سعد الحريري بطل الاعتدال المستحيل

الأحد 2014/08/24
الحريري شاب دخل السياسة من بوابة اليتم المضاعف

سعد الحريري بطل مأساوي محاصر بالتناقضات. دخل السياسة حاملا على كتفيه جثة والده الشهيد رفيق الحريري وثقل صورته التي تستعمل ضده حين تستعاد. عانى سعد الحريري كثيرا وسيبقى يعاني على الدوام من إرث رفيق الحريري الشهيد والزعيم. عملية تمثل تراث هذا الرجل والحفاظ عليه وإحيائه تبدو مهمة شاقة للغاية. رفيق الحريري إذا كان بالنسبة إلى الجميع صاحب هالة الشخصية السياسية المتمتعة بكاريزما نادرة فإنه بالنسبة إلى سعد هو الأب قبل كل شيء.


ابن سياسيّ وابن عائليّ


ممارسة السياسة لا تسمح لسعد أن يكون ابنا لرفيق الحريري بالمعنى العائلي والإنساني، بل تحول هذا الأب إلى نموذج وإلى نوع من تراث عام يتشاركه مع الجميع وحتى مع الأعداء. لطالما استعمل هذا التراث في ضرب حضور سعد الحريري بحجة أنه خان هذا التراث. اعتاد خصومه على اتهامه بتبديد تراث رفيق الحريري ووصف أنفسهم بالحافظين له والمدافعين عنه.

هكذا ولج سعد الحريري إلى السياسة من بوابة الخسارات المضاعفة فهو قد فقد والده مرتين، مرة حين اغتياله ومرة حين ورثه بهذا الشكل الذي يحرمه من أي خصوصية بل يجعله مدير أعمال الشهيد.

لم يستطع سعد أن يبكي على والده فالحزن والبكاء على والد عظيم لا يحمل أي خصوصية حين يكون مشتركا مع جمهور مليوني، أو حين يتقاسمه الابن مع مدينة ومع بلد ومع إخوة و حلفاء وأعداء.


رجل الأعمال يحمل صليب الاعتدال


سعد الحريري تحول فوراً من رجل أعمال ومن شاب يحيا حياة هادئة مستقرة وآمنة وواعدة إلى زعيم، بل إلى تيار وصار فعل مواجهة. توجهت إليه كل الأنظار وصار مضطرا على الدوام أن يكون رفيق الحريري، وأن يسكنه ويثبت في كل لحظة أنه لم يمت.

هذا الثقل الذي لا يحتمل دفعه في لحظة تقبل العزاء باستشهاد والده إلى الهرب من كل الشخصيات الرسمية والمراسم والركون إلى حضن السيريلانكي الذي كان يخدم والده والذي كان يبكي بكاء مرا وحارقا. اندفع إليه سعد وحضنه وعانقه متمنيا لو كان باستطاعته أن يتبادل الأدوار معه لكي يستطيع البكاء على والده خارج ثقل وراثته التي لا تحتمل.

ممارسة السياسة من باب الصدمة واليتم لا تحتمل أي فشل لأن معنى هذا الفشل هو قتل لرفيق الحريري. صارت مهمة سعد الثقيلة أن يبعد الموت عن والده وأن يبقيه حيا على الدوام، وهذا ما لا تحتمله السياسة التي تنبني على التقلبات والتحولات والتنازلات والخسارات.

صارت كل خسارة للنهج الذي يدافع عنه تعني وكأنه قتل والده بيده، فصار مجبرا على الانتصار الدائم فتماثل في هذا السياق القهري مع أعدائه الذين يتبنون خطاب الانتصار الدائم وإن بصيغة مختلفة ومناقضة لمشروعه.

