).

ويعتبر ماريفو أحد أهم الكتاب الفرنسيين، الذين ألَّفوا في الكوميديا الاجتماعيّة في القرن الثامن عشر، كموليير وبومارشيه.

قدمت “سعد البنات”، التي يعني اسمها بالدارجة -حظّ البنات- خلطة كاملة من فنون الكوميديا؛ كالمفارقات التي تقوم على المواقف المتضادّة، والسخرية من العادات القديمة، وقول النكات والأمثال.

وقدمت شخصيات مبالغا فيها وأثارتْ الضحك والنقد لبعض ظواهر، وعادات الطبقة الغنية عند تعاملها مع من هم دونها اجتماعيا. واعتمد مخرجها الجباري على خفة دم الممثلين، وتعليقاتهم التهكميّة على الحياة والشخصيات الفاسدة. وحرص على خلق كوميديا راقية تقوم على صراع الأذواق والأفكار، ونقد المجتمع الطبقي.

طرحت المسرحية أسئلة عديدة عن ماهية الحب، وعلاقته بالوضع الطبقي للفتى والفتاة، وهل يصلح الزواج ويدوم من دون الحب الذي يسبق الزواج؟

وتحكي المسرحية الفرنسية “لعبة الحب والمصادفة” التي أُقتبست عنها “سعد البنات” قصة خطبة عائلة ثرية لابنها الشاب الوسيم دورانتي، فتاة له من دون علمه، ودون معرفته السابقة لها. يقوم بدوره في “سعد البنات” فريد الركراكي. والخطيبة الفرنسية “سليفي” وفي سعد البنات منية الجميلة، وهي ابنة أحد الإقطاعيين الأغنياء، يُدعى السي الهاشمي.

والهاشمي من الذين يستحوذون على أراضي الغير بالحيلة والرشوة والتزوير. قام بدوره عبدالكبير الشداتي، فيقرر الشاب الثائر على التقاليد والأعراف أن يدرس أخلاق الفتاة عن قرب من خلال زيارة قصر خطيبته. ويخضعها لمراقبة دقيقة ليتعرف على أخلاقها وأفكارها وثقافتها، قبل أن يقرر رفضها أو القبول بها كخطيبة له.

"سعد البنات" قدمت خلطة كاملة من فنون الكوميديا؛ كالمفارقات والسخرية من العادات والنكات والأمثال

في “سعد البنات” يأخذ دور دورانتي، “مهندس” شاب جاء للإيقاع بأبي الخطيبة “السي الهاشمي” بتهمة الرشوة والاحتيال والنصب، فيعمد إلى خطة تبادل شخصيته مع شخصية خادمه -السائق- في النسخة الفرنسية، الخادم أرلكان، وفي المغربية “جوهر” الذي مثل دوره سعيد آيت باجا.

أما الخطيبة فقد كانت هي الأخرى ثائرة على التقاليد البالية، وعلاقات تبادل المنافع من خلال زواج أبناء وبنات الطبقة الغنية ببعضهم البعض، دون الاهتمام بمشاعر الفتاة، ومستقبلها مع زوج لا تعرفه. فتبادلت هي أيضاً الدور مع وصيفتها “ليزيث”. مثلتا دوريهما، في الإعداد المغربي، جميلة الهوني ومريم الزعيمي.

وبتبادل الأدوار في المسرحية حيث يغدو السيد خادماً والخادمة سيدة تبدأ المفارقات الضاحكة، فثقافة السائق هي غير ثقافة المهندس. والمعاملة التي تتعامل بها الخادمة مع الآخرين، هي غير ما تتعامل به ابنة سيدة القصر مع من حولها.

يضع المخرج الجباري مشاهدي مسرحيته في خضم تجربة غوص عميقة في مشاعر الناس وأخلاقهم، وهم يرون أنَّه بالرغم من اختلاف الثقافات والوضع الطبقي يبقى الحب فن التفاهم والرغبة في التعايش بين المحبين وإنْ اختلفا في الكثير من طباعهم وتربيتهم. فيقع المهندس في حب “منية” التي يظنها خادمة القصر، وتقع هي في حبه بالرغم من اعتقادها أنَّه مجرد سائق. وتنتهي المسرحية نهاية سعيدة بالمكاشفة بين الحبيبين بعد أن يعرف كل واحد منهما حقيقة شخصية الآخر، وتختم بزواجهما.

الحب هو السيد

إن صعوبات جمة واجهت المعد المرحوم محمد أحمد البصري، والمخرج هشام الجباري، وهما يقتبسان مسرحية “لعبة الحب والمصادفة”، ليجعلا منها نصاً يلامس الواقع المغربي.

ومن هذه الصعوبات، أنَّ زمن المسرحية الأصلية يعود إلى القرن الثامن عشر، وهو القرن الذي يحمل مظانّ وتقاليد الإقطاعيين الفرنسيين، ونظرتهم الدونية إلى الفرد الذي ينتمي إلى طبقة أدنى، مهما كان هذا الفرد متعدد المواهب، فهم يعتبرون خدمهم ومن يعمل في أراضيهم مزارعين ومحتالين ومنافقين ينتظرون الفرصة المناسبة للانقضاض على أسيادهم لسرقتهم.

والصعوبة الثانية التي واجهت المُعدّ والمخرج، أن تقاليد وأعراف المجتمع الفرنسي، هي غير تقاليد وأعراف المغاربة في قرننا الحالي. لذلك فقد حاول المخرج “مغربة” النص بالنكات والأمثال الدارجة، وجعل النص يتحدث عن الفضيلة والحق وضرورة التعامل مع الآخرين بالأخلاق الفاضلة وعدم هضم حقوق الناس، بينما كان هدف الكاتب الفرنسي مارفيو من نصه جعل الحب هو السيد في الحكاية. وقدم من خلال ذلك هندسة رائعة للشخصيات التي ظهرت في المسرحية، لتقدم جميعاً نصاً تمثيلياً كوميدياً عن الحب الحقيقي.

مسرحية “لعبة الحب والمصادفة” لماريفو ما زالت تعرض بفرنسا إلى اليوم، وتلاقي إعجاب الجمهور الفرنسي بالرغم من أنَّ عمرها تجاوز القرنين ونصف القرن.

وقد أضاف الممثلون المغاربة من روحهم الكثير لـ”سعد البنات” لكي تنجح وتسعد الجمهور المغربي بأفكارها الرومانسيّة عن الحب بالمغرب، ونبذ الفروقات الطبقية، بتوظيف المفارقات الضاحكة، وقدرة الفنانات -كجميلة الهوني ومريم الزعيمي وجليلة التلمسي- الجيدة على بعث الحيوية والمرح في أجواء المسرحية.

15