سعد الحريري: القادة العرب يعملون مع ترامب بشكل أفضل كثيرا من أوباما

لم يكن لقاء رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أسابيع في واشنطن إطارا للتفاوض بشأن المساعدات الاقتصادية والعسكرية للبنان، بقدر ما مثل منطلقا لتقديم انطباعات مباشرة حول حجم الانتظارات اللبنانية من الإدارة الأميركية الجديدة، بما يقطع مع سياسات أوباما السلبية تجاه المنطقة خاصة في ما يتعلق بتقاطعات الوضع اللبناني والملف السوري.
الخميس 2017/08/10
ضرورة القطع مع ميراث أوباما

واشنطن - صبت الإشارات التي أرسلها الحريري إلى البيت الأبيض في سياق التشديد على تجاوز أخطاء الإدارة السابقة والعمل على معالجة ملف حزب الله في إطاره الإقليمي بعيدا عن السياق اللبناني الضيق، والذي قد يضع الاستقرار الداخلي الهش على حافة مخاطر غير محسوبة.

الحريري حرص خلال محادثاته مع ترامب على الحفاظ على مساحة توازن ممكنة بين متطلبات التحالف السياسي الضابط لاستمرارية الحكومة والمرتبط بحزب الله وحلفائه ومجريات مشهد إقليمي يجد خلالها لبنان نفسه إزاء مخاطر أمنية ضاغطة كنتيجة للدور العسكري والسياسي لحزب الله في سوريا والمدعوم بغطاء إيراني.

ويبدو بحسب المراقبين أن الإدارة الأميركية التقطت الإشارات التي بعثها الحريري بشأن ملف حزب الله وضرورة إيجاد صيغة لتحجيم دوره بأقل الاستتباعات الممكنة على الداخل اللبناني، خاصة بعد المواجهات التي خاضتها عناصره في جرود عرسال والتي كرست تضخم هيمنة الميليشيات الإيرانية عند الحدود السورية.

وإلي جانب التطمينات التي قدمها ترامب لضيفه بشأن آليات تطبيق العقوبات المالية والبنكية على حزب الله والتي تكفل عدم تعرض الاقتصاد اللبناني ونظامه المصرفي إلى أضرار مباشرة، طرح ترامب مشروعا لتوسيع انتشار قوات "اليونفيل" على مستوى الحدود السورية ودعم صلاحياتها بهدف منع أي وجود مسلح، بما يضمن محاصرة حزب الله وتحجيم إمكانياته عبر قطع خطوط الارتباط والإمداد مع دمشق والحد من النفوذ الإيراني.

ميراث سلبي

خلال مقابلة خاصة أجراها مع "ذي جلوبال بوليتيكو" في ختام زيارة واشنطن، طرح الحريري تقييمه لأداء الإدارة الأميركية الجديدة مع الملفات الإقليمية وخاصة الوضع السوري.

الحريري: عندما نصحناكم بعدم غزو العراق لم تستمعوا، وعندما نصحناكم بعدم الانسحاب لم تستمعوا

تعليقات الحريري حملت اتهاما واضحا ومباشرا لأوباما وللسياسة الأميركية المتبعة مؤخرا في الشرق الأوسط. وقال الحريري "تلك هي النتيجة المؤسفة لعدم التصرف، والذي أتاح الفرصة لروسيا لتستعيد ثقلها في المنطقة، والفرصة لإحياء نظام بشار الأسد الدموي في سوريا، وكذلك الفرصة لفشل التوصل إلى اتفاق سلام إسرائيلي- فلسطيني".

الحريري لخص نتائج سياسات أوباما على المنطقة وتساهله في التعاطي مع الخطر الإيراني وعدم الحسم مع النظام السوري، مبينا أن "فوز روسيا في السباق السوري جاء نتيجة تقاعس أوباما"، ومرجعا التفكك الذي حل بدول الشرق الأوسط في العقد الماضي إلى عدم قدرة الولايات المتحدة على الاستماع إلى حلفائها في المنطقة. وبغض النظر عن خطاب دونالد ترامب المعادي للإسلام، إلا أنه قد يمثل شريكا أفضل من وجهة نظر الحريري وقادة دول الشرق الأوسط.