انتصار سعد الدائم المطلوب كان يتطلب منه تقديم تنازلات دائمة على حساب شعبيته ورصيده. ارتضى هذا القدر على أساس أن التنازلات الدائمة ستتحول في لحظة ما إلى انتصارات دائمة وإلى خطاب تبادل سياسي يخدم مشروعه الذي يقوم على صناعة الدولة. كل التنازلات التي قدمها لم تنجح في بلورة سياق يخدم مشروعه لأن الطرف الآخر لم يبادله إياها وحسب بل استعملها ضده.


ظهور داعش


عانى سعد الحريري كثيرا وسيبقى يعاني على الدوام من إرث رفيق الحريري الشهيد والزعيم لتبدو عملية تمثّل تراث هذا الرجل والحفاظ عليه وإحيائه مهمة شاقة للغاية

يبدو مشروع الاعتدال الذي يرفع الحريري لواءه محاصرا من جهات عديدة. منفاه القسري في السعودية خوفاً من تهديدات جدية باغتياله من قبل الطرف الذي يقتضي اعتداله بأن يمد اليد له مرارا وتكرارا يحوّل أي خطاب اعتدال يمكن أن يمارسه إلى خطاب شعري لا وزن له في عالم الحقائق الفظة.

المعتدل الذي كان معتقلا في سجن اعتداله في السعودية لا يستطيع التأسيس لبنى اعتدال فعلية في اللحظة التي تتعرض فيها طائفته إلى أشرس الهجمات وتذبح في سوريا والعراق.

من هنا بدا سعد لوهلة في نظر جزء لا يستهان به من مكونات المجتمع السني وكأنه متهم بالتخاذل والتهاون، وبرزت مشاريع بدائل متطرفة له تطلبت عملية إسقاطها الدخول في تحالفات مكلفة وغض النظر عن كثير من الأمور.

فجّر ظهور داعش خطاب الاعتدال وبدت دعوة نصر الله إلى محاربته دعوة واضحة لضرب الإسلام السني كله بوصفه حاملا للتطرف وراعيا له. هنا انكشف عمق الأزمة الحريرية وقسوة تناقضاتها، فهو مضطر أن يشارك خصومه في دعوتهم لمحاربة داعش التي لا تأكل أساسا من صحنهم ولكن من صحنه ومن جمهوره ومن طائفته وحضوره، دون أن تؤدي هذه المشاركة إلى قيام حد أدنى من ربط النزاعات مع حزب الله وبشار الأسد والنظام الإيراني.

عمل أعداء سعد الحريري إلى صبغه بصبغة داعشية تبدو معها كل الخسارات التي يعانيها وكل محاولات الدفع في اتجاه محاربة داعش غير مجدية بل نوعا من إهدار باذخ لا يؤسس لشيء في السياسة، ما أدى تاليا إلى تبلور مفهوم عند قسم من الجمهور السني يرى في داعش مخلصا ومنقذا في ظل احتدام المجزرة التي يعانون منها على مستويات عديدة.

اعتدال الحريري بدا محاصرا بتهم الداعشية من الأعداء ومن الجمهور. حلفاؤه كانوا قادرين على القفز في أي لحظة إلى ركوب موجة طائفية يسترضون بها جمهورهم ويعيدون إنتاج الولاء الطائفي لأحزابهم في حين أن الحريري بدا عاجزا كليا عن تبني مثل هذا الخيار.

كان مطالبا على الدوام برفع تهمة الداعشية عنه على الرغم من وضوح المشهد الذي يعلن أن داعش إذا كانت تضر بالآخرين فإن من شأنها أن تصيب منه ومن مشروعه مقتلا.


الاعتدال المقبول


تحول سعد الحريري من رجل أعمال شاب يحيا حياة هادئة مستقرة وآمنة وواعدة إلى زعيم، بل إلى تيار وصار فعل مواجهة توجهت إليه كل الأنظار

كان المطلوب من الحريري أن يرفع لواء الاعتدال ولكن من غير المسموح له أن يكون زعيم طائفة ولا حتى رئيس حكومة وفاق وطني، ولا كان مسموحاً له بالوجود في بلده. كان مقبولاً للغاية أن يكون خطاب الاعتدال خطاب مناف وزنازين ينطق به اليائس وغير القادر على فعل شيء.

