سعد الحريري: أنا بالي طويل

الأحد 2016/04/10
ضجيج الخارج لا يربك مقارباته الداخلية

يعترف الخصوم قبل الحلفاء أن عودة الرئيس سعد الحريري إلى بيروت أعادت الحيوية إلى الحراك السياسي اللبناني الداخلي. بدت تياراتُ البلد مقتنعة بإمكانية إنتاج وظيفة لبنانية محلية لإدارة شؤون البلد، بالتوازي مع الورش الكبرى التي ينخرطُ داخلها الكبار الدوليون والإقليميون. فإذا ما عاد الحريري إلى البلد، فإن ذلك بحدّ ذاته مؤشر حاسم على أن قرارا ما قد اتّخذ، من قبل الزعيم الشاب، ومن قبل مزاج إقليمي، وربما دولي، يوحي بذلك.

لم يكن يسيرا الانفراد بالرئيس العائد من أجل مقابلة صحافية، ذلك أن الزائر سيلاحظ أن بيت الوسط، حيث مقره الرئيسي، تحوّل إلى خلية نحل لا تكلّ، في ورشة تتقاطع داخلها كل الهمم والشخصيات وأصحاب الشأن لإعادة نفخ الروح في بلد بدت تظهر عليه في الأشهر الأخيرة أعراض علّة مقلقة.

كان اللقاء جماعيا مع “دولة الرئيس” بمعنى أن كلامه لا يرقى لمستوى التصريح الرسمي، لكنه يعكس أجواء عنده يتقاطع فيها الدولي بالإقليمي بالمحلي. ففي إدارة الصراع السياسي الراهن في لبنان تتكدس على طاولة الحريري ملفات لا تبدأ بالهمّ الوجودي للبلد وهو على ضفاف الكارثة السورية، ولا تنتهي بقضايا الداخل وحساباتها الفسيفسائية، لا سيما في موسم الانتخابات البلدية الراهنة.

سقوط الاصطفافين

استبق سعد الحريري عودته للبلد بمفاجأة من العيار الثقيل من خلال ترشيحه للوزير سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية. فالرجل المرشح من خصوم تحالف 14 آذار ومن صقور تحالف 8 آذار الخصم، كما أنه كان من الخصوم الشخصيين للرئيس الراحل رفيق الحريري في عهد الوصاية السورية، وكان وزيرا للداخلية لحظة اغتياله. لكن ما كان مفاجأة “انقلابية” بدا أنها أضحت من عاديات العصر بعد أن رشّح سمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانية، خصمه اللدود الجنرال ميشال عون لنفس المنصب. بمعنى آخر، سلّط سعد الحريري، ربما، الضوء على تقادم الاصطفافين بما يؤسس لاندثار خرائط وإعادة رسم خرائط أخرى.

الحريري: ذهبت إلى دمشق من أجل مصلحة البلد، ولا ضير هذه الأيام من ترشيح فرنجية، القريب من دمشق، لأن في ذلك مصلحة البلد

يردّ الحريري على من يسأله عن سرّ هذا التفاؤل بانتخاب رئيس للجمهورية، بجواب، يكاد يكون دبلوماسيا رسميا، ينضح إيمانا بالبلد ودوره وكفاءة أبنائه، كما بالحرص الدولي والإقليمي على حمايته والتخفيف من أوجاعه. لكنّ سياسيي البلد يشتبهون في أن الحريري يحمل في قرارة نفسه معطيات أكبر من خطاب التمنّي، ولا يهمّهم هنا ما هي مادة هذه المعطيات. بيد أن النخب السياسية تأخذُ أمر عودة الرجل على محمل الجد، بصفتها مرسوم استرجاع لـ”الفعل” اللبناني ومحاولة لوقف واقع “المفعول به”.

يتمسك الرئيس الحريري بترشيح الوزير سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية. يتّضح كل يوم أن الخيار ليس بالضرورة مصلحة حريرية، بل هو مصلحة لبنانية صرفة. يذكّر ويكرر في خطابه العلني أنه ذهب إلى دمشق، ونام في قصر بشار الأسد في لبنان من أجل “مصلحة البلد”، ولا ضير هذه الأيام من ترشيح فرنجية، الصديق الشخصي لبشار الأسد، للرئاسة، لأن في ذلك “مصلحة البلد”. وإذا ما كان الوزيرُ المرشح لم يحضر حتى الآن جلسات الانتخاب اتّساقا مع موقفه بعدم “النزول” إلى البرلمان طالما أن حزب الله معتكف عن ذلك، فإن ردّ الحريري بأن “بالي طويل” يعكس استمرارا بهذا الخيار وحتى إشعار آخر.