وأرجع الحريري خلال اللقاء الصحافي أسباب الشعبية التي يحظى بها ترامب لدى قادة دول الشرق الأوسط بالقول "إنه الوضوح" والأمل في إتباع نهج أكثر حزما هما السبب في أنه هو وغيره من القادة العرب يفضلون ترامب، على الرغم من خطاباته المرسلة وحالة عدم اليقين التي استشرت في الأشهر الستة الأولى من رئاسته.

وتوقع رئيس الوزراء اللبناني بصورة غير قاطعة أن ترامب سوف يتخذ نهجا أكثر صرامة تجاه مؤيدي سوريا في إيران، مذكرا بالتنازلات التي قدمها أوباما لطهران للحصول على صفقته النووية كمثال يؤكد كيف ضلت الولايات المتحدة طريقها في المنطقة.

أخطاء سياسات أوباما خاصة تجاه الخطر الإيراني وسوريا مسألة تستحق النظر، نظرا لانعكاساتها المباشرة على لبنان، فحتى لو تم إعفاء قادة العالم العربي من مسؤولية أفعالهم الشخصية، فإن الحرب الدموية التي دامت ست سنوات في سوريا المجاورة كادت أن تنال من لبنان الصغير.

وكانت النتيجة أن نزح 1.5 مليون لاجئ إلى دولة متزعزعة في الأصل تضم 4.5 مليون مواطن فقط، ومكنت تنظيم داعش من السيطرة على الحدود. انتقد الحريري أوباما كثيرا بسبب سذاجته، والفجوة الكبيرة التي ظلت تتسع بين خطابات أميركا المُلهمة وبين أفعالها.

أصبح حزب الله متورطا في القضية السورية بشكل أساسي لمحاربة جماعات المتمردين من السنة لصالح نظام الأسد وإيران

وذكر الحريري مثالا وهو أن الروس والأسد اقتادوا أوباما عندما أبرم اتفاقا معهم في عام 2013 لإزالة الأسلحة الكيميائية، وأنه كان من الواجب على أوباما أن يقصف الأسد بمجرد أن تعدى الدكتاتور السوري الخط الأحمر بإطلاقه الغاز على شعبه.

ويقول الحريري "نعرف أفعالهم، ونعرف أكاذيبهم، ونعرف ما يفعلونه بالناس وكيف يتصرفون معهم، لذلك، عندما يقول بشار الأسد إنه سوف يتخلص من الأسلحة الكيميائية، فهو لن يفعل. وإذا كنت تعتقد أنه سيفعل، فهذا خطؤك إن صدقته. كان من الممكن أن تصل إلى نفس الاتفاق ولكن بعد أن أظهرت رد فعلك بعدما رسمت الخط الأحمر. وكانت الرسالة لتجد طريقها بشكل أفضل في المنطقة، وكان النظام ليتفهم أن كل همّ الولايات المتحدة هو الاقتصاد والعمل".

وأوضح أيضا أن ترامب ليس لديه أي خيار آخر سوى التعامل مع موسكو. ويقول الحريري "تشكل روسيا قوة رئيسية اليوم في سوريا، لذلك إذا أردت حل القضية السورية، فعليك بالحديث معهم. وهذه هي للأسف النتيجة الحتمية للفشل في التصرف قبل ذلك حيال الأمر. والآن، وبما أنهم مازالوا موجودين، يتعين على شخص ما التحدث معهم".

وعاب الحريري على أوباما بسبب التناقض الذي اعترى خطابه الذي ألقاه في القاهرة عام 2009 واعداً فيه باتباع منهجية أميركية جديدة للتعامل مع المنطقة بأكملها وبين ما تحقق على أرض الواقع، وعاب أيضا على جهوده التي لم تثمر عن شيء يُذكر في ما يخص إحلال السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.

وأشار الحريري إلى أنه في الوقت الذي عارض فيه القادة العرب غزو الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش للعراق، إلا أنهم عارضوا أيضا وبشدة الانسحاب الأميركي منه في عام 2011 خلال فترة رئاسة أوباما، وهو انسحاب يعتقد الكثيرون في المنطقة أنه ترك فراغا خطيرا ساعد على ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في كل من العراق وسوريا.