خطاب الاعتدال الذي كان يُرتضى للحريري أن يمثله هو خطاب الغريق الذي لا يستطيع النجاة، والذي يعلن قبل لحظات من غوصه في قعر البحر عن مسامحته لكل أعدائه مجانا.

كان هذا المنطق الذي يريد خصوم الحريري منه أن يتصرف على أساسه. لم يقبلوا بأي تبادلات على الإطلاق. كان المطلوب منه ليس فقط تجنب الحرب ولكن الاعتراف بخسارتها مسبقا، والتكلم من موقع المهزوم ولكن دون أن يعني ذلك وقف المجزرة أو حتى الحد منها.

حين كشفت المحكمة الدولية عن تورط الحزب الإلهي في اغتيال رفيق الحريري كان الحل الذي طرحه سعد يقتضي برفع سيف المحاكمة الدولية عن حزب الله مقابل دخوله في مشروع الدولة والكف عن رفع سلاحه بوجه الجميع.

لم يرفض الحزب هذا العرض فحسب ولكنه رد بالاغتيالات و القمصان السود وباجتياح بيروت وبإسقاط حكومة سعد الحريري ودفعه إلى الركون إلى منفى إجباري في السعودية حيث يبدو خطاب الاعتدال وكأنه جلد للذات.


ضد الطائفة


داعش باتت حجة الجميع ضد السنة الذين يُطلب منهم تلقي ضرباتها من ناحية، والقبول من ناحية بالإدانة الناتجة عن كون داعش سنية ، والرضوخ لكل المفاعيل السياسية الناتجة عن هذا التصنيف.

كان من نتائج هذه النظرة التي خلقتها داعش عن السنة أن تركوا يذبحون بل بدت المجازر في حقهم طبيعية. توسع نطاق هذا المشهد من سوريا والعراق ليضم لبنان الذي شهد تحالفا بين حزب الله والجيش اللبناني على قمع أي تعبير سني عن الغضب بعنف شديد يترافق مع حملات اعتقال وتعذيب، في حين يترك حزب الله ومن معه يعبرون الحدود للمشاركة في حرب لم يعد أحد يناقش في واقعها الطائفي.

ظهر سعد الحريري المؤتمن على إنفاق هبة المليار دولار السعودية المخصصة لتسليح الجيش والقوى الأمنية بوصفه الحليف الفعلي للجيش اللبناني

هذا الواقع جعل من خطاب الاعتدال الذي لا يستطيع سوى دعم الجيش والمؤسسات الأمنية والدفاع عن مشروع الدولة يبدو بالنسبة إلى الجمهور السني وكأنه خطاب متحالف مع حزب الله والجيش ضده. ظهرت الحريرية وكأنها تلفظ أنفاسها أو هي تعيش لحظة احتضارها، وأن السنة يتجهون نحو التطرف كخيار منطقي وطبيعي لا مكان فيه لمشروع الاعتدال، الذي تبدو مفاعيله على الأرض في حلف موضوعي مع أعداء الطائفة.

بدا للحظة وكأن كل مناطق الشمال وعكار التي تعيش إهمالا تاريخيا لم تفلح الهبات الحريرية والمشاريع الإنمائية في رفعه عنهم وكأنها صارت خارج الحريرية تماما. وبات نواب تلك المناطق ينطقون بما يعتمل في نفس الجماهير بشكل يتناقض تماما مع خطاب الحريري.

الانفجار الكبير الذي كان يعد لدفع الطائفة السنية إلى خط القطيعة مع خطاب الاعتدال كان لحظة عرسال، الذي كشف مسار الحوادث فيها عن نية مبيّتة لاستخدامها لخلق حالة عداء وحرب بين الطائفة السنية وأهل عرسال والجيش اللبناني واللاجئين السوريين، تكون مقدمة لمجزرة مفتوحة تؤبد توصيف الإرهاب على السنّة وتجعل حزب الله يبدو وكأنه المدافع عن الجيش ومحارب الإرهاب الأول.