هل هناك إشعار آخر قد يقلب هذا الخيار؟ يرفضُ سعد الحريري الخوض في ما هو افتراضي، لكن رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يشاطر الحريري تفاؤله الرئاسي، ويتحدّث عن “ثمرة رئاسية نضجت وحان قطافها”، ينصح في تلميحاته حلفاءه في 8 آذار، لا سيما حزب الله ضمنا، بالذهاب إلى انتخاب “الحليف” سليمان فرنجية، ذلك أن أحوالا مقبلة قد لا تتيح نفس الحصاد الراهن، بل قد تأتي بمن “ليس حليفا”. ومع ذلك فإن سعد الحريري في مقاربته لا يراهن على ما هو قادم، بل على ما هو متوفّر، وما هو متوفّر يتيح، برأيه، انتخاب فرنجية.

لبنان يأخذ أمر عودة سعد الحريري بصفتها مرسوم استرجاع لـ"الفعل" اللبناني ومحاولة لوقف واقع "المفعول به" وموسكو فتحت له أبواب الكرملين، والخلوة مع بوتين قد تفرج عن موقف روسي مقبل لإنهاء الفراغ الرئاسي في لبنان

يعرف سعد الحريري أن للعقدة الرئاسية مفاتيح في طهران، وأن منطق الأمور قد يدفع لقناعة بأنّ إيران لن تفرج عن الرئيس اللبناني العتيد، طالما أن الطبخ الدولي الإقليمي لم يفرج عن معالم “الحصة” الإيرانية في المنطقة.

لكن في ثبات الرجل على خياره منذ ما قبل العودة إلى بيروت، ما يعكس أنه خيار مدروس غير انفعالي لا يتأثّر بنشرات الأخبار ومواجيزها ولا تشوّشه أنباء الميادين في سوريا واليمن، وأن “البال الطويل” مردّه إلى قناعة بأن عليه انتظار كل اللبنانيين، بمن فيهم حزب الله، لإنتاج رئيس “صنع في لبنان”، لن يؤثّر انتخابه من عدمه على موازين القوى المتناكفة في العالم.

جعجع - عون

نفخت دينامية سعد الحريري، المتمسك بتحالف 14 آذار، واقعية (أي البعد عمّا هو أحلام) على علاقة الأطراف المتحالفة في ما بينها، كما المتخاصمة في ما بينها. كشف الأمر عن أزمة اصطفافات بين المعسكرين، سواء في الامتعاض من ترشيح مرشحين من 8 آذار أو في انفتاح شخصيتين من هذا الأخير على أقطاب من 14 آذار.

لم تظهر شقوق التحالف السيادي فجأة، ذلك أنها كانت ضمنية يصعب ملاحظتها، أو واضحة لا أحد يريد ملاحظتها. ليس في الأمر حتى الآن إلا براغماتية لا تمسّ بالثابت وتناور مع المتحوّل.

التشقق الحقيقي بدأ غداة أحداث 7 أيار الشهيرة، حين شعر وليد جنبلاط أن خطاب حِلْفِهِ لا تحميه الميادين، وربما حين شعر أنه تُرك وحيدا في المعركة يقاتل بقواه “الدرزية” في الجبل بعد انهيار القوى “السنية” ونأي القوى “المسيحية” بنفسها إلا من بيان إدانة أصدره سمير جعجع.

يتذكّر الدكتور فارس سعيد ذلك، وهو الأمين على “التحالف السيادي”، ويعرب حاليا عن قلق أكبر من خلال منصبه منسّقا عاما لقوى 14 آذار، على مستقبل الحلف. لكنّ أمر التصدّع ليس حكرا على “السياديين”، فيكفي تأمل مناورة سليمان فرنجية داخل الحلف المقابل، والتي تطرح أسئلة وجودية حول بقاء الحلف القريب من دمشق وطهران.

أولو الأمر الإقليميون والدوليون يتأملون المقاربة "التجريبية" لسعد الحريري على أن يلتحقوا بها أو يسقطوها بانتهازية وفق نتائج الاختبارات

يحتاج سعد الحريري إلى الحاضنة الحريرية في بعدها السنّي، لكنه يرتاح داخل حاضنة عابرة للمذاهب يوفّرها له تحالف 14 آذار منذ اغتيال والده في عام 2005. بيد أن الحلف يمر بأزمة تظهر أحيانا أعراضها بشكل مباشر فجّ (لا سيما بعد خطاب الحريري في البيال في بيروت). ومع ذلك فإن زعيمي المستقبل والقوات اللبنانية يحاولان، بصعوبة، تسويق نظرية الحقّ في الاختلاف لا الخلاف، من خلال همّة علنية نشطة لحجب ذلك التباين.

“الشيخ” و”الحكيم” حليفان حتى إشعار آخر، لا سيما أن الأخير ما فتئ يستغرب إحجام خصومه في حزب الله عن انتخاب حليفهم/حليفه ميشال عون، وكأن الدائرة تدور ليعود ليظهر أن حلف الحريري-جعجع أصيل، يجوز داخله الاختلاف.