وعلق مشيرا إلى الولايات المتحدة "عندما نويت بدء الحرب في العراق، نصحك حلفاؤك في المنطقة بألا تفعل. وعندما قررت الانسحاب من المنطقة، نصحك حلفاؤك أيضا بألا تفعل. ثم نصحك حلفاؤك أيضا بضرورة التصرف تجاه القضية السورية، لكنك لم تفعل، لذلك، أعتقد أنه من الأفضل أن تستمع إلى حلفائك، لأنهم هناك ويعرفون أفضل بكثير".

تضخم هيمنة الميليشيات الإيرانية عند الحدود السورية بعد معركة جرود عرسال

تعقيدات التوازنات الداخلية

بطبيعة الحال، بات من الأسهل انتقاد الولايات المتحدة لارتكابها مثل تلك الأخطاء تجاه دول الشرق الأوسط عن توضيح السياسة المعقدة التي تجري في لبنان اليوم، والتي أخرجت جيلا ناتجا عن الحرب الأهلية المدمرة التي أدت إلى مقتل ما يقرب من ربع مليون شخص، جيلا جاء لتعريف التطرف الدامي للنزاع الطائفي.

جاء الحريري إلى منصب رئاسة الحكومة في سن السابعة والأربعين على نحو غير متوقع، وأصبح رجلا سياسياً اضطر إلى تقلد المنصب فقط عقب حادث انفجار السيارة المفخخة الذي أودى بحياة والده رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري منذ 12 عاما في بيروت.

ولا تزال القضية قيد التحقيق في إحدى المحاكم الدولية، ولكن يُعتقد أن الجُناة كانوا على صلة قوية بميليشيات حزب الله اللبناني المسنود من إيران ونظام الأسد، حليفه في سوريا.

الأمر الذي يصعب استيعابه هو أن الحريري، السني ذو الصلات القوية بالأسرة المالكة السعودية، هو اليوم رئيس وزراء حكومة في لبنان ترعى حزب الله، وهو الائتلاف الحاكم الذي تم إحياؤه في ديسمبر 2016 بعد ثلاث سنوات من الركود، وفي وجود الرئيس المسيحي المرتبط بحزب الله ميشال عون.

ويعتبر حزب الله هو ببساطة أقوى ميليشيا مسلحة في لبنان، ولا يمكن لأي اتفاق أن يحدث من دونه، لكن ذلك يعني أنه يتعين على الحريري أن يلعب لعبته السياسية المعقدة بحذر كل يوم، أو أن يخاطر بانهيار حكومته.

وعندما تسأل بعض الخبراء السياسيين في الشرق الأوسط عما يجب أن يناقش خلال لقاء مع رئيس الوزراء اللبناني، يجيب أحدهم "حزب الله، حزب الله، حزب الله"، على الرغم من أن آخر أكد أن الحريري لن يتكلم بصراحة عن الموضوع، قائلا "لن يستطيع أن يعبر لك بصراحة عما يدور برأسه تجاه حزب الله، وإلا فلن تكون هناك حكومة لبنانية. إنه رهينة، في الحقيقة لبنان كلها رهينة".

وبدأ العرض الراقص خلال المؤتمر الصحافي الذي انعقد بين سعد الحريري ودونالد ترامب في البيت الأبيض.

وعلى الرغم من أن العناوين الرئيسية للصحف تناولت بشكل أساسي انتقادات ترامب لنائبه العام جيف سيشنز، إلا أن متابعي المؤتمر في الشرق الأوسط سرعان ما التقطوا التفاخر الأحمق الذي أظهره ترامب عندما أشاد بجهود لبنان كونه يقف في الصفوف الأمامية لمحاربة ميليشيات حزب الله، غير مدرك تماما بأن حزب الله هو في الواقع جزء من حكومة الرجل الذي يقف بجانبه.