عودة الحريري


في ظل هذه اللحظة المنفجرة عاد سعد الحريري إلى لبنان في ظل سياقات عامة تؤذن بأن الأمور باتت على شفير انفجار عام لا يستطيع أحد ضبطه والتحكم فيه ما أجبر أطراف اللعبة على الركون إلى حدود دنيا من الواقعية، فكان أن تخلت إيران عن المالكي وشرعت أميركا في محاربة داعش وبرز كلام عن اقتراب موعد حسم الأمور في دمشق بشكل لا يصب في مصلحة محور الممانعة.

عاد سعد الحريري على إيقاع حسم المعركة في عرسال على عكس ما كان يشتهي الحزب الإلهي، وبدل أن يتم الإيقاع بين السنة والجيش اللبناني ظهر سعد الحريري المؤتمن على إنفاق هبة المليار دولار السعودية المخصصة لتسليح الجيش والقوى الأمنية بوصفه الحليف الفعلي للجيش اللبناني الذي سرعان ما تحولت حملات التقديس العارمة له إلى حفلات تخوين.

انتصار سعد الحريري الدائم المطلوب كان يتطلب منه تقديم تنازلات دائمة على حساب شعبيته ورصيده. ارتضى هذا القدر على أساس أن التنازلات الدائمة ستتحول في لحظة ما إلى انتصارات دائمة

المفارقة تكمن أن السنة لا يثقون بالجيش ويعتبرونه طرفا والحريري لا يستطيع سوى أن يدعم الجيش، في حين أن حزب الله يستعمل الدعم الذي يأتيه من رعاته مباشرة لصالحه الخاص وينفقه على تمكين ولاء جمهوره.

جزء كبير من جمهور الحريري يرى في هبة المليار دولار المقدمة لجيش يعتقل أبناءهم ويعذبهم ويشارك حزب الله في معاركه نوعا من استسلام ورضوخ، خاصة أن مناطق الأرياف التي تشكل خزان الولاء للحريرية لا زالت تعيش وكأنها من القرون الوسطى، كما يبرز كذلك تفريق واضح في تعامل الحريري مع بيروت ومع باقي المناطق أسس لبروز فارق حاد في الميول والتوجهات السياسية بين سنة المدينة وسنة الأرياف.


الحريري أسير الحصارين


هكذا يعيش الحريري أسيراً لجمهوره ولأعدائه. جمهوره يريد منه تقمص شخصية البطل المحارب ويرصد أي بادرة تدل على سلوك مدني عادي بوصفها نوعا من التراخي واللامبالاة.

من هنا كانت التعليقات التي صدرت من جمهوره على صور له في السعودية يبدو فيها وهو يمارس رياضة قيادة الدراجة تعبر عن استياء وعدم تقبل. أعداؤه يفعلون الأمر نفسه فيلتقطون عثرات خطاباته ويسخرون منه، ويرون في كل مظهر من مظاهر السلوك الطبيعي والمدني الذي يظهره علامة من علامات انتصارهم عليهم ويلبسونه في الوقت نفسه ثوب البغدادي.

سعد الحريري شخصية مأساوية تدافع عن قضية نبيلة في زمن لا تستطيع فيه القضايا النبيلة السكن في المجال السياسي بل تنفى إلى المجال الخيري. يدافع عن خطاب الاعتدال من قلب أكثرية مظلومة تنخرها أقلية داخلية إجرامية وأقليات خارجية كثيرة “مستشرسة” لا ترحم.

سعد الحريري في هذه الحالة يبدو وكأنه وحده “أقلية معتدلة” تحاول أن تصنع قارب نجاة يتسع للجميع، ولكن لا أحد يريد الصعود على هذا المركب سوى بصفة ثقب.

هل يستطيع ربان مركب الاعتدال سعد الحريري أن يقود المركب وأن يسد الثقوب في الوقت نفسه؟

7