المزاجين الإقليمي والدولي

لا ينطلق سعد الحريري من حيثيات ذاتية بيتية، ذلك أن ظروفا دولية تترى وكأنّها تسير مع رياحه. لم يستقو الرجل بعواصف مستوردة، بل تحرّك من زاده اللبناني وظروف البيت اللبناني الصرفة، ذلك أن رهانه على زغرتا (مسقط رأس فرنجية) لا تخصّبه ديناميات كبرى في العالم، وكأن أولي الأمر الإقليميين والدوليين يراقبون المقاربة “التجريبية” لسعد الحريري على أن يلتحقوا بها أو يسقطوها بانتهازية وفق نتائج الاختبارات.

ومع ذلك فإنه لا ينتشي إذا ما هبّت مواسم تصنيف حزب الله إرهابيا، فيأتي ردّ الرجل تمسكا بالحوار مع هذا الحزب. وحين يذهب وزراء الداخلية العرب باتجاه نفس التصنيف، فإن وزير الداخلية (المستقبلي) نهاد مشنوق يسجّل تحفّظا، بما يعكس طبيعة الفرق بين ما هو تحالف بين تيار المستقبل والرياض، وما هو تبعية بين حزب الله وإيران.

ومع ذلك فإن مقاربة سعد الحريري الداخلية تأخذ بالاعتبار تبدّل المزاج الخليجي العربي الدولي ضد حزب الله، كما تبدّل المشهد السوري منذ التدخل العسكري الروسي و”انسحابه الجزئي”، مع ما يبدّله داخل الأجندة الإيرانية ووظيفة حزب الله.

ينهل سعد الحريري من الاستراتيجيات الأمنية والسياسية المستجدة التي تبنّتها دول الخليج في مواجهة النفوذ في الدوائر القريبة والبعيدة في العالم. يستظل الرجل بإرهاصات حديثٍ عن مفاوضات مباشرة سعودية إيرانية تُرسم ملامحها. يتأمل الرجل مآلات الصراع اليمني، كما يتفحص بدقة دروس الانتخابات الإيرانية الأخيرة. بيد أن ضجيج الخارج لا يربك مقارباته الداخلية، ذلك أن في خطابه، في السرّ والعلن، ما يستبطن جرعات عالية من الثقة ومعرفته بخارطة الطريق.

حزب الله لا يريد رئيسا صناعة لبنانية خالصة

موسكو بعد باريس

من تلك الخرائط أنّ موسكو أضحت لاعبا أساسيا في المنطقة، وأن الأمر اللبناني يدخل في حيّز الفعل المتّصل بذلك السوري. يطرق الحريري باب العاصمة الروسية مع وفده مشيدا بـ”الدور الكبير” لروسيا في المنطقة، والظاهر أن مطالعته هناك فتحت له بسهولة أبواب الكرملين ومكّنته في الخلوة التي جمعته بالرئيس بوتين من تحفيز القيادة الروسية على الدفع باتجاه العمل لإنهاء الفراغ الرئاسي في لبنان.

يلتقي الحريري سيّد الكرملين قبل أسابيع من موعد معلن (قد يؤجّل مرة أخرى) سيجمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز. يعرف الحريري أن لموسكو غايات في الرياض قد تجعل لكلماته صدى أكبر في أذن الرئيس الروسي.

بيد أن الرجل فهم في موسكو أن التسوية التي يعمل عليها الأميركيون والروس في سوريا تنسحب على لبنان بإنتاج رئيس، على ما يفسّر قلّة الكلام عن فحوى الزيارة بانتظار نضوج ثمارها.

يتحدث وليد جنبلاط عن عرس دون عِرسان في معرض سخريّته من عدم حضور المرشحين للرئاسة (فرنجية وعون) جلسات الانتخاب.

يعرف سعد الحريري أن إرادات خارجية تحول دون العرس، فيجول مسوّقا مرشحه سليمان فرنجية بصفته خيارا لبنانيّ المنشأ. في ذلك الأداء لا يمكن إلا التسليم بأن الرجل صانع رؤساء وأن محادثاته مع بوتين الروسي وقبلها مع هولاند الفرنسي، وربما بعدها مع زعامات أخرى في عواصم أخرى، هدفها الترويج لذلك “الإنتاج” اللبناني.

يذهب في المعلن من تصريحاته عن استعداده للقاء السيّد حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله من أجل التوصل إلى تسوية تقود إلى إشغال قصر بعبدا برئيس جديد، لكن في استعداد الحريري واستعداد نصرالله لذلك “إذا كان نجاح الحوار بين حزب الله والمستقبل يحتاج لذلك”، قناعة لدى الطرفين باستحالة الأمر عمليا والاستمرار في تسويقه نظريا، ذلك أن أمرا كهذا سيكون سرياليا جلفا في عصر تصنيف الحزب إرهابيا وفي موسم هجوم الرياض على الحزب وفي زمن لم ينضج فيه الحوار السعودي الإيراني بعد. ففي عدّة الطبخ لا يستطيع اللبنانيون التبرّع بأطباق لا تتسق مع ذوق أهل القرار في الإقليم.

“إنما النصر صبر ساعة”، من ذلك الحديث الشريف ينهل سعد الحريري حكمة تفسّر صبر الرجل و”البال الطويل”.

كاتب سياسي لبناني

6