ووجد الحريري نفسه في موقف مُحرج، فإما أن يُعارض الرئيس الأميركي بعد تهديده بخفض المعونات الخارجية، وإما أن يتفق معه على ضرورة محاربة حزب الله ويخاطر بانهيار حكومته بالكامل.

ولكن في نهاية المؤتمر، عالج الحريري الموضوع بذكاء، متجاوزا خطأ ترامب، حين أخبر الصحافيين في وقت لاحق أنه على ثقة بأن الرئيس الأميركي قد ألمّ بالوضع بشكل صحيح أثناء اجتماعهم الخاص.

الإدارة الأميركية التقطت الإشارات التي بعثها الحريري بشأن ملف حزب الله وضرورة إيجاد صيغة لتحجيم نفوذه على الحدود السورية

وغادر الحريري بعدها واشنطن في سلام بعدما تلقى وعدا من وزارة الخارجية الأميركية التي تعهدت بصرف مبلغ إضافي قدره 140 مليون دولار لمساعدة اللاجئين السوريين في لبنان.

وخلال المقابلة حرص الحريري على البقاء ضبابيا في كل مرة تطرق فيها الحديث عن حزب الله. ومن الواضح جدا أنه لم يكن أمامه أي خيار سوى إبرام التعاون مع تلك المجموعة المتورطة بمقتل والده أو أن يواجه خطر حدوث حرب أهلية أخرى.

وبعد ثلاث سنوات من عدم وجود رئيس فعلي للبنان بسبب الجمود الداخلي، لم يُتح أمامهم أي خيار حقيقي آخر، كما قال الحريري. وأضاف الحريري "إذا استمر الوضع كذلك، سينتهي بنا الحال مثل سوريا أو العراق".

ولكن كل يوم هو تحد بحد ذاته. فأثناء حضوره المؤتمر المنعقد في واشنطن، شن حزب الله هجوما على طول الحدود اللبنانية مع سوريا لاستعادة الأراضي التي سيطرت عليها عناصر جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة وتنظيم داعش في سوريا، وهو قرار أكد الحريري بأن القوات المسلحة اللبنانية لم تكن لها أي علاقة به.

وقال "اتخذ حزب الله هذا القرار من جانبه، وعزم على الذهاب إلى سوريا دون الحصول على مشورة الحكومة". فبطبيعة الحال، أصبح حزب الله متورطا في القضية السورية بشكل أساسي لمحاربة جماعات المتمردين من السنة لصالح نظام الأسد وإيران.

وفي ما يتعلق برغبة واشنطن بفرض المزيد من العقوبات على حزب الله، ونفاد الصبر على العناصر الإيرانية الموجودة في الإدارة الأميركية، قال الحريري إن من الأفضل للولايات المتحدة أن تركز ليس فقط على وكلاء إيران في حكومته وإنما على إيران نفسها. وأقر بأن هذه مسألة لا تخص الحكومة اللبنانية بالمرة.

وقال الحريري "قضية حزب الله أصبحت الآن قضية إقليمية، وليست فقط لبنانية بعد الآن. فهو موجود في العراق وسوريا واليمن، لذلك ولأجل العمل على تلك القضية والسعي إلى حلها، لا ينبغي تناولها على أنها كيان لبناني، وإنما كيان إقليمي. وأقول إنني كرئيس وزراء لبنان، لن أتدخل في هذا الصراع الإقليمي. كل ما أريده هو حماية بلدي. لقد مررنا بحرب أهلية دفعنا حياة 200 ألف شخص ثمنا لها".

لبنان، كما قال الحريري خلال المقابلة، هو بقعة أرض صغيرة تحدها جيرة صعبة. وجود الحريري في واشنطن لم يكن لإطلاق المواعظ وإنما كانت له مطالبه الخاصة به. لم يكن هناك ليُملي على القوى العظمى ما يجب القيام به تجاه سوريا أو حزب الله أو إيران.

وختم الحريري الحوار بقوله "لبنان بلد صغير، ولدينا مقولة تقول "طالما تعرف حجمك، فعليك بحماية ما لديك". وهذا هو ما نحاول القيام به، وأعتقد أن هذه السياسة هي التي أنقذت لبنان حتى الآن".

7